الأربعاء، 29 أبريل 2009

الزمان الرمادى - قصة قصيرة


" سأقتله" قال أحد أعضاء الجمعية.
"أمسك لسانك واهدأ يا باشمهندس.. للحيطان آذان" قال العضو عن يمينه هامساً فى أذنه.
" لا يهمنى فالكلاب المسعورة يجب ان تقتل" قال الباشمهندس بأعلى صوت.
مرت لحظات قليلة خيم الصمت فيها على مقر الجمعية المنعقد به هذا الاحتماع الطارىء للأعضاء...
" يا جماعة الأمر جد خطير" قال الدكتور سعد رئيس مجلس إدارة الجمعية.
تداخلت الأصوات واختلطت الكلمات ولم يعد يُفهم أيهم المتكلم وماذا يقول.. فجأة قطع كلام الجميع وقع خفيض لأقدام دقيقة سريعة الخطو إلى الدرجة التى لا يشعر بها من يمشى بجوار صاحبها فكأنها ريح خفيفة تمر دون إزعاج.. لكن قسمات وجه صاحبها تنبئ عن أخبار سيئة ولاشك..مال الرجل ذو الأقدام الدقيقة سريعة الخطو على أذن الدكتور سعد.. حرك شفتيه دون أن يخرج أدنى صوت.. ثم مد يده بورقة صغيرة بدت نذير شؤم مؤكد.. احتبس صوت الدكتور سعد وامتقع وجهه.. حاول السيطرة على أعصابه وانفعالاته دون جدوى...
" عملها الكلب" قال الدكتور سعد فى عصبية وغضب شديد.
لم يكن يدرى الجميع ما هى التى فعلها.. لكنهم جميعاً يعلمون من هو الكلب.. وفى شبه فوضى ضجت القاعة بالهمهمات واللغط مرة أخرى" سأقتله" يقول نفس العضو مجدداً.
" يبدو ان معك حق فعلاً يا باشمهندس" همهم الدكتور سعد غاضباً.
أسوأ فعلة ممكن أن تخطر ببال أحدهم .. فقد خطط ودبر فى صمت ومكر بهم وهم مشغولون بالقضايا والمحاكم التى بينهم وبينه.. منذ ذلك اليوم المشئوم الذى صدر فيه الحكم بتعينه حارساً قضائياً على الجمعية.. والآن قد وجه لهم الضربة القاضية بالفعل...
" هذه صورة من قرار حل الجمعية" قال الدكتور سعد.
" والكارثة أنه تم تعينه مصفياً لها.. يعنى فعلاً حرَّسوا الديب على الغنم" أكمل الدكتور مشيراً بالورقة الصغيرة فى يده.
"سأقتله" صاح جميع الأعضاء فى صوت واحد.
تقدموا بشكوى للوزارة مرفق بها كل تجاوزات هذا الحارس القضائى.. سردوا فيها بالتفصيل كل الجرائم التى ارتكبها من أول بيع أصول الجمعية الثابتة وأرض المدينة السكنية التى كانوا سيقيمون عليها.. ونهب أموال الأعضاء التى دفعوا ثمنها من أعمارهم وعافيتهم فى الغربة ثم جاءوا ليستثمروها فى بلدهم وبين أهلهم.. وبيع أراضيهم وممتلكاتهم بقرارات وهمية وجمعيات عمومية زائفة وسلطات مغتصبة.. وتحرير حيازات لأعضاء ليس لهم وجود وغير ذلك من الجرائم التى تُبقيه فى السجن مدى الحياة...
" اطمئنوا يا جماعة.. فكل شيء واضح وضوح الشمس.. وقد رصدناه فى التقرير الذى سيرفع للوزارة" قال رئيس اللجنة الموفدة من قبل الوزارة لتقصى الحقائق...
" أهو دا الكلام " قال الدكتور سعد وتهللت أسارير وجوه الأعضاء وبدأ الأمل يدب فى أعماقهم بعد طول يأس وطرحة وعاودهم اليقين الهارب بأن دولة الظلم ساعة وأن البلد بخير لم يزل...
مرت الأيام عديدة والأسابيع أيضاً ودام الجميع خلالها فى انتظار مرير.. ودام الحارس القضائى يحيك مؤامراته فى الخفاء ويمارس ألاعيبه المريبة فى الظلام...
وتوالت الأسابيع بعدها دون أن تسفر عن شىء.. وعلى الرغم من تقرير اللجنة الذى قدمته للوزارة وتضمن كل الجرائم بالأدلة والمستندات.. إلا أن النتيجة فى النهاية لاشىء.. وبعد جهد جهيد تكبده الأعضاء فى سبيل الحصول على رد خرجت الوزارة عن صمتها معلنة باقتضاب " وعلى المتضرر اللجوء للقضاء".. وزادت الدعاوى التى أقامها الأعضاء دعويين جديدتين ضد هذا النصاب...
" سأقتله" عاد يقول الباشمهندس من جديد.
" لسنا مجرمين مثله .. وعلينا أن ننتظر حكم القضاء " قال الدكتور سعد.
أما الآن فالأجدى لهم أن يفكروا فى طريقة للحصول على صورة من تقرير لجنة الوزارة وتقديمه للمحكمة.. وكانت قد فشلت المحكمة ذاتها كجهة ملِزمة ومختصة فى الحصول على صورة من التقرير .. فقد طالبت بذلك مراراً حتى يتسنى لها الفصل فى القضية والوزارة الميمونة أذن من طين وأخرى من عجين...
وبعيدا عن الطرق الرسمية التى تفشل غالباً اقترح أحدهم طريقاً مجرباً لا يعرف الفشل أبدا.. حتى وإن كان هذا فالمهم الآن هو الدفاع عن حقوقهم وحفظ شقاء العمر من النهب والسلب...
"وأنا أعرف الواسطة" قال المقترح مؤكداً.
" وماذا ننتظر ؟ هيا بنا يا رجال فلنتغدى به قبل أن يتعشى بنا" قال الباشمهندس متحمساً.
" لسنا فى غابة يا بشر" قال عضو مسالم يظن خيراً بالدنيا والناس والزمان لم يزل.
"إننا فعلاً فى غابة عزيزى الطيب.. أنت وحدك هكذا فى هذا الزمان الردىء الذى دُفنت تحت أنقاضه بقية تلك المُثل.. التى أفنيت عمرك تقدسها وتدافع عنها " قال الباشمهندس متهكماً.
قبض الأستاذ سعد أصابع يمناه بقوة.. طرق عدة طرقات على الطاولة المستطيلة أمامه معرباً عن عزمه الأكيد على خوضه المعركة حتى النهاية.. نهض معلناً نهاية الجلسة الطارئة مغادراً مقر الجمعية إلى سيارته الرابضة أمام المبنى تاركاً وراءه لغط وجلبة تزلزل أركان المكان...
بعد دقائق قليلة انشغل فيها الأعضاء بلغطهم وجلبتهم .. وقبل ان يتفرق الجمع عاد الرجل ذو الأقدام الدقيقة.. لكنه هذه المرة وئيد الخطى مذهولاً مذعوراً.. تحسس مقعد الدكتور سعد بعيون شاخصة غائبة خلف الدموع الغزيرة التى انطلقت كالسيل على وجهه النحيف الغائرة قسماته...
"إنا لله وإنا إليه راجعون!" تمتم ذبيح القلب والشعور.

رباعيات


تسلم يا غصن الخوخ
يا عود الحطـــــــــب
بييجي الربيع
تطلـــــــــــع زهورك عجب
و انا ليه بيمضـي ربيع
وييجــــــــــــــــــــي ربيع
و لسه برضك
قلـــــــــــبي حتة خشب

عجبي !!!

الاثنين، 27 أبريل 2009

أوراق سقطت فى الربيع - قصة قصيرة


رويداً رويدا تحسست يد الرضيع الممسكة بطرف ثوبها.. قبَّلتها وهى تضعها إلى جواره وتُحكم الغطاء حول جسده الرقيق برفق.. وسريعا سريعاً انتزعت جسدها من حضن الدفء.. لملمت جدائلها الحريرية بلون الليل وأخفتها تحت عصابة رأسها المنزلقة على الوسادة...لم تعد تتحسس تلك الجدائل الطويلة التى طالما انفلتت متمردة على غطاء الرأس الذى يحجب كل جمالها.. كأنها تخشى أن تنبت بذرة الأنوثة بداخلها من جديد بعد أن نسيتها تماماً...أسرعت توقظ الشمس كعادتها فى كل يوم .. فتحت باب البيت الريفى الصغير المعروش بالقش فى وجه الرزق.. طافت بالعليق والبرسيم على بقرتها السلوب وعنزتها وصغيريها.. وأسرعت إلى دواجنها...وقفت إلى جوار البقرة تملس عليها وتربت على ظهرها.. تعتذر لها عن حرمانها من صغيرها وتبكى القدر الذى جعلها شريكة فى المسئولية والحمل الثقيل...انزوت فى ركن الحظيرة تلملم البيض وهى مسكونة بالألم .. وصورة صغير البقرة الذى كُتب عليه أن يكون ضحية الحاجة والعوز...دارت يمنة ويسرة بين أرجاء البيت المنقوع فى الصقيع.. قطرات الندى تتساقط كحبات اللؤلؤ من اطراف القش الرابض على سطح المنزل والمتدلى على جوانبه.. تعشق هى التقاط تلك الحبات فى كفيها.. عادة قديمة لا تجد لها مبررا.. فقط تجلب لها بعض الراحة النفسية.. مرتبطة لديها بسنوات الطفولة البريئة.. كانت توقظها أمها قبل الشمس لتدربها على مسئولياتها القادمة.. وكانت تتسلل من خلفها.. تتنقل بين أشجار الكافور والجازورينا الشاهقة أمام المنزل.. الذى يتوسط جرن كبير على رأس الحقل.. والمزروعة منذ زمن يفوق عمر أبيها وأمها معاً...تجمع تلك الحبات اللؤلؤية الجميلة فى كفيها الصغيرتين.. فتبلل وجهها وملابسها.. وشيئاً شيئاً تغزو جسدها الطفولى رعشة عارضة فتبدو كالعصفور بلله المطر...تهرب لائذة بالأشعة الفضية القادمة من أطراف السماء.. لتفترش كومة الحطب القابعة فى أقصى يسار الجرن.. تنعكس الأشعة المتلألئة على ملابسها ووجهها الأبيض المستدير كقرص الشمس الناهض لتوه من المهد...لمعت بعينيها الخضراوين التى لم تستطع الأحزان ولا الدموع أن تنال من لونهما البديع. بقايا حنين عالقة بدمعتين سقطتا فجأة دون أن تدرى." عليك العوض ومنك العوض يارب!" هزت رأسها وزفرت آهة طويلة ملتهبة.عادت منهمكة فى شئون بيتها.. انحدرت إلى منخفض بشاطىء الترعة تسقى البقرة.. أنهت طقوسها الصباحية اليومية المعتادة.. ولم تزل الشمس متكاسلة فى مهدها.. كأنها تنتوى الاحتجاب هذا اليوم .. بيد أنها لم تستطع التنبؤ بنواياها تحديداً رغم خبرتها بمثل هذه الأحوال.. فسماء أمشير لا تبوح بأسرارها ومفاجآتها لأحد.. وعلى الجميع توقع أى شىء.. إنه أمشير...لاحت أصابعها تتحسس شتلات شجيرات الفاكهة التى ستخرج بها إلى السوق اليوم.. وهى تحلم بأن ترى أولادها الخمسة وقد عبرت بهم بر الأمان واستقر كل منهم فى حياته..." ساعتها بس أكون أديت رسالتى!" أغمضت عينيها وهى تهمس ضاغطة على كل حرف.تنبهت على دفء قبلة هادئة طبعها على يديها التى تجوس خلال الأغصان أول شعاع للشمس.. دخلت مسرعة توقظ الأبناء...تحرك أحمد ابن السادسة عشر والطالب بالصف الثانى الثانوى بمجرد أن لمسته يدها الحانية.. المترددة...كأنه يؤكد لها مجدداً أنه رجل قادر على تحمل المسئولية الثقيلة التى تركها والده منذ أكثر من عامين ونصف العام..." تقيل حملك قوى يا احمد.. كان بدرى عليك كل ده يا بنى" همست متألمة وهى ذاهبة لتعد طعام الإفطار..." على عينى بهدلتك دى يا حبيبى.. سامحنى يانور عينى!" أردفت منفجرة بالبكاء...ارتفع اللبن فى القدر المرفوع على النار معلناً استعداده للاستقرار بين ثنايا الخبز المجزأ .. ليذوبا سويا فى فم الأسرة كالعادة فى كل يوم...دار همس معتاد مختلطاً بوصايا للصغار فى غيابها.. أمسكت بأذن محمود ابن الثانية عشر تحذره من التلكؤ واللعب بعد انتهاء موعد المدرسة.. بينما أعطت سعد ابن التاسعة مصروفه هو وأخيه الخائب محمود وأوصته به.. ثم ربتت على ظهر وردة بنت السابعة التى أجلستها اليوم من المدرسة لترعى أخاها الرضيع حتى تعود...عادت الأم الشابة التى لم تتجاوز الحادية والثلاثين من عمرها إلى حديثها مع ابنها البكرى أحمد.. والذى اصبح منذ وفاة والده الابن والصديق والأخ.. العزوة والسند والأمان.. تزوجت صغيرة جداً كعادة أهل الريف وأنجبته وهى تكاد نكون طفلة.. لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها.. كبر معها وكبرت معه...وضع أحمد شتلاته فى صندوق السيارة نصف النقل وقد أجلس أمه فى الكبينة إلى جوار السائق.. ثم قفز فوق حافة الصندوق إلى جوار شتلاته الجميلة يقبل يده من الوجهين.. حمداً لله أن أثمر جهدهم وأتت تلك القراريط القليلة التى يستأجرونها بهذا الحصاد الذى لا بأس به.. فصاحب الأرض رجل غليظ ولا يستوعب أنه لا حيلة فى الرزق...مضت السيارة ببطء شديد على الطريق الترابى الطويل الملىء بالحفر والقلاقل.. عبرت الجسر شبه المتهدم الموصل إلى الطريق الرئيسى المؤدى إلى السوق الأسبوعى بالبلدة الكبيرة على بُعد عدة كيلومترات...فترة طويلة مرت لم تر وجهها الأبيض النضير فى المرآة.. لكنها مازالت تتذكر ملامحه جيدا.. ليس هو أبداً الذى تراه أمامها الآن فى مرآة السيارة التى اصطدمت بها عيناها فجأة وهى تعتدل فى جلستها.. تحسست بيدها ذلك الوجه الذابل.. الباهت.. الغريب عليها..." ياااه.. معقول دا وشك يا سعدية؟!" همست فى نفسها فى دهشة بالغة.وجه ذابل وعينان غائرتان لم يبق من حسنهما القديم سوى ذلك اللون الأخضر العميق الثابت ثبوت اليقين رغم عواصف الأحزان والدموع.. وبريق منطفئ فى عمق الأحداق يبنئ عن سحرٍ دفينٍ هنا ..كان..." الله يرحمك يا عبد القادر.. روحت وخدت الدنيا الحلوة معاك!" همست فى نفسها متنهدة..تقاطر الدمع على خديها دون أن تدرى...اجترت ذكرياتها مع الزوج الراحل.. الغالى عليها قدر روحها التى شبَّت على حنانه ودفء رفقته.. تتمنى لو يرى ابنهما الأصغر الذى وُلد بعد رحيله بخمسة أشهر.. إنه يشبهه تماماً وأسمته على اسمه أيضاً.. ظل الدمع يجرى على خديها بينما هى ساهمة غارقة فى الحنين لم تزل.. فجأة صرخت بأعلى صوت.. ظلت تصرخ وتصرخ.. وتصرخ...انحرفت السيارة إلى أقصى اليمين.. استقرت على حافة الترعة بعد أن صدمها جرار زراعى يجر مقطورة كبيرة محملة بمحصول البنجر...
أمطرت سماء أمشير حزناً.. نبت الألم فى قلوب أهل القرية.. تصاعد النحيب والبكاء من كل دار.. خرج الكبار والصغار يشيعون جنازة أحمد.

رباعيات


أنا اللي بالأمر
المحال اغتوي
شفت القمر
نطيت لفوق في الهو
ا

طولته ما طولتوش
ايه انا يهمني
وليه...
مادام بالنشوة
قلبي ارتوي

عجبى!!!

السبت، 25 أبريل 2009

مصر اليوم فى عيد

سينا رجعت كاملة لينا
ومصر اليوم فى عيد

هذا عنا فى 25 ابريل 1982 كنا وقتها بهذا الحماس بالفعل.. كان الصدق مازال ينبع فى النفوس.. كانت المشاعر تجيش بعشق الوطن لم تزل.. كانت كلمات الانتماء والفداء والتضحية لازالت فى القاموس.. تتوارث وتورث وتدّرّس.. كنا نسمع ونعايش معنى الموت فى سبيل ذرة تراب من أرض الوطن.. كانت لنا هوية...
أما عنا اليوم وبعد 27 عاما من ذلك العيد الأول فهل مازلنا بنفس القيم والمعايير الإنسانية الأولى؟ وهل تحقق ما حلم به أهلونا الذين دفعوا ضريبة تحرير هذه الأرض بأغلى ما يملكون؟ هل حفظنا لهم الجميل؟ هل حفظنا حتى ماء وجهنا أمام الله والتاريخ؟؟؟
الإجابة وجهات نظر إحداها فى الرابط التالى...
لكن على أية حال بل ومن المؤكد أن فرحة الجميع بعودة سيناء الحبيبة ليست محل مزايدة.. ولابد للجميع أن يبتهج فحقاً وبلا أدنى شك مصر اليوم فى عيد...

الجمعة، 24 أبريل 2009

صباح الخير يا سينا


علي امتداد تاريخنا الحديث الزاخر بقصص البطولة وملاحم النضال.. سطعت أماكن بعينها وأناس بالتحديد‏.. سطرت بطولاتهم بحروف من نور في سجل الوطن وباتوا رمزا للوطنية والفداء‏.. أماكن كهذه وأناس كهؤلاء من الطبيعي والمنطقي أن توضع في العيون قبل القلوب‏.. وأن يكَّرموا علي أرضهم التي أقسموا إما تحريرها‏.. وإما الموت دونها‏.. حملوا أرواحهم علي أكفهم وقدموا حبات قلوبهم راضين مرضيين.. قربانا للمجد ومهرا للحرية‏.. كتبوا بدمائهم الزكية أروع ملاحم النصر‏.. ففي كل بيت حكاية وفي كل قلب ذكري لابن.. أو أب .. أو أخ .. أو عم .. أو خال‏.. منهم من عاد مغردا بأهازيج النصر.. ومنهم أحياء عند ربهم يرزقون‏...
وفى الغد نعيش ذكرى غالية علينا.. ففى مثل هذا اليوم الخامس والعشرين من ابريل عام 1982 استردت مصر أرض سيناء الحبيبة كاملة من قبضة العدو الصهيونى الغاصب.. ورفرف العلم المصرى فى سماء سيناء من جديد بعد طول غياب.. وعانق هواها بعد طول اشتياق .. فهنيئاً لمصرنا الغالية نصرها.. وصباح الخير يا سينا...

الخميس، 23 أبريل 2009

حكاية كل عاشق- قصة قصيرة


لم تكن المرة الأولى التى يشم فيها الجيران هذه الرائحة الكريهة جداً.. النى تنبعث من الشقة الكائنة بالدور الأرضى .. لكن الرائحة لم تعد تُحتمل...
وما ان قامت الشرطة باقتحام الشقة حتى تبين للجميع ما وراء هذه الرائحة.. ذهل الجميع من هول المفاجأة...
" مستحيل.. مستحيل!" صاحت الجارة بالشقة المقابلة.
علا الضجيج واللغط ودوت صيحات الرفض فى سماء المكان.. كست الوجوه جميعها الدهشة والعجب...
"المهندس محمد!!" همهم زوج الجارة بالشقة المقابلة غير مصدق.
" جارك؟" سأل ضابط المباحث.
" هو صديق الجار صاحب الشقة" قال الرجل مذهولاً لم يزل.
فى شقة متوسطة عاش المهندس الشاب حياة عادية مع أسرته الصغيرة.. لكنه لم يكن إنساناً عادياً كأى إنسان يأتى الوجود ويغادره دون أن يترك بصمة أويدرى به أحد .. الزوجة غاضبة دائماً بسبب اهتمامه باختراعه الذى يشغله أكثر من أى شىء فى الحياة حتى بيته وأولاده...
زادت المشاحنات بين الزوجين لدرجة لم يعد يُجدى معها أى تفاهم.. الزوجة تطلب الطلاق.. والزوج يرحب جداً.. كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد...
غادرت الزوجة البيت تاركة وراءها عشرة أعوام من المشاكل والخلافات وابنتين توءم جاوزتا الثمانية أعوام وصغير ابن الثالثة مع أسرة أبيهم...
" أخيراً هتفرغ لاختراعى العظيم.. كلها خطوات بسيطة ويكتمل" قالها الزوج متنفساً الصعداء.
مرت الأيام وهو عاكف على استكمال ما تبقى من خطوات ..اندمج فى تجسيد الحلم الذى سكن جوانحه على مدى خمسة عشر عاماً .. نسى خلالها كل شىء.. تغيب عن عمله وتكرر الغياب .. لم يُفاجأ بقرار فصله .. المهم هو الاختراع.. والاختراع فقط.. اختراع قد يغير وجه الحياة لو تم تنفيذه...
" وجدتها..وجدتها!" صاح فجأة بأعلى صوت.
الآن فقط أصبح الحلم حقيقة ملموسة.. ها هو الاختراع قد اكتمل إلا خطوة واحدة تعتبر منتهية..ها هو النموذج الأولى يمكن تجريبه...
ثلاثة آلاف جنيه هى كل ما تبقى لتجسيد آخر مفردات الحلم الرائع.. بسيطة.. مؤكد بسيطة.. لكن من أين له بهذا المبلغ فهو على بساطته لم يعد بإمكان الرجل تدبيره.. فقد أنفق كل ما يملك على هذا الاختراع .. لم يعد لديه ما يبيعه...
تلاشت ابتسامته سريعاً.. وانطفأت شمس الفرح على وجهه.. عادت قسماته إلى سيرتها الأولى حزينة حائرة...
فجأة طرقع بإصبعية " فكرة مدهشة .. كيف غابت عنى" قالها وقد عادت قسمات وجهه للانبساط الطارىء مرة أخرى...
جمع أفكاره وأوراقه وحمل حلمه الكبير بين أضلعه.. انطلق مسرعاً إلى الجهة الوحيدة بالبلد المختصة بتنمية الابتكار والاختراع بدأ يشرح باستفاضة تفاصيل اختراعه وإثبات صحة نظريته بالأدلة والبراهين...
وكانت الصدمة التى لم تكن فى الحسبان .. فقد اكتشف أن الذى كلف بمناقشة الاختراع معه لا يعدو عن كونه مجرد فنى غير مختص...
جعل هذا الفنى يستحثه ألا يطيل فى الكلام والشرح .. كان يتعجل فى انهاء الحوار بصورة غريبة كالذى يود الذهاب فورا إلى دورة المياة ولم يستطع السيطرة على أمعائه الممغوصة...
" الفكرة غير صحيحة علمياً" قالها الفنى وهو على بُعد خطوات من صاحب الحلم الكبير.
ترنح المهندس الشاب من هول الصدمة.. وتلك اللامبالاة البشعة التى عومل بها من فنى غير
مختص ولا مسئول..لكنه تماسك حتى آخر لحظة.. حاول إقناع الفنى هذا بصحة النظرية وأهمية الاختراع.. إلا أنه أصر على كلامه وهو يواصل خطوه بعيداً...
" اختراعك مرفوض يا أستاذ" قال الفنى حاسماً قبل أن تبتلعه غياهب المكان ولم يعثر له المخترع على أثر.
توالت الأحداث مأساوية فى حياة الرجل وبدا فى أسوأ حال.. عرفت الهلاوس والخيالات الغريبة طريقها إلى رأسة.. بدأ يحدث نفسه كثيراً .. يصيح.. يصرخ فى وجه الدنيا لاعناً العقول العقيمة والغباء...
تمت تصفية الشركة الاشتثمارية التى التحق للعمل بها منذ ثلاثة أشهر فقط.. وجد نفسه يفقد عمله للمرة الثانية.. لم تكن مجرد أحزان عادية هذه المرة لأنه فقد كل شىء قبل أن يفقد عمله.. ودون تفكير ابتلع كمية كبيرة من سم الفئران حتى يتخلص من كل آلامه...
" ابنى.. ابنى!" صرخت الأم .
وفى لحظات تجمع الأهل والجيران داخل الشقة ونقلوه إلى المستشفى.. تعافى المهندس الشاب شيئاً شيئاً.. ثاب إلى رشده وآب إلى الله نادماً على ما بدر منه وهو غير مدرك.. استغفر ملياً على استجابته لدعوة الشيطان الرجيم فى لحظة ضعف لم يحتملها وعزم ألا يعود لمثلها أبداً...
حاول الرجل استئناف حياته بعيداً عن الماضى.. عكف على وضع اللمسات الأخيرة لكتاب كان قد ألفه من قبل عن الهندسة فى القرآن الكريم...
انتهى أخيراً من كتابه الضخم .. توالت عليه الفكرة وطال احتجابه عن العالم الخارجى.. والنتيجة رائعة بكل المقاييس.. فالحصيلة عشرة كتب قيمة فى مختلف فروع الحياة.. بدأ على الفور فى اتخاذ كافة الإجراءات التى تثبت حقه الأدبى أمام الجهات المعنية فى انتظار الإجازة والنشر...
لكنه وعلى الرغم من هذا كله لم يستطع وأد حلمه القديم .. مؤمن هو لم يزل بهذا الاختراع .. متأكد تماما من صدق نظريته...
سيارة تدور بالهواء المضغوط ترحم البشر من هذا التلوث الجاثم على نفوسهم ويخترق صدورهم فى كل لحظة.. شاهدها كل جيرانه وهى تتحرك على أرض الواقع مسافة تسعة أمتار أثناء التجريب...
" يا ناس .. يا عالم.. أليس هذا كفيلاً بإثبات أن الفكرة المبنى عليها الاختراع صحيحة علمياً؟! فقط جربوا أم أن قتل ملكات الإبداع هواية لديكم؟ تباً للغباء والعقول العقيمة المتحجرة!" قال محدثاً نفسه فى هياج شديد.
عاودته الهلاوس والخيالات..ألح به حلمه القديم لدرجة كادت تذهب بعقله كليةً..عاود محاولاته مرة أخرى آملاً فى أن يرى اختراعه النور..طرق أبواباً عديدة لكن أحداً لم يهتم.. عاوده اليأس المرير وزادت هلاوسه وخيالاته المرعبة.. تدهورت حالته النفسية...
أضحى الرجل فى حالة إعياء شديد.. يبحث عن مُسكِّنْ لآلامه دون جدوى.. كل شىء بات يجلب له التعاسة والانكسار.. يود لو يطير إلى السماء هرباً من كل شىء.. وفى لحظة مجنونة أحكم الشيطان فيها قبضته اللعينة على تفكيره اختار ألا يكون...
طلب من صديقه مفتاح شقته المغلقة للاستجمام والراحة من هذا العناء الذى يفتك به ويحطم أعصابه...
وبعيداً عن العيون تناول سم الفئران للمرة الثانية.. لكن بكمية أكبر كثيراً من المرة الأولى.. ليرحل فى هدوء كما خطط ودبر...
" لو أنهم أعطوه الفرصة لحظيت البلاد بالريادة فى اختراع فريد من نوعه لرجل عبقرى لن يتكرر.. رفض بشدة الاستجابة لنصيحة البعض بعرض ابتكاره على جهات أجنبية والحصول على مبالغ طائلة وشهرة لم يحلم بها يوما ومكانة أعلى وأبعد مما يستطيع أن يصل خياله" تمتم صديقه المهندس صاحب الشقة باكياً متحسراً.
" بلدى أولى بى" كان رد المهندس الراحل على الدوام.
" وها قد قتلتك بلادك يا بطل!!" انفرجت شفتا الصديق بابتسامة مذبوحة وجد مرها فى حلقه وتمتم مهزوماً مكسوراً.. بينما أمر الضابط بإحالة الجثة للطب الشرعى.

رباعيات


ياللي انت بيتك قش
مفروش بريش
تقوي عليه الريح
يصبح ما فيش

عجبي عليك حواليك
مخالب كـــــبار
و ما لكش غير منقار
و قادر تعيش

عجبي !!!

الأربعاء، 22 أبريل 2009

حدوتة عمرية


كان ياما كان .. فى سالف الأزمان
واحد من بنى الانسان.. اسمه عمر كان
كان تانى الراشدين.. وأمير المؤمنين
عمر دا كان وكان...
كان يرحم الكبير .. ويعطف على الصغير
ويعشق فعل الخير.. وف العدل ماله نظير
وف يوم من الأيام .. كان ماشى ف سلام
يمر ف الشوارع.. شاف وهو راجع
راجل ضرير غلبان.. واقف ع البيبان
اتفككت أعصابه.. من الألم اللى صابه
شيخ بينا هان؟ .. بيمد ايديه كمان؟!
إزاى وانا موجود.. وللديار باسود
سأله برحمة ولين.. حكايتك ايه ومين
قال يهودى الدين.. ع الجزية مش قادرين
والفقر والسنين.. وكلنا مساكين
أخده من ايده معاه.. وكمان طعمه وسقاه
وراح بيه لبيت المال.. قال للخازن مُحال
يكون فينا خير.. لو هان بينا الكبير
خصصله واللى زيه.. قنديل يعيش ف ضيه
يحميهم من الزمن.. ويهون المحن
مش وسط الضباب.. نسيبهم للعذاب
دايرين بكل باب .. بعد ماراح الشباب
لا وألف لا.. فى عهدى يا حياه
يكون فيه مُهان.. فى وطنى مهما كان
.........
وتوتة توتة تبدأ كمان حدوتة
احكيها ف وقت تانى سامحونى انا مشغولة
ومن غير كلمة وداع توجعنا فى البعاد
بقولكم سلام بلهجات كل البلاد
ودمتم قريبين...
ومشاعرنا الطيبة تجمعنا بدون معاد
على جسر الحنين...

الثلاثاء، 21 أبريل 2009

الدرس انتهى - صلاح جاهين


الدرس انتهى لموا الكراريس
بالدم اللى على ورقهم سـال
فى قصـر الأمم المتــحدة
مسـابقة لرسـوم الأطـفال
ايه رأيك فى البقع الحمـرا
يا ضمير العالم يا عزيزى
دى لطفـلة مصرية وسمرا
كانت من أشـطر تلاميذى
دمها راسم زهرة
راسم رايـة ثورة
راسم وجه مؤامرة
راسم خلق جبابرة
راسم نـار
راسم عار
ع الصهيونية والاستعمار
والدنيا اللى عليهم صابرة
وساكته على فعل الأباليس
الدرس انتـهى لموا الكراريس
ايه رأى رجـال الفكر الحر
فى الفكرادى المنقوشة بالدم
من طفل فقير مولود فى المر
لكن كان حلو ضحوك الفـم
دم الطـفل الفـلاح
راسم شمس الصباح
راسم شـجرة تفاح
فى جناين الاصلاح
راسم تمساح
بألف جناح
فى دنيا مليانة بالأشبـاح
لكنـها قلـبها مرتــاح
وساكتة على فعل الأباليس
الدرس انتـهى لموا الكراريس
ايه رأيك يا شعب يا عربى
ايه رأيك يا شعب الأحـرار
دم الأطـفال جايلك يحـبى
يقول انتـقموا من الأشـرار
ويسيل ع الأوراق
يتهجى الأسـماء
ويطـالب الآبـاء
بالثـأر للأبـناء
ويرسم سيف
يهد الزيـف
ويلمع لمعة شمـس الصيف
فى دنيا فيها النور بقى طيف
وساكتة على فعل الأباليـس
الدرس انتهى لموا الكراريس

الشوارع حواديت- صلاح جاهين



الشوارع حواديت
حواديه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما اضحكك
الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان
اصبح الآن بعد ما كبرنا عليه
زي بطن الأم مالناش فيه مكان
الشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا رحنا فيه المدرسة
اللي باقي منه باقي
واللي مش باقي...اتنسى
كنسوه الكناسين بالمكنسة
ييجي دور لحظة أسى
أنا برضه كمان نسيت
والشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا أوله بساتين
وآخره حيطة سد
ليا فيه قصة غرام ماحكيتش عنها لأي حد
من طرف واحد...وكنت سعيد أوي بس
حراس الشوارع حطوا للحدودته حد
الشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلو لما أضحكك
الشارع دا شفتك إنتي ماشية فيه
لابسة جيب...وبلوزة وردي
وعاملة ديل حصان وجيه
اتجاهك اتجاهي...مشينا ليه
والشارع دا زحام وتيه
بس لازم نستميت
والشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
واضحكي يا حلوة لما اسمّعك

الاثنين، 20 أبريل 2009

رباعية قصيدة أغنية فى ذكرى زعيم العامية


أوصيك يابني
بالقمر و الزهـــــــــــــور
أوصيك بليل القاهرة
المسحـــــــــــــور
و إن جيت في بالك
إشتري عقد فل
لأي سمرا
وقبري إوعك
تـــــــــــــــــــــزور
عجبي !!!!
في 25 ديسمبر 1930 فى شارع جميل باشا بحي شبرا كان الميلاد.. وفي 21 أبريل عام 1986 على سرير عادى فى مستشفى هادىء كان الرحيل.. وبين الميلاد والرحيل عمر انقضى فى عشق الوطن.. كان مسكوناً بجنية ماردة اسمها مصر.. تسرى فى دمه وتجتاح أعماقه فى كل لحظة ملايين المرات.. ذبحت النكسة أماله الجمة وأحلامه الوردية.. وهزت ثقته حتى بنفسه فدخل فى اكتئاب طويييييل لازمه حتى الرحيل.. كان رحيلا بالجسد وحسب فقد عاش فنه وبقيت كلماته تبهر وتنير عقول أجيال وراء أجيال.. ليقف أمام عبقريته النادرة كل ذى ذوق سليم متأملاً شاهدا له بالتفرد والإبداع...
هو عمنا عم شعراء العامية.. فارس الكلمة.. مؤرخ الثورة.. وألقاب كثيرة أخرى شرفت به أكثر مما شرف بها.. رسام كاريكاتير وفنان شامل.. ممثل مبدع ومؤدى متقن وكاتب سيناريو رائع وقبل كل هذا وفوقه شاعر قلما يجود الزمان بمثله...
ظاهرة يقف المرء أمامها حائراً وربما عاجزا فماذا يمكن أن يقول أو يتفتق به ذهنه من أوصاف تليق بمثل هذا العبقرى.. لا شىء على الاطلاق يمكن أن ينزله منزلته أو يعطيه قدره.. لا شىء على الاطلاق سوى أن نحلق فى سماء كلماته البديعة ونهديه سلاما معطراً من قلوب عشقت عشقه لوطنه وتربت على أشعاره ورباعياته...

سيدى المبروك - قصة قصيرة


يجنْ الليل ويفرد السكون عباءته على القرية الصغيرة.. فتوصد أبواب المنازل بالضبة والمفتاح.. وحينما تهدأ الحركة تماماً على الطرقات ويتلاشى كل صوت.. يتسلل ذلك الرجل النحيل ذو السحنة المريبة والملابس الرثة عبر السكون.. يسترق السمع بين الدروب ومتى يطمئن إلى خلو الليل إلا منه وبعض الكلاب الضالة التى لا يُخشى منها الفتن أو الاعتراف عليه والأخذ بشهادتها...
يبدأ فى التو رحلته الليلة المعتادة.. يجوس منقباً خلال الديار.. يهرول مسرعاً إلى أول نافذة ينبعث منها بعض خيوط الضوء الرقيق تلوح لعينيه.. الداغشتين على الدوام...
يلتصق بالجدار أسفل النافذة المغلقة.. يرهف السمع فترة ثم يسرع إلى نافذة أخرى وثالثة ورابعة.. هكذا يقضى ليله حتى يدركة النهار .. ويعود وقد اتخمت جعبته بأسرار الليل...
يعلو الضحى فتلكزه زوجته مغتاظة.. تحثه على النهوض بحثاً عن أكل العيش من دون فائدة.. تبكى الزوجة الشابة المغلوبة على أمرها وهى تجتر ذكريات زواجها به.. عاشت العمر تؤمن بذلك المثل الغبي القائل " ضل راجل ولا ضل حيطة".. لكنها الآن آمنت مما لا يدع مجالاً للشك بأن ظل الحائط أكرم مليون مرة من رجل مثله بلا ظل...
تمسح المسكينة دموعها يأساً من جدوى الكلام والندم وتخرج تبحث عن لقمة عيشها هنا وهناك.. وتعود مع رحيل الشمس تحمل بعض اللقيمات تسد بها رمقها ورمق المجحوم كما تطلق علية...
وذات مساء عادت الزوجة بلقيماتها كالعادة.. لكن الزوج لم يكن نائماً كعادته فى كل اليوم .. صاحت الزوجة المرهقة مزلزلة الأرض تحت أقدامه وأقدام المرأة الجالسة فى مقابلته تهمس دون انقطاع...
فجأة قامت المرأة مسرعة تطوى شيئاً فى يدها وتدسه فى صدرها.. بينما أطبقت يدها الأخرى على بعض النقود وضغطتها فى يده ثم انصرفت مهرولة...
" هو انتى لسة مفهمتيش يا ام مخ تخين .. يا عبيطة دا كنز وانفتح لنا" قال الزوج طائراً من الفرحة.
تملك الضحك من الزوجة الثائرة قبل قليل بشكل هستيرى .. لم تستطع معه السيطرة على أعصابها...
" انت .. انت .. خلى الكلام ده تضحك بيه على حد غيرى" قالت بصوت متقطع وهى تضحك بنفس الطريقة حتى هوت إلى الأرض.
تغير وجه الرجل النحيل ذو السحنة المريبة رث الثياب.. طوح بيده فى الهواء وهو يحاول عبثاً اقناع زوجته بأنه مبروك ومكشوف عنه الحجاب .. لكنه كان يُخفى عنها حاله لأن الأسياد أمروه بذلك.. وأن هذا هو سبب غيابه عن البيت طول الليل .. وكان السبب أيضاً فى فشله فى أى عمل يقوم به.. فالأسياد لم يكونوا راضيين عن أى عمل آخر سوى الذى رأته بعيني رأسها الآن...
" هيه دى كل الحكاية.. تصدقى ما تصدقيش انت حرة" صاح راسماً علامات الغضب على وجهه.
" يا ناس.. ياهوووه.. حد يدينى عقله.. إزاى بس يا عالم" صرخت المرأة بجنون.
خرج الرجل إلى حال سبيلة بينما بقيت الزوجة مبهوتة فى مكانها.. كان الليل قد أرخى سدوله على القرية الصغيرة.. وشيئاً شيئاً اختفى وقع الأقدام من على الطرقات .. وبعد وقت يسير سكن كل فى بيته ينعم بدفء الأسرة فى ليالى الشتاء الطويلة.. بينما بدأ الرجل المبروك رحلته الليلة بين الأزقة والدروب...
وفى الصباح أتت ذات السيدة مرة أخرى مبتهجة.. تكاد ترقص فرحاً .. تنم أسارير وجهها المنبسطة عن سعادة بالغة...
" هو فين سيدى المبروك.. والنبى لابعتله كل الحبايب" قالت المرأة بصوت جهورى وهى تضع سلة كبيرة مليئة بكل ألوان الخيرات.. وضغطت يدها فى يدها مرة أخرى فى يده وهى تغمز بطرف عينها " حلاوتك يا سيدى المبروك.. حاجة كده على قد الحال.. والنبى ما انت كاسفنى".. بينما تضرب الزوجة فيها بكفها ذهولاً...
" مش قولتلك .. صدقتى بقى؟" جعل يقول ووجهه يتفتق فرحاً.. وتلعثمت الزوجة فلم تستطع أن تنطق بكلمة...
مرت الأيام وعمرت بالزوار الدار المعروشة بالقش والمكونة من غرفة واحدة وباحة صغيرة مسورة بأعواد قش الذرة...
ومرت الشهور الطوال والرجل مريب السحنة رث الثياب مشغول بزواره ونفحاتهم التى انتفخ منها جيبه وكرشه.. وامرأته مبهوتة لم تزل...
وفى ليلة قمراء خرج الرجل جامع الأسرار الليلية كعادته.. وتحت نافذة مواربة وقف لصق الحائط يجمع أسراره فى شغف ونهم...
فجأة علت الأصوات خلف النافذة نصف المغلقة .. تطورت الهمهمات الهادئة الودودة إلى كلمات ثقيلة ضجرة.. مستاءة غضبى.. خرج على إثرها الرجل إلى الصالة الكبيرة لاعناً كل إمرأة نكدية فى الوجود.. وبينما ينفث دخان سيجارته بطريقة عصبية سمع صرخاتها تشق السكون...
كانت صرخاتها قد لملمت النيام من كل حدب وصوب.. لم يفلح فى الفرار عبر الدروب والأزقة والذوبان كفص الملح فى الماء مثل كل مرة فأمسكوا به.. وقد بدا وجهه واضحاً تماماً تحت ضوء القمر الذى كان فى ليلة تمامه.. يتباهى بحسنه بين نجوم السماء...
هبط الجميع بيد رجل واحد فأوسعوه ضرباً هم يرددون " شىء لله يا سيدى المبروك.. بركاتك يا سيدى المبروك!".

رباعيات


يا ملونين البيض
في شم النسيــــــــــــــم

لون الحنين و الشوق
و خمر النديــــــــــــــم

ما تعرفوش
سايق عليكو النبــــــي

تلونوا الأيام
بلون النعيــــــــــــــم ؟

عجبي!!!

السبت، 18 أبريل 2009

فوق القانون - قصة قصيرة


منتصف الليل فى القرية الكبيرة.. الجميع مستغرق فى النوم بعد يوم عمل شاق كالعادة.. تسترهم جدران وأبواب وتحجب عنهم تقلبات شتاء الصحراء القارس...
الآلات والمعدات الزراعية رابضة أمام المنازل فى سلام.. تشق سكون الليل بين الفينة والفينة صيحات الطيور والحيونات الأليفة بالحظائر.. ثم يعود الليل البهيم إلى هدوئه التام لحظة تلاشى أصداء هذه الصيحات من آذان الكون...
قجأة فزع النيام على صراخ حاد مصدره منزل الحاج نوفل كبير القرية ومؤسسها.. هرع الأهالى دون تفكير إلى هناك فاصطدمت فطرتهم الطيبة بوجوه غليظة وقلوب ميتة...
" كله يثبت مكانه.. أى حركة هنضرب فى المليان" أشهر البلطجية أسلحتهم الآلية فى تلك الوجوه المسالمة فتراجعت زعراً.. وتتابعت طلقات نارية مدوية فى سماء القرية...
فرغ البلطجية من تقيد أفراد الأسرة وضربهم ضرباً مبرحا أمام نسائهم وأطفالهم.. ثم أسرعوا إلى أسرة مجاورة...
" انتم مين وعاوزين ايه؟" قال رب الأسرة الفلاح البسيط مرتجفاً.
ضربه أحد البلطجية بهراوة فى يده فترنح برهة ثم سقط مغشياً عليه.. سحله البلطجى ذو العضلات المفتولة عدة أمتار.. وبمطواة قرن غزال شج وجهه خفيفا ثم ثبتها على عنقه.
" عرفت احنا مين دلوقت؟" قال البلطجى ساخراً .
توسل الرجل إليهم أن يتركوه من أجل أولاده الصغار وسوف ينفذ كل ما يأمرون به.. ويقبل أيديهم وأرجلهم أيضاً.. وبعد عذاب طويل وافق البلطجية أن يتركوه مقابل ألا يريهم وجه مدى الحياة..
ولم يكّذّب المسكين خبراً وفر هارباً بأسرته التى كادت تفقده الليلة إلى بلدته التى أتى منها...
" أصل الفلاحين دول ناس عبط وبيخافوا من خيالهم.. اللى بعده" قال أحدهم بينما كانوا يغطون فى ضحكات عالية وقحة.
وكمحكوم عليه بالإعدام أفلت من حبل المشنقة جعل الرجل الذى أصابه الدور يمسك بتلابيب أولاده الأربعة وزوجته المريضة وانطلق كالريح فى أرض الله الواسعة...
وفى ظل حائط جانبى لمنزل مجاور توارت امرأة تحتضن صغيريها مذعورة.. لم يتنبه لها البلطجية لولا سعلة مكتومة ندت عن طفلها الأصغر.. وكانت سببا فى رسم لوحات سريالية على ظهورهم جميعاً بقيت لفترة طويلة جداً بعدها شاهداً على تلك الوحشية والبشاعة...
لم يكن من رادع فى تلك الليلة لهؤلاء البلطجية.. الذين يعيثون فى القرية فساداً ولم يملك أهلها المغلوبين على أمرهم سوى البكاء الحار والألم .. والدعاء عليهم من أعماق قلوبهم المحترقة بالدمار والهلاك...
فى الخفاء تسلل رجل أو رجلان لإبلاغ الشرطة والإسعاف لإنقاذ المصابين.. بينما بقى الآخرون مضرجون بدمائهم.. لا أمل لهم فى النجاة إلا بمعجزة من الله عز وجل...
خلَّف البلطجية القرية وراءهم كوم تراب كأن لم تكن بالأمس.. أو هى عادت لسيرتها الأولى صحراء قاحلة يفر منها العفريت...
زهور بريئة جميلة ذبلت قبل الآوان.. لم يبق منها سوى عيون زائغة مذعورة وأجساد نحيلة مرتعشة تخشى كل ما يقترب منها.. هذا أيضاً ما أبقاه البلطجية فى أطفال تلك القرية المنكوبة..والذين تجرعوا مرارة التشرد مع ذويهم مبكرا جداً...
دوت سرينات سيارات الشرطة فى سماء المنطقة بأسرها وفى دقائق انتشرت القوات بالمكان.. تقدم البلطجية بكل بجاحة مشرعين أسلحتهم الآلية فى وجه الجميع بما فيهم نائب المأمور الذى يقود القوات.. وأمام هذا الإرهاب السافر لم ينزل نائب المأمور من سيارته وأمر القوات بمغادرة الموقع فى الحال حتى لا يتعرضوا لوابل من الرصاص كما قرأ فى عيون البلطجيةالتى يتطاير منها الشرر...
" اركب سيارتك بسرعة" قال نائب المأمور للابن الأكبر لعم نوفل.. أستاذ الجامعة الذى جاء من المدينة الكبيرة بعد تلك الأحداث للوقوف إلى جوار والده المسن وأسرته والدفاع عن حقوقهم...
تململ الابن أستاذ الجامعة قليلاً فجذبه نائب المأمور بقوة بعد أن هجم عليه البلطجية وكادوا يمزقوه إرباً...
اختفى الركب البوليسى من المنطقة فى لحظات يُشيعه البلطجية بعدد لا يُحصى من الأعيرة النارية التى مزقت سماء القرية.
وفى مكتب المأمور جلس أستاذ الجامعة مشوشاً غير مصدق.. طلب من المأمور استدعاء قوة كافية من المديرية لردع هؤلاء البلطجية...
" اهدأ يا دكتور فالقانون سيأخذ مجراه" قال المأمور مهدئاً الرجل.
" أى قانون ياسيادة العقيد؟ فهم يعتبرون أنفسهم فوق هذا القانون الذى تتحدث عنه" كان رد أستاذ الجامعة على الفور.
" لا أحد فوق القانون" قالها المأمور وهو يتمنى فى قرارة نفسه أن يحدث هذا الذى يقوله ذات يوم .. وألا يكون هناك أحداً فوق القانون حقاً مهما كان.. حتى ولو كان من هؤلاء الكبار الذين أرهبوا هؤلاء الآمنين وروعوا أطفالهم.. وطمسوا بين عشية وضحاها قرية بأكملها من على خريطة الوطن.. تنبه المأمور على صوت الأستاذ يحدثه وتيقن أنه فاته سماع كلام كثير قد قاله...
مرت الأيام والشهور وطوى الإهمال صفحة تلك القرية ولم يملك أهلها مجبرين إلا حذفها تماماً من ذاكرتهم رعباً من المصير المحتوم إذا ما جرؤوا على تذكرها...
لكن عم نوفل بقى على عهده القديم .. يأبى إلا أن يذكرها مهما كلفه ذلك.. حتى ولو يدفن تحت أنقاضها.. ورغم علمه بأنهم يطلقون النار عشوائياً على كل من يقترب من المنطقة.. إلا أنه لا يحرص كثيراً على ما تبقى من عمره.. هو يعلم أنه لم يعد به الكثير.. ولم يعد يرحب بالمزيد من الأيام مادامت على نفس الشاكلة...
وعلى مشارف القرية المدكوكة وقف عم نوفل تائهاً يعصره الحزن.. تسمر بالأرض رافعاً هامته كأنه نخلة باسقة .. لا تقدر أية ريح على اقتلاعها...
شيخ هو جاوز السبعين من عمره.. بصمات السنين على وجهه تشهد بأنه مكافح.. يفخر بكونه فلاح ينتمى لهذا الوطن.. لكنه الآن متعجباً من هذا الزمان الردىء.. رافضاً المزيد من مفاجآته السخيفة.. مضرباً عن كل شىء فى الحياة.. حتى الكلام...
جعل يقلب ناظريه بين الأطلال متألماً.. يتمنى لو أنه مات قبل هذا وكان نسياً منسياً.. بينما هو شارد خارج حدود إدراكه جلدت خده المتغضن بعض الدمعات الحامية...
تذكر بروية مشوار حياته الطويل.. اجتر سنوات عمره التى لا يكاد يحصيها.. والتى انطوت فى الكفاح والشقاء...
سنوات طويلة مضت على ذلك اليوم الذى قرر فيه الخروج من الوادى الضيق ونزح إلى هذه المنطقة الجرداء.. باع كل ما يملك وترك بلدته وجيرانه وكله أمل فى مستقبل أفضل لابنائه وأحفاده...
تذكر أيضاً كلام ابنه الأستاذ بكلية الزراعة عندما حاول أن يثنيه عن هذه الخطوة موضحاً له أن كلام الحكومة ما هو إلا كلام فى الهواء وفض مجالس لا أكثر...
لكنه ظل مصراً على عزمه رغم كل شىء.. جاء وأسرته وحدهم إلى هنا.. ثم دعا بعد ذلك أخوه وأسرته.. ثم توالت الأسر وكبرت الرقعة المستصلحة والمنزرعة...
تراصت فى نظام بديع بيوت عديدة صارت بعد ذلك قرية كبيرة.. منتجة متعاونة .. ودارت الأيام ومرت السنون الطوال والكل هنا يشكر لعم نوفل تلك الدعوة التى حولت حياتهم للأفضل بالقطع.. رغم كل المعوقات التى واجهتهم و رغم تنصل المسئولين عن وعودهم وتخليهم حتى عن أبسط كلامهم.. لكنهم تحملوا بمنتهى الشهامة والرجولة عناء المشوار كاملاً حتى تحقق الحلم واخضرت الأرض الجدبى عزيزة الماء...
كل ذلك لاح لعم نوفل وهو يقف بالأطلا ل وقوف شحيح ضاع فى الترب خاتمه.. رافضاً بكل ما يملك التفريط فى شقاء السنين.. وفى لحظة قرر أن يهلك دونه...
" قف عندك" قال الخفير المكلف بالحراسة.
" وهل ترانى جارياً" قال عم نوفل غير مكترث.
وبلهجة تنم عن بعض الغباء المتأصل فى شخصيتة سأله الخفير بحدة من هو؟ وكيف أتى إلى هنا؟ وكيف لم يخف من رصاصه؟!
" أنا صاحب كل هذه الأرض" أجاب عم نوفل متحسراً.
وبنفس الغباء اتهمه الخفير بأنه عجوز مخرف.
" عيب تشتم رجل فى سن والدك يا خفير الغبرا" قال عم نوفل.
ازداد الغباء حدة لدى الخفير وامتزج ببعض التهور فأشهر سلاحه فى وجه العجوز مهددا إياه إذا لم يتكلم بأدب...
لاحت على شفتي العجوز شبه ابتسامة مريرة.. وقد بدت علامات الحكمة والرزانة عليه دون افتعال.. فقد أُتيح له قدر من التعليم والثقافة فى الصغر كعادة أهل الريف القدامى .. تطور معه هذا القدر بمحاذاة سنوات عمره وخبرته الطويلة فصار كنزاً يفوق فى قيمته كل الكنوز والثروات...
" يا ابنى.. الغبراء يعنى الأرض.. وأنت خفير على هذه الأرض.. إذن أنت خفير الغبراء.. صح؟" قال عم نوفل شارحاً...
صمت خفير الغبراء حائراً لما يبدو فى كلام العجوز من الجدية.. قد يكون الصواب وهو لا يدرى فهو لم يُتح له مثقال ذرة من تعليم أو ثقافة ولا يعرف الألف من الكوز الذرة...
" لا تغضب منى يا ابنى فأنت فى سن أولادى" ابتدر العجوز قائلاً بعد فترة صمت جرت بينهما.
" ولكن من أنت بحق يا عم" سأل الخفير بنبرة أكثر هدوءاً تنطوى على بعض الود الوليد لهذا العجوز الحكيم.
" قلت لك أنا صاحب الأرض دى وما كذبت عليك" قال عم نوفل مؤكدا ومصراً.
" تقصد انك اللى بعتها للبشوات؟؟ سأل الخفير مستفسراً.
وأجاب عم نوفل بأنه لم يبعها ولم يفكر فى يوم من الأيام أن يفرط فيها ولو بكنوز الأرض ولكنهم اغتصبوها منه ومن بقية أصحابها...
" سامحنى يا عم!" قال الخفير مطأطأّ رأسه خجلاً.
" وما ذنبك يا ولدى؟ أنت عبد المأمور" قال العجوز صادقاً.
تضاعف خجل الخفير الذى أمره أسياده بالضرب فى المليان حال اقتراب أى شخصمن المنطقة مهما كان.. حمد الله كثيراً أنه لم ير عم نوفل وهو قادم...
" ليتك رأيتنى وأرحتنى من هذه الحياة" تمتم فى نفسه عم نوفل والذى استشف مكنون الرجل وقرأ بوضوح ما اجتهد فى عدم البوح به.
أرخى الصمت سدوله مرة أخرى على الرجلين.. بينما حلَّق غراب أبقع فى سماء القرية الخراب دوى نعيقه فى أعماق العجوز وزلزل كيانه.
" عدلك يا رب!" علا صوت العجوز حتى كاد يغيب.
وبنبرة مستعطفة منكسرة وجدت طريقها فى التو إلى قلب الخفير رجاه عم نوفل مستغلاً تأثره هذا الذى لا يُسمن ولا يُغنى من جوع أن يرحم من رصاصه هؤلاء الغلابة أصحاب الأرض المنكوبة والبيوت المدمرة .. لو مرة ضلت أقدامهم الطريق وجاءوا يبكون الأطلال وينعون حظهم العسر.
انتحى العجوز جانباً .. سار بلا هدى .. حطت به قدماه على أنقاض بيته المقوض.. فجلس ساكناً يجتر ذكريات السنين الطوال من جديد.

الجمعة، 17 أبريل 2009

من أناشيد الفجر - أُماه


أُُماهُ دمعك فى فؤادى يقطرُ
بالدمعِ يا أُماهُ جرحى يكبــــــــــرُ
آهاتك الحرى تُقَطِّع مهجتى
كونى صبوراً قد عهدتك أصبــــرُ
ودعتنى يومً الرحيلِ وقلتِ لى
اذهب وكُن أسدأ عقوراً يـــــــزأرُ
فمضيت يا أُماهُ أكتب من دمى
كل الملاحم كنت فيك أسطـــــــر
وجعاتُ من جُرحى العميقة مخباً
أحمى به كل الرفاقِ وأنصرُُ
وجعلتُ من جسدى معابر للرجال
ومركباً جهزتهُ كى يعبــــــــروا
واليوم يا أماهُ قيدى مصقلٌ
وعزيمتى أُماهُ لا.. لا تُقهــــــــرُ
لا السجنُ يرهبنى ولا تعذيبهم
كلا ولا لسعُ الكهارب يقــــــــدرُ
وليطفئوا نور العيون وما دروا
أن الفؤادَ لهُ عيونٌ تنظـــــــــــرُ
وليحرقوا جسدى بنار جحيمهم
سأُنير دربَ الآخـرين ليُبصروا
زنزانتى يا أُُمُ سوف أُحيلها
بابَ الجحيم على العِدا يتفجــــرُ
والقيدُ يا أُماهُ مهما أوثقوا
بالصبرِ والتصميمِ قيدى أكســـرُ
فتجملى بالصبرِ يا أُماهُ إنْ
عزَّ اللقاءُ وطالَ ليلٌ أغبـــــــــرُ
فلنا غداً نحيا به فى عزةٍ
فى دارنا والدارُ بنا تعمــــــــــرُ
.........

شاعر فلسطينى

الخميس، 16 أبريل 2009

لا مكان للزهور - قصة قصيرة


منذ نعومة اظفاره وهو يدرك معنى الكفاح والشقاء.. تحمل عبء مشاركة أبيه الفلاح الأجير فى تربية إخوته السبعة .. أثبت الصغير جدارة فائقة فى سن مبكرة جداً جعلته ذراع أبيه اليمنى وسنده فى مواجهة الحياة...
فرح الوالد كثيراً حين أتته البشارة.. همس بعفوية " رضا".. دارت الأيام وكرت السنين وظل " رضا" الابن البكرى لذلك الأب الطيب رقيق الحال وقرة عينه.. يثبت على الدوام أنه بحق رجل يعتمد عليه رغم حداثة سنه.. اجتهد على الدوام أن يبدو بمظهر يفوق سنه بمراحل حتى صارت طبيعته دون تكلف.. نسى تماماً أنه طفل وأن لعقله الصغير عليه حقاً...
" يا بخت أبوه بيه" يقول كل الناس بالقرية.
" يا ريت ليا ابن زيه" تمنى الجميع أيضاً.
سنوات قليلة مضت وبدت علامات الاجهاد الشديد على الأب من أقل مجهود.. أمارات لا يخطئها عقل لبيب ولا عين فاحصة…
يهرع الطفل مسرعاً إليه فى كل مرة يرجوه أن يستريح ويترك له العمل ويعز على الأب أن يتحمل هذا الصغير كل هذا العبء وحده.. ودن أن يدرى تنزلق بعض الدمعات المكبوتة من عيني الرجل مع قطرات العرق المنهمرة من فوق جبينه.. وينكفىء على فأسه يخفى ضعفه وقلة حيلته…
أتت الإجازة الصيفية كالعادة مثل كل عام.. لكن الصغير لم يكن كعادته.. شىء ما يراوده بشده.. لايعرف ترجمته حرفياً لكنه يعى مغزاه تماماً.. فطرة الصغيرة تدرك ما يحاول الوالد الطيب إخفاءه.. يوقن بكل كيانه أن مرضه خطير.. وهذا ما جعله أكثر إصراراً على تحمل المسئولية كاملة…
فكر الطفل ابن العاشرة كيف يخفف من هذا الحمل الذى ينوء به كاهل أبيه؟ كيف يرحمه من هذا العبء الثقيل؟ وذهب على الفور إلى أحد السائقين فى قريته يسأله العمل معه على امتداد شهور الإجازة الصيفية…
" على خيرة الله" انفرجت شفتا السائق الشاب بابتسامة ومد يده يربت على ظهر الطفل.
خرج الطفل مع السائق صاحب سيارة الأجرة التى تنقل الركاب من بلدته الصغيرة إلى المدينة الكبيرة .. ولم يكن يدرى أ، القدر الذى منحة تأشيرة الذهاب بهذه البساطة لن يسمح له بالعودة بنفس السلامة والبساطة التى خرج بها…
ففى المدينة الكبيرة أخذت السيارة مكانها فى موقف السيارات انتظاراً لدورها فى رحلة العودة.. وإلى جوارها وقف الطفل مبهوراً بما حوله.. شأن أى غريب فى الوجود يرى الشىء للمرة الأولى…
يدوى الزحام والضجيج فى أذنيه بينما هو ثابت فى مكانه وانبهاره.. أبراج عالية تلوح لعينيه فى كل اتجاه .. حدث نفسه خفية بأنه سيحكى لكل الأولاد على هذه الأسياء العجيبة التى رآها هنا.. فجأة شعر بحاجة مُلحة للذهاب إلى دورة المياة.. لم يعد يسطع المقاومة.. لكن الموقف بأكمله ليس به دورة مياة .. لم يكن حوله فى كل اتجاه سوى السيارات والبشر الكثيرين والبنايات العالية التى تحجب الرؤية...
تنبه الطفل إلى كشك صغير إلى جواره بلا باب أو حارس.. أو حتى أية لافتة من أى نوع.. فهرول داخلاً ولم يكن يدرى المسكين أن الداخل مفقود.. وفى لحظة كانت الكارثة.. مأساة آفاق عليها الطفل بالمستشفى العام بالمدينة الكبيرة مبتور الذراع اليمنى والساق اليسرى ونصف اليمنى بعد أن تفحموا تماماً...
لم يكن الكشك مملوءاً بالحلوى والمأكولات.. أو حتى بالسجائر.. ولا حتى بالأشباح.. ولكن كان متخماً بأسلاك كهربائية صاعقة...

رباعيات


علي بعد مليون ميل
من أرضنا

من الفراغ الكوني
بصيت أنـــــــــــــا

لا شفت فرق بين
جبال و بحور

و لا شفت فرق
ما بين عذاب
أو هنـــــــــــــــا

عجبي !!!

الأربعاء، 15 أبريل 2009

أعواد الثقاب - قصة قصيرة


صراخ وعويل شق سماء القرية الكبيرة وبدد سكون الليل.. لم يكن غريباً أن يحدث هذا الذى يعنى أن هناك حادثة ما قد حدثت.. وغالباً ما يكون هذا تعبيراً عن فقد عزيز.. ورغم معرفة الناس الأكيدة لهذا.. إلا أنه شيئاً مفزعاً لم يزل.. فلا يعلم أحد من هؤلاء الذين يغطون فى نومهم أى فرد حانت ساعته.. إلا أنهم هذه المرة يعلمون تقريباً...
فى لحظات امتلأت شوارع القرية بالناس.. جعل الرجال يلغطون وهم يندفعون نحو البيت مصدر الضجيج.. امتلأت الدار الكبيرة سريعاً وذلك الفناء الواسع بالخارج أيضاً.. وقت يسير وتدافعت النسوة متشحات بالسواد.. كأنهن قطعٌ متحركة من الليل البهيم...
يُسمع للجميع همهمات متداخلة ومصمصات شفاة.. وعلى الشاطىء الشرقى للترعة الصغيرة التى تقسم البلدة إلى نصفين أحدهما كبير نسبياً عن الآخر سُمعت عجوز تصيح وتولول وهى تندفع كالريح قاصدة منزل المتوفى.. والذى يعرف الجميع أنه الأخ الأكبر لها وكبير العائلة المتشعبة فى أماكن شتى...
وقت مضى لا يعرف الناس كم على وجه الدقة.. بدأ الجمع يتفرق كل إلى داره إلا بعض الأقارب والمقربين الذين قضوا ليلتهم بمنزل المتوفى الذى قرر أبناؤه أن يدفنوه بعد ظهر الغد...
ومع بذوغ أول شعاع للشمس كان الابن الأكبر للمتوفى أو العمدة الصغير كما يطلق عليه أهل القرية يوزع الأدوار على إخوته وأزواج أخواته البنات.. ظل هو باقياً يباشر أمور الغُسل وتجهيز ذلك الجسد المسجى هناك فى غرفة بأقصى البيت...
" إنا لله وإنا إليه راجعون .. توفى إلى رحمة الله تعالى الحاج..." كرر رجل عبر مكبر الصوت بمسجد القرية مرات عديدة.. هز الصوت أرجاء القرية ونفذ إلى بعض البيوت المتناثرة حولها.. وتناقل الناس الخبر إلى ما بعد ذلك...
توافدت الجموع من القرى المجاورة والأقارب من بلاد بعيدة.. بينما قد تمت طقوس الغسل على خير ما يرام هناك فى قاع الدار...
ارتفعت سمش الضحى معلنة عن قرب موعد التحرك بالجنازة إلى المسجد للصلاة عليها.. فى حين تجمع الرجال الذين تفرقوا من قبل إلى مهامهم.
" رتبت موضوع الحراسة يا حاج أحمد" قال العمدة الصغير لزوج أخته الكبرى.
" كله تمام يا عمدة" قال الحاج أحمد مؤكداً.
سار الناس بالجنازة إلى المسجد يصاحبهم صوت المؤذن عالياً...
عشرون فداناً هى مساحة مقابر القرية على بُعد خمسمائة متر تقريباً.. لا تكاد تمر أيام قلائل حتى تدفن بها جثة.. وعلى الفور يرابط أكثر من خمسين رجلاً على رأس مقبرة المتوفى ليل نهار.. ولمدة أيام طويلة حسب إعتقاد أهل الميت أن الجثة بدأت تتحلل.. وأن كل دقيقة تُعد خطوة واسعة جداً نحو العدم.. وغدا هذا المشهد الغريب مألوفاً لدى كل القرى المجاورة وحتى المارة من الغرباء...
ليس هذا تقليداً جديداً ابتكره أهل القرية من فرط الحب لموتاهم.. أو عدم القدرة على فراقهم .. وإنما هو السبيل الوحيد فى نظرهم لحماية موتاهم من مصير مهين .. إذا ما وصلت إليهم أيدى العصابة التى تسرق الجثث...
عام ونصف العام والذعر يتملك الأسر على مصير موتاهم .. عام ونصف العام يفعلون ذلك صيفاً وشتاءً.. عام ونصف العام يسهر الأحياء على راحة الموتى فى تلك المقابر...
" ابقوا أنتم هنا مع الجماعة.. افتحوا أعينكم جيداً.. أى حركة اضرب فى المليان" قالها العمدة الصغير بلهجة آمرة لبعض الخفر.
توزع الحراس من أسرة العمدة فى جماعات صغيرة متفرقة.. تناثرت حول المقبرة من الرأس إلى القدمين.. فهو ليس أى ميت إنه العمدة الكبير.. بينما تناثر الخفراء بعيداً عنهم بأمتار لمراقبة الممرات الضيقة بين المقابر.. فلا يجتمع أحدهم بآخر مطلقاً إلا خلسة لحظة أن يحتاج بصورة ملحة إلى سيجارة.. أو تُلح به كلمة تهكم أو سخرية لا يستطيع بالطبع إطلاقها على مسامع الجماعات المتفرقة هناك...
" بالك يا واد يا حسونة أنا لو من الناس دول كنت سيبت العصابة تسرق العمدة الكبير.. دا عليهم بخسارة.. أى والله" همس أحد الخفراء لآخر على مقربة منه.
" اخرس يا واد يا عزوز حد يسمعك ونروح فى داهية" قال الآخر مرتبكاً مرتعداً.
وضع الخفير سليط اللسان يده على فيه فى محاولة لكتم صوته الذى ظن أنه وصل إلى أسماعهم هناك وهرول مسرعاً إلى مكانه...
تهامس الشبان فيما بينهم وتبادلوا القفشات بصوت خفيض عن جدهم المحروس بداخل هذا المبنى الصغير ولا شىء على باله مما هم فيه الآن...
بينما تحلق بعض الرجال يلغطون ويتمتمون بكلمات غير مسموعة تقريباً إلا فيما بينهم.. ربما تكون عن الميراث فقد بدوا أنهم أزواج البنات الخمس...
عاد الخفير منفلت اللسان إلى زميله ذى القلب الخفيف.. وكان يكتم ضحكة غالبته لدرجة ستفضح حزنه الزائف على عمدته الكبير إن لم يتمالك ويكبح جماحها...
" فاكر الولية القرشانة أم اسماعيل لما وصتهم يدفنوها عند أهلها فى آخر الدنيا" يهمس إلى زميله فى حين التزم الزميل الصمت جبناً .. ولم يكن منه إلا أن تمتم فى نفسه متراجعاً إلى الخلف ليستقر مكانه عازماً ألا يعود لمحادثة هذا الجبان مطلقاً حتى نهاية المناوبة.
تذكر الخفير بينه وبين نفسه أنهم أقسموا لها أن الحراسة ستكون مشددة.. وأن أحداً لن يستطيع أن يقترب من قبرها.. وعاد الوفد الذى ذهب لإقناعها بخيبة أمل كبيرة.. فرأس تلك الهرمة مثل الحجر الصوان...
" نحن جميعاً أولادك .. لا تخشى شيئاً سنحرسك.. وستشعرين بنا " تطوع الرجال مخلصين.. وعلق بعض خفيفى الظل ممازحاً " وإن لم تشعرى بنا فأخرجى جرياً".. فعادت العجوز أكثر تشبثاً من ذى قبل .. وقد خيل لهم أنها كادت تلين...
فحقيقة أنها مقطوعة من شجرة ألحت بها وجعلتها تصر على وصيتها .. فهى هزيلة جداً وتصور لها أنها لن تحتمل ما سيُفعل بها من تمزيق وتكسير إذا ما سرقتها عصابة الحثث.. وبعد أن أسلمت العجوز الروح لم يكن أمام الجميع إلا تنفيذ وصيتها...
انفلتت من الخفير بعض ضحكة عالية .. التفت على إثرها أفراد كثيرون من مرهفى السمع فى الجماعات الصغيرة المتفرقة.. كان الخفير قد أغلق فمه فى سرعة البرق بالضبة والمفتاح.. لحظات قليلة ثم عادت الجماعات إلى لغطها.. بينما نظر الخفير نحو الفضاء الواسع دون أن يفطن أحد إلى أنه هو الذى فعلها...
لاح منظر الجماعات الصغيرة المتفرقة لرجل العصابة على البعد هناك خلف مبان القرية.. تصوروا له كأنهم أعواد ثقاب مرشوقة فى الأرض.. لا يُرى منها سوى رؤوساً سوداء وربما جزء يسير من العنق لا يتعدى قيد أنملة..بينما لا يُرى أثراً للجلابيب البيض مطلقاً...
" أهى تسالى.. يعنى لا جثة ولا تسلية؟" قالها رجل العصابة الذى جاء ليستطلع الأمر.. راق له أن يلملم أعواد الثقاب المتناثرة هذه فى علبة واحدة.. تسلل فى بطء نحو المقابر كأنه أحد المارة الغرباء يقصد قرية أخرى بعيدة خلف حدود المقابر...
كانت الشمس تحتضر بيد أنه لم يفكر مطلقاً فى سرقة جثتها بعد أن تهمد فيها الحياة .. فهو لن يستطيع الحصول عليها .. لا هو ولا عصابته ولا كل عصابات شيكاغو ولا حتى الجن الأزرق...
تلاشى الشفق الأرجوانى شيئاً شيئاً .. وهبط الظلام حثيثاً وبدا وحيداً على الطريق كشبح.. لم يكن أحد ياتفت إلى أى شخص يسير بمفرده أو حتى اثنين.. إذ كان اعتقاد الجميع أنها عصابة ضخمة مدججة بالسلاح يعلو وجوه أفرادها الأجرام...
زحف رجل العصابة كالثعبان على بطنه.. تكوم إلى جوار مقبرة نائية شيئاً.. فتح كيس الحصى الذى جمعه على امتداد الطريق إلى المقابر.. بدأ برشق الأولى فى رأس الخفير حسونة.. الذى تحسس مكانها فى رأسه ثم قبض على زناد بندقيته الميرى مستعداً للضرب فى المليان.. لكنه عاد لوضعه الطبيعى وهدوئه عندما أقنع نفسه أنها تهيؤات من رهبة المكان...
رشق الثانية فى قفا الخفير عزوز الذى سُمع صياحه ربما فى القرية وهو يردد " عفريت.. عفريت".
ارتبك همس الجماعات المتفرقة.. عمت الفوضى نظام الأعواد المرصوصة بدقة من دون قصد...
" ماذا جرى؟" صاح أحد الأفراد متسائلاً.. وفأفأ الخفير خفيف القلب والعقل منهاراً.
" جتك البلاوى وانت خرع كده" قال آخر وهو يصفعه على قفاه.
عاد الرجل يرشق الجماعات المتفرقة.. حصاة بعد الأخرى حتى تشبث بعضهم ببعض فى ذعر لم يعد يفلح معه أى اعتقاد بالتهيؤات...
" عفريت..عفريت" تمتم جميعهم فى نفس واحد مرتعدين.
" هكذا تماماً أردتكم يا غنم" تمتم رجل العصابة وهو يهز رأسه وينظر بطرف عينه من جانب المقبرة التى اختبأ خلفها.. حصاة أخرى.. اخذ الجميع ذيله فى أسنانه وطار إلى القرية من غير هدى...
تعالت ضحكات الرجل العفريت فى سماء المقابر.. تشق السكون وتخدش قدسية المكان.. مال إلى المقبرة التى كانت محروسة منذ قليل يحدث نفسه ساخراً " ما حاجتنا إلى هذا الليث العجوز الذى نهشه السرطان".
" أغبياء.. أغبياء" أردف بنبرة أكثر سخرية ثم انخرط فى نوبة ضحك هستيرية.

رباعيات




لا تجبر الانسان
و لا تخـــــــــيره

يكفيه ما فيه من عقل
بيحيـــــــــــــره

اللي النهارده بيطلبه
و يشتهـــــــــيه
هو اللي بكره ح يشتهي
يغيــــــــــــــره

عجبي!!!

الثلاثاء، 14 أبريل 2009

أفول


مُلقاة على جسر المدى
غرقى
فى بحر دماء
ترمق قاتلها بعين كسير
تلمح بيديه بقايا شعاع
كونٌ مُختضبٌ بدماها أرضاً
وسماء
دفءٌ مذبوحٌ على نصبِ نهار
وهنُ يلتفُ بجيد شموخ
ومضاتٍ سحقى بأقدامِ مساء
يغيض بريق
تيبس ألوان
تُسدل أكفان سود
ليبقى سؤالٌ ما بقى وجود
وشمٌ بجبين الأحياء
قضية دامت أبدية
الأرضُ
مقبرة الوفاء

حكاية مدينة - قصة قصيرة


تشرق الشمس كل يوم على المدينة العريقة.. التى مازالت تحتفظ باسمها الفرعونى القديم.. تتغلل أشعتها الذهبية فى عقول أهلها فتتفتق ابتكارا وتجديدا.. لتزاد إبداعاتهم حسنا ودقة...
تدور الأيام وتتوالى الحقب لتثبت للعالم أجمع أن الحقيقة على ارض هذه المدينة الرائعة .. القابعة فى حضن النيل العظيم أروع من أى خيال...
شعب مبدع بالفطرة..عاشق للفن والجمال.. ترجم عشقه إلى لوحات فائقة الروعة من النسيج اليدوى الفريد.. خلَّد على مر العصور مجد أجداده أول من برع فى هذا الفن.. داموا يرسلون إليهم فى كل يوم تحية على هذا الميراث العظيم.. الذين يباهون به كل أقطار الأرض عبر الأزمنة...
ومع خيوط الفجر النورانية تتوازى خيوط ملونة بديعة.. الأحمر مع الأخضر.. النيلى مع الأصفر.. وبقية الألوان مكونة وجه فرعونى صميم.. أو إحدى اللوحات لمشاهير الفنانين العالميين.. أو لأثر فريد من أثار أجداهم الراقدين فى سلام تحت ثرى المدينة الهادئة...
ومع نهوض الشمس من مهدها ينتشر أهل المدينة فى شوارعها الكثيرة .. يفتحون أبواب ورشهم المتراصة على امتداد المدينة الكبيرة يعلقون إبداعاتهم المكتملة على الحوائط داخل وخارج الورش جنبا إلى جنب .. فتمتزج الألوان وتتكامل الإبداعات مكونة لوحة كبيرة جداً بحجم كل هذه الحوائط التى علقت عليها...
تكتسى الجدران عن آخرها بالألوان والزخارف فتبدو عروساً مزركشة بين المدائن.. أو كفتاة بدوية بزيها ذى الألوان المتعددة فى فلاة وحدها...
وفى المدينة المزركشة لا يخلو بيت من نول النسيج اليدوى كما لا تخلو ورشة .. تمارس عليه النساء عملهن فى البيوت.. وتتدرب الفتيات الصغيرات كما يتدرب الفتية فى الورش تماماً.. فتلك هى حرفة الكبار والصغار التى لا يعرفون غيرها فى هذه المدينة...
" راح إلى غير رجعة زمن الفن الجميل" بات يهمس الناس فى كل وقت.
" الفن الجميل باق على مر الزمان" وحده يردد عم يوسف على الدوام.
وداخل جدران الورشة الكبيرة.. التى علقت على واجهتها قطعة جوبلان فائقة الروعة .. تحفة فنية لا تقدر بثمن مطبوع عليها بأصابع من ماس القناع الذهبى للفرعون الصغير "توت عنخ آمون" .. جلس عم يوسف يباشر فنه وإبداعاته مزهواً بنفسه شديد الفخار بحرفيته...
" بقينا أنتيكة يا عم يوسف" يقول حسن .. ذلك الشاب عاشق المهنة.. ويرد عم يوسف بكلماته المعهودة مؤنباً حسن على انسياقه وراء العقول المتخلفة وهو الفنان الذى يفهم ويقدر جيدا معنى هذا الفن...
وانكفأ الرجلان يباشران فنهما كل على نوله .. يضبط خيوطه وألوانه .. ليخرج فى النهاية لوحة غاية فى الدقة والإبهار...
جرت فترة صمت كبيرة.. كانت كافية لإنجاز أكثر من ثلث لوحة "السوق" التى ينقلها عم يوسف بأدواته وطريقته الدقيقة من كتاب وصف مصر.. فى حين فرغ حسن من وضع لمساته الأخيرة على تحفته الفنية التى انتهى منها أمس بعد عمل أسبوع متواصل.. وحوت داخل إطارها النسيجى لوحة "العشاء الأخير" للفنان العالمى ليوناردو دافينشى...
بينما هما غارقان فى صمتهما.. ذائبان فى عشقهما.. دخل صاحب الورشة عابثاً مكفهراً.. ترك عم يوسف نوله على الفور.. وإلى جوار الرجل المستشيط غضباً جلس بمقعده الخيزرانى .. تمتلىء يده ببعض الأصواف المضفورة.. والخيوط الملونة يؤلفها بطريقة تلقائية.. وهو يحاول امتصاص غضبه.. الذى علم تواً أن سببه الأوحد هو تلك المشاكل التى تزايدت مع أصحاب البازارات الذين باتوا يستغلونهم فى الفترة الأخيرة بصورة بشعة...
تلفت صاحب الورشه حوله متسائلاً عن بقية العمال .. فسكت عم يوسف وأجاب حسن بأنهم ذهبوا يبحثون عن أكل عيشهم...
" فى ستين سلامة" رد صاحب الورشة معلقاً من دون مبالاة...
مساكين أهل المدينة.. أجبرهم هذا التدهورعلى العمل فى "الفاعل" .. أو العمل كباعة سريحة للسلع التافهة.. يواجهون التشرد فى الشوارع طوال النهار من أجل حفنة قروش...
" قلنا كتير لكن المسئولين ودن من طين وودن من عجين" تمتم عم يوسف وهو يهز رأسه .. زاماً شفتيه.. مقطباً بين حاجبيه...
" حتى القروض اللى وعدونا بها حطولها شروط مستحيلة وإجراءات لايمكن نقدر نكملها.. بلد العجايب " قال حسن ساخطاً منفعلاً من خلف نوله وخيوطه التى يعدها لرحلة إبداع جديدة...
" حسنا فعلوا والله .. فهذه كانت بمثابة كارثة أخرى" قال صاحب الورشة ذو الخبرة الطويلة.
" نحن بحاجة لأن تتدخل الدولة بشكل فعال ومؤثر لحل المشكلة.. لا أن تعطينا قروضاً نعجز عن الوفاء بها وبفوائدها.. ونصل فى النهاية إلى طريق مسدود آخره السجن لا محالة" أردف الرجل عن دراية تامة.
وكان الرجل قد تقدم لمن بيدهم الأمر باقتراحات عديدة.. كأن تُلزم الدولة وزاراتها بشراء كل احتياجاتها منهم بدلا من استيرادها من الخارج بالعملة الصعبة وهى أعلى سعراً وأقل قيمة وجودة.. أيضاً تضع الدولة هذا المنتج المميز كأفضل سفير فى الخارج فى بروتوكولات التعاون التى توقعها مع الدول الأخرى مقابل منتجاتها.. فالمنسوجات منفذ عليها لوحات عالمية شهيرة.. ولوحات مصرية صميمة تعبر عن التراث والبيئة المصرية فى مختلف عصورها.. أو حتى تأتى إليهم الأفواج السياحية مباشرة فى موقع العمل.. ترى وتلمس على الطبيعة المراحل التى يمر بها هذا الفن.. فالمدينة عريقة وغنية بآثارها من كل العصور وبهذا تضرب الحكومة عصفورين بحجر واحد.. فمن ناحية يتم تنشيط السياحة ومن آخرى تفتح مجال مضمون لتسويق المنتج وتحميهم من استغلال أصحاب البازارات...
" يبدو أنها مؤامرة لقتل هذا الفن الجميل" قال الرجل وهو يتذكر متحسراً تلك المعارض التى أقامها فى الخارج على نفقته الخاصة وكم كان العالم كله منبهراً بهذا الفن الراقى.. لكن هذا مكلف جدا وهو لديه التزامات ولم يعد يستطيع تكرارها فى هذه الأيام العصيبة...
" مؤكد سوف تتحسن الأحوال يوماً .. أزمة وتفوت إن شاء الله" قال عم يوسف مهدئاً الرجل...
" لايبدو لى هذا أبداً يا عم يوسف.... يبدو أننا أصبحنا أنتيكة بالفعل كما يقول حسن .. وقد راح إلى غير رجعة زمن الفن الجميل حقاً.. وكان يا ما كان" قال الرجل مستسلماً.
صمت عم يوسف هذه المرة ولم يستطع تحريك لسانه برده المعهود بأن الفن الجميل باقٍ لا يموت على مر الزمان.. كأنه نسيه فجأة أو ان إيمانه بهذا القول قد تزعزع أوتلاشى فعُقد لسانه
.

الاثنين، 13 أبريل 2009

رباعيات


نسمة ربيع لكن
بتكوي الوشـــــــوش

طيور جميلة بس
من غير عشـــوش

قلوب بتخفق
إنما وحـــــــــــــــــدها
هي الحياه كده
كلها في الفاشوش

عجبي !!!!

الأحد، 12 أبريل 2009

أمانة فى عنق السنونو



رحلتُ وهذا النهر يجري بداخلي
ويرحلُ في صمتي الى حيث أذهــــــــــبُ

فجسمي شمالاً للسويد أجرّهُ
وروحي جنوباً نحو بغداد تُسحــــــــــــبُ

أغازلُ آلامي بأطرافِ نكتةٍ
وروحُ مسيحٍ في ثنايايَ تُصــــــــــــــلبُ

إذا ألفت روحي شواطيء غربةٍ
فطينُ السواقي سوف يأتي ويعتـــــــــــبُ

على شاطيء البلطيق كأسي أهزّهُ
وشعري بعيداً للصويرةِ يُكتــــــــــــــــــَبُ

وإن رمقت عيناي شقراء هاهنا
ستزعلُ مني شهرزاد وتغضـــــــــــــــــبُ

وتنهبُ روحي غزوةٌ وطنيةٌ
فأُرجعها صبراً فتُغزى وتُنهَــــــــــــــــــبُ

حملتُ بروحي غربتين توءماً
فأَيُّ يتامى للقريض ستُنجـــــــــــــــــــــبُ

يودعني طير السنونو مغادراً
فأسألهُ أي النهايات تطلـــــــــــــــــــــــــبُ

يقولُ لأرض الدفء يشتاقُ خاطري
فيبدأُ دمع العين يجري ويسكَــــــــــــــــــبُ

سأوصيك ياطير السنونو أمانةً
إلى أرض بغداد الحبيبةِ تركــــــــــــــــــبُ

وثمّ جنوباً طر على بعد ساعةٍ
ودونك ماء النهر منه ستشـــــــــــــــــربُ

هنالك قرب النهر بيتي حديقتي
بساتين أهلي ها هنا كنت ألعـــــــــــــــــبُ

هنالك قرب النهر بيتي تركته
حزيناً وبومٌ في زواياه ينـــــــــــــــــــعبُ

فقف فوق نخلاتٍ صغارٍ زرعتها
وبرحيّها أشهى الثمار وأطيــــــــــــــــبُ

ستسمع عند الفجر صوتاً مقدساً
ويقرأُ قرآناً ويبكي وينحــــــــــــــــــــبُ

إذن تلك أمي حزنها ووقارها
ووجهٌ الى الرحمن أدنى وأقـــــــــــــربُ

فأوصل سلامي ياسنونو أمانةً
وقبّل يديها فهو ذلٌّ محبّــــــــــــــــــــبُ

ستأكلُ خبزاً من يديها وطعمهُ
ألذُّ من الشهدِ المصفّى وأطُيـــــــــــــبُ

فقل إن من تبكين يشتاقُ صادقاً
وأنت على عينيه جفنٌ مركـــــــــــــــبُ

وأوصيكَ عند الأهل تبقى فإنهم
كرامٌ بهم للضيفِ وجهٌ مرحــــــــــــــبُ

هنالك بيتٌ للسنونو بدارن
وإنك لن تحتاج تبني وتتعــــــــــــــــبُ

فقل لهمُ إن الحسونيّ عائدٌ
سيرجع يوماً وهو للخير يجلـــــــــــــبُ

ومن قال عني إنني قد هجرتهم
فما قال صدقاً إنما كان يكـــــــــــــــذبُ
..........
للشاعر العراقى الرقيق
حفيد حمورابى
د. محمد الحسونى

السماء تُمطر بشراً- قصة قصيرة

تسللت بعض أشعة شمس آذار من خلف حُجب الغمام الكثيف الناشر عباءته على الكون .. ليمنح البلدة الصغيرة بعض الدفء إلى حين تُعلن السماء احتجاجها على ذلك الطواطؤ وتصب جام غضبها على الجميع...
نادت الأم على زوجة ابنها وابنتها العروس .. التى حصلت على شهادتها المتوسطة فى العام الماضى وتنتظر يوم زفافها الذى سوف يحين فى موسم الحصاد بعد أسابيع قليلة.. جعلت الأم تستحثهما للإسراع بالانتهاء من إعداد الطعام قبل عودة الرجال من الحقل.. لتناول وجبة الغداء بعد صلاة الظهر التى حانت الآن...
تسمع زوجة الابن الشابة صراخ رضيعها المتواصل .. المختلط بنداءات الأم تدعوها لترك ما بيدها.. وأن تأتى من فورها للصغير.. فتهرول مسرعة لتلبى تلك الدعوات المتتالية.. تلتقط صغيرها بلهفة من جحر الجدة...
بينما تناولها الجدة الصغير سمعتا انفجارا مدويا بإحدى درجات السلم الخرسانى بجانبهما.. هرعتا إلى الشارع مذعورتين.. تمسك كل منهما طرفاً من الصغير.. وقبالة المنزل وقفتا مذهولتين ترقبان مع الجيران مع مايحدث.. مال البيت المكون من ثلاثة طوابق مترين إلى الأمام .. ثم إلى الخلف .. ثم هبط الدور الثانى ليحل محل الدور الأول الذى ابتلعته الأرض عن آخره بكل ما فيه من أثاث فى لحظات...
انتابت الجميع حالة من الفزع الشديد.. وقبل أن يفيقوا كانوا قد قرروا ترك منازلهم المجاورة فى التو ودون أن يحددوا المأوى البديل...
ظل الجميع يرقب فى ذهول ما قد يطرأ من تداعيات.. وتوافدت جموع الناس من القرى المجاورة فور سماعهم هذا الحدث العجيب الذى انتشر خبره بسرعة البرق...
بينما انتشرت قوات الأمن حول المنزل .. وتوالت اللجان الفنية للمعاينة .. من جهات معلومة وأخرى مجهولة.. وثالثة بين بين.. وأخذ مندبو ومراسلو الصحف يدسون أنفهم فى كل الأمور.. حتى التى لا تتعلق بالحادث مطلقا.. فى حين انزوى مندوب جريدة معارضة بمجموعة ممن توسم فيهم الحماس اللامبرر لأية قضية...
" كله من الحكومة .. لو كان المواطن يهمها فعلا كانت تعمل كشف دورى على المنازل لتلافى مثل هذه الكوارث.. لكن المواطن أرخص شىء فى هذا البلد" همس المندوب المعارض فى شبه وشوشة ...
" والله عندك حق يا أستاذ.. مفيش أرخص من كده" رد مؤازراً أحد المتاخمين بنفس الوشوشة.
فى حين تبدى شاب ساذج يزعم أنه صحفى .. ويتباهى ببطاقة انتمائه لجريدة إقليمية من إياهم .. ولا يعلم أنه لو أظهرها لكانت قائده إلى السجن من أوسع أبوابه...
وفى صورة كاريكاتورية التصق كل مندوب من الصحف القومية بمسئول ما يدون تصريحاته.. واستجابته الفورية لحظة العلم بالحادث.. بينما لازمت محررة الحوادث فى صحيفة قومية كبيرة الضباط الموجودين بالمكان.. أسرعت تلملم صور كبارهم لترصهم فيما بعد جنبا إلى جنب على صفحة جريدتها وإلى جوارها أو فوقها أو تحتها أحلى كلام...
اكتظ المكان بالناس وضج طيلة الوقت بالتخمينات والتحليلات ومصمصة الشفاة.. تداخل اللغط وتمازجت الهمهمات.. فتعالى ما يشبه ترنيمات فرعونية فى طقس غير مفهوم..
خمن بعضهم أنه قد يكون بفعل الجن.. فى حين رفض البعض الآخر هذا القول واعتبروه تخاريف سذج ومجاذيب.. وجزمت طائفة بأن البيت قديم جدا.. وأكدت أخرى بأنه بنى بطريقة خاطئة.. بينما لم يجد تأكيد الجيران المقربين بأن البيت حديث البناء وليس به أية عيوب فنية.. وأرجأ البعض سبب النحس إلى رقم ثلاثة.. فى حين ردت الأغلبية السبب إلى غضبة مفاجئة من الأرض على أصحابها...
"وهل تغضب الأرض؟ ربما.. ولمَ لا؟ مؤكد عندما لا يعجبها حال مَن فوقها" هكذا تساءل نفر.. وهكذا برر آخرون...
تنبهت الأم التى تكومت منهكة الذهن خائرة القوى إلى جوار جدار قريب.. تتابع ما آل إليه حال بيتها.. ومن حولها الجارات يهدئن من روعها...
" بنتى .. بنتى!!" تصرخ المرأة بلا انقطاع .