الأحد، 11 أكتوبر 2009

الغـــــريبـــة - قصة قصيرة


منذ سنوات وتلك المرأة الغريبة تدور بلا هوية على البيوت والمحلات.. حتى المكاتب فى الهيئات الحكومية.. تهيم على وجهها فى الطرقات.. تستجدى هذا وتسب ذاك ونمدح الآخر وتضرب الأطفال الصغار فى الشوارع...
ترشق الأبواب والنوافذ بالحجارة.. تجرى وراء الفتيات لتمزق أثوابهن وتخطف ما بأيدهن.. تفعل أشياء غريبة مثلها تماماً...
لا أحد يستطيع كبح جماحها.. فلا وازع لديها من عقل أو حياء.. الجميع يتحاشاها خشية أن تجعله أضحوكة الحى .. فالجميع يعرف أنها مجنونة ويجب تجنبها.. إلا موظفات مكتب السكرتارية بالمدرسة الثانوية.. فهى التى ترجوهن دائما أن يتركنها فى حالها ويرحمنها من مكرهن وخبثهن.. فتكون بينهن حملاً وديعاً وقع فريسة لقطيع من الضوارى .. لا يخلصها من أيديهن إلا مها.. السيدة الشابة الهادئة الوديعة ذات الملامح المتناسقة الجميلة.. والتى تخطو حثيثاً نحو نهاية عقدها الرابع...
" سيبوها حرام عليكم.. دى مسكينة " تصيح فى زميلاتها بلطف وتشير عليها بالانصراف من هذا المكتب فى التو...
" ليلى مين؟ دى سندس يا مها" قالت إحدى الزميلات.
حقاً هى تعلم ذلك لكنها تنسى دائماً وتناديها " ليلى" وتعود تتذكر عندما تلفت نظرها إحدى الزميلات...
من ليلى هذه؟ دائماً يسألنها ولا تجيب.. كثيراً ما طلبوا منها أن تحكى لهن قصتها.. بينما تصمت ربما من فرط الحيرة فيما إذا كان من حقها أن تروى تلك القصة أم لا.. لكن الإلحاح شديد هذه المرة...
تسافر مها عبر ذكرياتها .. تحاول استدعاء الأحداث المستقرة على حافة الذاكرة.. تنادى عبثاً على بطلتها الغائبة.. ربما يعود الغائب.. ولكن الغائب لا يعود...
دارت الأرض بها.. تراقصت فى عينيها الصور المعلقة على الحوائط.. واهتزت قطع الأثاث المنسقة حولها فى الصالة الكبيرة.. وقبل أن تغيم الرؤية تماماً ناشدت زوجها المحامى الشاب أن يتوقف عند هذا الحد من المناقشة التى احتدت بينهما على غير العادة دون أن يشعرا...
مضت متثاقلة إلى غرفة النوم لتريح جسدها المجهد.. المثقل بمسئولية مخلوق جديد يتكون بداخله.. لم تكن المرة الأولى التى تشعر فيها بهذا الشعور وتعيش هذه الحالة...
كانت مفاجأة سارة جداً لقلبها عندما وضعت حملها الأول منذ سنوات كثيرة واكتشفت أنها رزقت بتوءم جميل.. البنت والولد معاً.. يالها من نعمة تقدرها جيداً.. وتشكر عليها العاطى الوهاب صبح مساء...
تحب الأطفال هى جداً.. تتمنى لو ترزق طفلاً فى كل عام.. تقول دائماً كما لو كانت رجلاً من العصور السحيقة " الأولاد عزوة وسند".. بيد ان الله أراد لها أن تكون هناك أعواماً ليست بالقليلة بين كل حمل وآخر.. كانت راضية تماماً بإرادة الله.. ورزقت من حملها الثانى بطفلة جميلة.. شقية.. رائعة المحيا.. شديدة الشبه بها...
هى الآن فى شهور الحمل الأخيرة .. تنتظر مولودها القادم بصبر نافد وشوق بالغ كما لم تنجب قط.. تود لو تدور الأيام دورتها لتراه وتسمع صوته.. تحدد ملامحه الصغيرة وتتحسس جلده الوردى الناعم.. ما أجمل هذا الإحساس لديها...
تشعر باختناق شديد.. يعلو ويهبط صدرها مع كل شهيق وزفير.. كأن ذرات الأكسجين تضاءلت فى الهواء .. وفى حركة تلقائية فتحت النافذة المغلقة بإحكام .. ألقت برأسها وبعض جسدها إلى الخارج.. صفعتها ريح باردة .. ربما لتذكرها أنه يجب عليها ان تدخل مسرعة.. وتحكم إغلاق النافذة مرة أخرى.. فسماء يناير الغائمة ستصب جام غضبها على الفور...
لكنها لم تلقى بالاً لهذا الإنذار الصريح .. ظلت عينها معلقة بمشهد لم تر فى حياتها مثله.. تصلبت أذنها وهى تلتقط تلك الهمهمات الغريبة التى ترددها امرأة ناشرة الشعر.. غريبة الأطوار والملبس.. بدت لها وكأنها جنية انشقت عنها الأرض.. أو خرجت من النهر المجاور للمنزل الكبير...
وفى عصبية شديدة ألقت المرأة صرة كانت فى حجرها بينما هى جالسة إلى جوار الجدار أسفل النافذة.. انطلقت صرخات مفاجئة من الصرة لحظة ارتطامها بالأرض.. فصرخت مها مفزوعة...
فجأة نشر الصمت غير المبرر عباءته على المكان .. لتكتشف مها أنها كانت شاردة طوال كل هذه الدقائق الماضية.. وأن التوسلات فى عيون الزميلات قد اشتدت كثافتها بعد أن انتظرنها طويلا حتى تعود من شرودها .. وأفرغت كل منهن ما لديها من قصص قد تكون متشابهة مع القصة المنتظرة.. ومنهن ما شط بها الخيال إلى أبعد من ذلك فاخترعت قصصاً وسيناريوهات من بنات أفكارها...
وأمام رغبتهن الجارفة أخذت مها تحفر فى ذاكرتها .. وتخوض فى أعماق أيامها.. تلملم خيوط الأحداث البعيدة.. لتنسج منها أغرب قصة صادفتها فى حياتها...
بدا دور الراوية مناسباً لها تماماً.. والزميلات يصيخن السمع فى اهتمام غريب ودهشة.. فانبرت تعيش الأحداث من جديد...
كان يوماً غريباً مطيراً حين رأتها لأول مرة.. أرعبها منظرها وحركاتها وكلامها.. صرخت منادية زوجها الذى هرع إليها فى لمح البصر.. وقد قفزت إلى ذهنه خيالات مرعبة.. أشارت مرتعدة إلى أسفل فأخذ يربت على كتفها وبهدوء شديد أغلق النافذة.. وهو مازال يعتقد أن المناقشة التى احتدت منذ قليل هى السبب فى هذا الذى ألم بها...
وبعد وقت لا تدرى أكان طويلا أم قصيرا استيقظت من نومها.. بدأت تسترد عافيتها فيبدو أن أعصابها كانت مجهدة بالفعل.. وجدت فى نفسها أثر فرحة طارئة.. لقد وافق زوجها أخيراً على تسلمها العمل...
" شكراً لك أيتها المرأة الغريبة!" قالت مبتهجة.
يعلو الصياح بالخارج .. يهرع الجميع إلى النوافذ.. لطمات تدوى على الخدود والرأس .. يشتد الصراخ حتى تنقطع الأنفاس وتغيب تماماً .. شتائم وألفاظ خادشة تُقذف فى وجه أشخاص وهميين لا وجود لهم إلا فى رأس تلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
يلف الصمت المكان مرة أخرى ويتأكد لمها أنها كانت المتحدثة الوحيدة طوال كل هذا الوقت الفائت .. وقد ازدادت كثافة التوسلات فى العيون المنصتة..فعادت مها تلتقط خيوط الحديث من جديد...
ومرت أيام قلائل وجاء يوم تسلمها العمل .. وبعدما انقضى يومها الأول وفى طريق عودتها إلى المنزل اصطدمت بها ..همت لتمسك بتلابيبها بيدها القوية وأظفارها الطويلة كمخالب قط برى.. خرج أهل المنزل جميعاً على صراخ مها...
" سيبيها يا ليلى.. دى مدام ابنى .. الاستاذ محمود" قالت لها جدة الأولاد فتركتها على الفور وجلس الجميع يهدئون من روعها.
نادت جدة الأولاد على ليلى وتحدثت معها لبعض الوقت.. فهى تحب الجدة كثيراً وتسمع كلامها.. لتصبح ليلى منذ ذلك الحين إنسانة أخرى تماماً.. فكان كل من يراها معهم وبينهم لا يصدق أبداً أنها هى .. تلك المجنونة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
مرت الشهور سريعا وجاء المولود المنتظر " أحمد".. والذى راق لليلى منذ اللحظة الأولى أن تسميه "لاوس" ولا أحد يدرى من أين جاءت بهذا الاسم وعندما سألتها مها قالت " أهو لاوس وخلاص يا ست ام لاوس".
" لاوس .. لاوس .. بس يعيش" قالت مهما ممازحة.
الغريب أن ليلى تحملت مسئولية تربية هذا الوليد منذ اليوم الأول.. أحبته كما لم تحب طفلا قط حتى رضيعها الذى بين يديها.. وتخاف عليه خوفها على شىء عزيز لم تمتلكه.. تحمله طيلة الوقت.. تغسل له لفائفه وسراويله الصغيرة وتقبلها قبل أن تطويها وتضعها فى خزانة ملابسه.. وفجأة...
اختفت ليلى برضيعها كما ظهرت .. تاركة "لاوس" ابن الأربعين يوماً.. ذابت مع ثلوج الشتاء دون أن يدرى بها أحد.. أو تترك وراءها أثراً يشى للنفس بعودتها يوما...
لملمت خلفها الخماسين ذراتها المطبقة على الدنيا.. كما مر الصيف المرهق بقيظة وجوه الخانق دون أن يبشر بعودتها...
ونسى الجميع ليلى وكلام ليلى وصراخها وألفاظها.. لكن شيئاً ما بقى بقلب مها وذاكرتها لتلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
عادت المدارس تفتح أبوابها من جديد.. وغرقت مها فى العمل وكادت تنسى هى الأخرى تلك الليلى ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
وذات يوم أثناء عودتها من المدرسة لمحت مها نفس البطاطين والأسمال البالية منشورة على سور حديقة المنزل وأفرع الأشجار المتدلية فوقه.. شئ ما بدأ يعتمل فى نفسها...
" ليتها تكون هى" همست فى نفسها.
" ازيك يا ست ام لاوس" بادرتها قبل أن تكمل حديثها الهامس.
وبعد حديث ليس بالطويل دار بينهما فى الشارع أخذتها مها إلى الداخل لترى حبيبها لاوس.. ثم تركنها معه وقد انشغلت بتبديل ملابسها.. مطمئنة تماماً أن صغيرها فى أيد أمينة رغم كل التحذيرات التى انهالت عليها سابقاً من الجارات والأقارب...
حاولت مها إقناعها بأن تخصص لها مكاناً حتى ولو فى الجراج يحميها هى وصغيرها من الأمطار والبرد.. إلا أنها كانت تأبى بشدة وتشير إلى السماء قائلة " اللى خلقتا يحمينا".
وتستمر الحياة وتمضى الأيام بالبشر.. وينقضى الشتاء.. وتختفى ليلى مرة أخرى .. ودون أن تودع أحداً .. وتحار العقول مرة أخرى فى سر ظهورها واختفائها المفاجئ.. وكالعادة ينسى الجميع ليلى وحكاياتها العجيبة.. ويبقى بقلب مها وذاكرتها شئ لتلك المرأة الغريبة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
سنوات مرت على تلك الحال .. تظهر ليلى وتختفى .. ولم يعد يندهش الناس من ذلك الحدث.. وانشغل كل بأموره عن هلاوسها ومنظرها الذى غدا مألوفاً لديهم.. فأصبح من الطبيعى أن يرى الجميع امرأة غريبة تبيت إلى جوار الجدار فى ليالى الشتاء القارسة.. رافضة أن يستضيفها أحد أو أن تحتمى بصغيرها فى أى ركن من العواصف والرعود والأمطار.. تستيقظ مع الفجر فى كل يوم تلملم أسمالها من على أفرع الأشجار لتغسلها فى النهر ثم تنشرها مرة أخرى.. تغمر صغيرها فى ماء النهر البارد ليلا أو نهاراً كلما اتسخت يداه أو ملابسه...
غدا بديهياً أن يتمهل كل من يقصد دورة مياه المسجد فى أية ساعة من نهار أو ليل .. ليتأكد من عدم وجود ليلى بالداخل للاستحمام.. حتى ولو لم تكن تصيح بترنيماتها الغريبة التى تشبه تمتمات السحرة والمشعوزين.. وإنذاراتها الفجة لكل من يسوقه قدره إلى هذا المكان فى تلك الساعة...
ويمضى قطار السنين .. وتظهر ليلى مع الرعود والمطر .. وتختفى مع أول خيوط الدفء .. وينسى الناس.. ويتذكرون...
" يا ترى انتى فين دلوقت يا ليلى؟" تتنهد مها وتهمس حزينة متأثرة.
تركتهم ليلى منذ أن التحق لاوس بالمدرسة.. سبع سنوات مرت على اختفائها.. سبع سنوات والشتاء يأتى بدونها.. ترى هل مازالت حية؟ هل مازالت تذكرهم؟ هل مازالت تحب لاوس؟ لقد كبر الآن وكاد يتخطاها عوده.. مسكينة ليلى .. أتت وغادرت دون ان يعرف أحد حكايتها...
تنهمر بعض الدمعات من عيني مها وتصمت طويلاً.. ويبقى بقلبها وذاكرتها شيء لتلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

حكايات بطولة من قلب المعركة!!


فى حياة كل منا مواقف تترك بصمتها على حياته.. واحداث من الأهمية بمكان يجعلها صفحة فى تاريخه.. واشخاص لايقدر بأى حال أن ينساهم .. كل هذا تجسد فى حياتى فى لحظة يوم أن التقيتهم وأجريت معهم هذا الحوار الودود الذى تناول ذكرياتهم عن المعركة..إتهم أبطال شاركوا فى حرب أكتوبر المجيدة.....
كان هذا فى الذكرى الخامسة والعشرين لملحمة اكتوبر الخالدة وكنت فى بدايات عملى الصحفى بجريدة الشعب فيما قبل مرحلة الجامعة ونشر بتاريخ 6/10/1998
تعددت البطولات والحكايات ..وكل حكاية ترسم صورة مشرفة ومضيئة ..وفى هذه المساحة البسيطة نرصد بعض هذه الحكايات من أرض المعركة ..ونستمع إلي التفاصيل على لسان أبطالها الذين أبلوا بلاءً حسناً .. ضاربين أروع الأمثلة على مر العصور فى الفداء والتضحية وعشق الوطن!!
جمعة أحمد عبد المولى بأحد كتائب المدفعية المضادة لللطائرات آنذاك يبدأ كلامه قائلا: كأنى الآن فى قلب المعركة وكل فصولها ترتسم أمام عينى بكل دقة ووضوح..فالمواقف التى لا تنسى كثيرة ومتنوعة وأكبر من أن يتخيلها عقل .. ولكن الشىء الذى لايفارق ذاكرتى هو أننى اختلفت مع قائد السرية أثناء عبورنا القناة من فوق الكوبرى ..وكنت أقود سيارة مجهز عليها مدفع مضاد للطائرات وكانت مهمتنا الأساسية هى حماية القوات أثناء العبور ..فقد أمر القائد بالسير من طريق مخالف فحاولت إقناعه أن هذا الطريق خاطىء وأن الصحيح هو طريق آخر أعرفه جيداً منذ حرب 67 التى استركت فيها أيضاً..لكنه أصر على رأيه فلم أجد أمامى إلا مخالفة الأوامر العسكرية وأنا أعلم جيدا إلى أى مدى ستصل العقوبة وسيرت فى الطريق الذى أعرفه ..وكان بالفعل هو الصحيح ووصلنا المنطقة المقصودة ليلاً..وفى السادسة صباحاً اشتبكنا مع قوات العدو وألحقنا بهم خسائر كبيرة ..وقد نلت على هذا التصرف شهادة "الكفاءة القتالية" من الدرجة الأولى.
يحيى ابراهيم الجمل –مواطن مصرى- كما أصر أن يُلقب .. قابلنا بإبتسامة عريضة وتنهيدة شوق وحنين إلى كل لحظة فداء وكل حبة رمال شهدت على هذه الملحمة الرائعة .. يقول الجمل: كنت جندى برتبة عريف فى سلاح الإستطلاع أى أن عملى كان بالمقدمة ..وأثناء قيامى بمهمتى برصد تحركات العدو عن قرب وإبلاغ المدفعية فى الخلف فوجئت بطائرة إسرائيلة تقترب من الموقع فأسرعت بالإبلاغ عنها واشتركت فى إسقاطها أيضاً مع الجنود وقمت بنفسى بأسر قائدها ..وقد أصبت فى ذراعى اليسرى بشظايا من صاروخ أطلقته قوات العدو ونتج عن هذه الإصابة نسبة عجز بالغة أفخر بها فى كل حين.
محمد غازى هليل يسترجع معنا ذكرياته المحفورة فى قلبه والموشومة على جدار روحه كما يؤكد فيقول: حاصرنا العدو أربعة أشهر بمنطقة ممر الجدى جنوب البحيرات المُرة ورغم المعاناة لم نفقد الثقة بالله ولا بأنفسنا وكان عزمنا يزداد باشتداد الأزمة.. ورغم أن العدو هو المحاصر لنا إلا أنه لم يستطع معرفة قوتنا أو عددنا وكلما كان يقذفنا بطلقة نقذفه بعشر ..وبعد انتهاء الحصار كان الاحتفال الذى قابلنا به شعب مصر فى القاهرة عظيما ..حيث احتشد المسئولون والأهالى وطلاب المدارس والجامعات على جانبى القطار بمحطة مصر ..كان الجميع يهتف بحياتنا وحياة مصر العظيمة لدرجة أن سائق السيارات أوصلونا إلى بيوتنا فى طول البلاد وعرضها بدون مقابل.. ومنا مَن ظن أهله أنه أستشهد وكنت ممن أشيع نبأ استشهادهم وعند عودتى استقبلتنى القرية عن آخرها بالزغاريد والفرحة.
السيد محمد متولى يكاد يبكى بينما تعلو وجهه ابتسامة من أروع وأبهى مايكون ..يهمس نصف شارد وكأن شريط سينما يمر أمام عينيه: عبرت القناة مع القوات بالقوارب المطاطية وفى الضفة الغربية ليلاً أصبت بعدة رصاصات فى ساقى اليمنى وظللت حتى الصباح فى المكان الذى أصبت فيه..بعدها عثر علىّ الرفاق ونقلت إلى مستشفى الزيتية بالسويس ثم إلى القاهرة لإتمام علاجى.ز وهاهى الآثار منقوشة على ساقى أعتز بها حتى الممات.
محمد شهاب الدين يقول بلهجة الفخر والاعتزاز وبمنتهى الفداء وإنكار الذات: أسرت أثناء المعركة ولكن فرحة النصر أنستنى كل شىء..حتى التعذيب الذى كان اليهود الملاعين يتفننون فى ابتكار أساليب جديدة وبشعة منه ..والذى مازالت آثاره الدامية على جسدى كله منذ خمسة وعشرين عاما وستبقى شاهدة على جرمهم وبشاعتهم مادمت حياً..لكننى لم أكن حزينا ولا جازعاً فروحى فداءً لمصر ..وقد عدت إلى أرض الوطن الحبيب بعد تحريره مقَّبلاً ثراه الغالى مع أول تبادل للأسرى بيننا وبين العدو.
محمد السيد مبروك يأخذنا إلى زواية أخرى من الصورة البانورامية الواقعية فيقول: فى أحد الأيام دخلنا السويس من أجل البحث عن شىء نقتات به.. وتصادف ذلك اليوم مع هجوم قوات العدو على المدينة.. فالتحم الجنود المصريون الموجودون وقتها وكانوا حوالى سبعة آلاف جندى بمشاركة الأهالى مع قوات العدو.. ودارت معركة طاحنة بالأيدى والشوم والأسلحة البيضاء والحجارة ..وتم الإمساك بالجنود الإسرائيليين وقائدهم الذى اقتحم وبعض مَن معه مبنى المحافظة وأخذناهم أسرى.
عقيد متقاعد محمود سعفان يشرح لنا باستفاضة واعجاب يفوق الوصف استراتيجية حرب أكتوبر المجيدة وكيف كانت الخطة فريدة ومحكمة وكأنه يلقى قصائد شعر من الطراز الرفيع ويشرح أيضاً كيف تم التجهيز للحرب
وعمليات التمويه والبداية الفعلية للحرب.. وكم كانت بسالة الجيش المصرى جنوداً وقادة ..كنت استمع وانا فى غاية الفخر والتقدير واسترسل حتى وصل إلى ذكر تلك الإصابة بعينه اليسرى والتى أفقدتها البصر تماما وحدثت أثناء الحرب وأنه يعتبر هذا وساماً على صدره شرفه المولى تبارك وتعالى به حتى نهاية العمر.

الأحد، 4 أكتوبر 2009

ملحمة العبور المجيدة .. أمجاد يا عرب أمجاد!!



اكتوبر .. شهر الاحتفالات .. شهر العزة والكرامة والحرية.. شهر استرداد الأرض وتأكيد الثقة والعزم....
ملحمة حرب اكتوبر المجيدة ..ذكرى عزيزة وغالية على كل مصرى وعربى .. صورة مشرفة لأمة عربية متماسكة اجتمعت يوماً على رأى واحد وتعاونت على البر والتقوى واعدت للعدو ما استطاعت من قوة وعزم ..صفحة ناصعة مضيئة فى سجل كل ابن من أبناء هذا الوطن العظيم الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وكتبوا بدمائهم الذكية أروع ملاحم النصر.....
ففى كل بيت حكاية وفى كل قلب ذكرى لأب ..أو ابن.. أو أخ.. أو عم.. أو خال.. منهم من عاد متشحاً بوشاح العزة والكرامة ومغرداً بأهازيج النصر ..ومنهم "أحياء عند ربهم يُرزقون".....
ومع حلول اكتوبر المجيد تقام الاحتفالات.. وتنصب ساحات العرفان بالجميل على نصب الذكرى العزيزة الغالية.. وتدور على الألسنة قصص البطولة وحكايات الأبطال.. وتطل وجوه تنضح بالإيمان والشجاعة لرجالٍ " صدقوا ما عاهدوا الله عليه".....
ورغم كل التقدير والعرفان الذى تكنه القلوب والأرواح لهؤلاء الأبطال البواسل ..إلا أن ما قدموه لنا كان أكثر واغلى وأعظم من كل ما يمكن أن نقدمه نحن لهم أو لمصرنا وعروبتنا التى هانت بعدهم.....
فمهما أقمنا من احتفالات ..ومهما صدحت حناجرنا بالأغنيات.. فلن نستطيع أبدا أن نوفى أبطالنا البواسل حقهم .. ولكل مصرى أن يفخر بمصريته وعروبته وتاريخه المشرف..فما أحوجنا فى هذه الأيام الى أن يصل ذلك المفهوم إلى كل الشباب والنشء الذين لم يعاصروا هذا النصر المجيد ويدركوا كم هى مصر عظيمة بشعبها وجيشها على مر العصور لتظل تلك الصفحة المضيئة من تاريخ الوطن محفورة فى قلوب كل المصريين والعرب بحروف من نور جيلاً بعد جيل!!
فهل نأمل بأن يهب العرب هبة رجل واحد وأن تثور فى عروقهم دماء النخوة من جديد من أجل فلسطين الحبيبة ونصرة المسجدالأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين؟؟؟!!
مليون تحية إلى روح بطل الحرب والسلام
وإلى أرواح كل شهدائنا الأبرار!!