الأحد، 11 أكتوبر 2009

الغـــــريبـــة - قصة قصيرة


منذ سنوات وتلك المرأة الغريبة تدور بلا هوية على البيوت والمحلات.. حتى المكاتب فى الهيئات الحكومية.. تهيم على وجهها فى الطرقات.. تستجدى هذا وتسب ذاك ونمدح الآخر وتضرب الأطفال الصغار فى الشوارع...
ترشق الأبواب والنوافذ بالحجارة.. تجرى وراء الفتيات لتمزق أثوابهن وتخطف ما بأيدهن.. تفعل أشياء غريبة مثلها تماماً...
لا أحد يستطيع كبح جماحها.. فلا وازع لديها من عقل أو حياء.. الجميع يتحاشاها خشية أن تجعله أضحوكة الحى .. فالجميع يعرف أنها مجنونة ويجب تجنبها.. إلا موظفات مكتب السكرتارية بالمدرسة الثانوية.. فهى التى ترجوهن دائما أن يتركنها فى حالها ويرحمنها من مكرهن وخبثهن.. فتكون بينهن حملاً وديعاً وقع فريسة لقطيع من الضوارى .. لا يخلصها من أيديهن إلا مها.. السيدة الشابة الهادئة الوديعة ذات الملامح المتناسقة الجميلة.. والتى تخطو حثيثاً نحو نهاية عقدها الرابع...
" سيبوها حرام عليكم.. دى مسكينة " تصيح فى زميلاتها بلطف وتشير عليها بالانصراف من هذا المكتب فى التو...
" ليلى مين؟ دى سندس يا مها" قالت إحدى الزميلات.
حقاً هى تعلم ذلك لكنها تنسى دائماً وتناديها " ليلى" وتعود تتذكر عندما تلفت نظرها إحدى الزميلات...
من ليلى هذه؟ دائماً يسألنها ولا تجيب.. كثيراً ما طلبوا منها أن تحكى لهن قصتها.. بينما تصمت ربما من فرط الحيرة فيما إذا كان من حقها أن تروى تلك القصة أم لا.. لكن الإلحاح شديد هذه المرة...
تسافر مها عبر ذكرياتها .. تحاول استدعاء الأحداث المستقرة على حافة الذاكرة.. تنادى عبثاً على بطلتها الغائبة.. ربما يعود الغائب.. ولكن الغائب لا يعود...
دارت الأرض بها.. تراقصت فى عينيها الصور المعلقة على الحوائط.. واهتزت قطع الأثاث المنسقة حولها فى الصالة الكبيرة.. وقبل أن تغيم الرؤية تماماً ناشدت زوجها المحامى الشاب أن يتوقف عند هذا الحد من المناقشة التى احتدت بينهما على غير العادة دون أن يشعرا...
مضت متثاقلة إلى غرفة النوم لتريح جسدها المجهد.. المثقل بمسئولية مخلوق جديد يتكون بداخله.. لم تكن المرة الأولى التى تشعر فيها بهذا الشعور وتعيش هذه الحالة...
كانت مفاجأة سارة جداً لقلبها عندما وضعت حملها الأول منذ سنوات كثيرة واكتشفت أنها رزقت بتوءم جميل.. البنت والولد معاً.. يالها من نعمة تقدرها جيداً.. وتشكر عليها العاطى الوهاب صبح مساء...
تحب الأطفال هى جداً.. تتمنى لو ترزق طفلاً فى كل عام.. تقول دائماً كما لو كانت رجلاً من العصور السحيقة " الأولاد عزوة وسند".. بيد ان الله أراد لها أن تكون هناك أعواماً ليست بالقليلة بين كل حمل وآخر.. كانت راضية تماماً بإرادة الله.. ورزقت من حملها الثانى بطفلة جميلة.. شقية.. رائعة المحيا.. شديدة الشبه بها...
هى الآن فى شهور الحمل الأخيرة .. تنتظر مولودها القادم بصبر نافد وشوق بالغ كما لم تنجب قط.. تود لو تدور الأيام دورتها لتراه وتسمع صوته.. تحدد ملامحه الصغيرة وتتحسس جلده الوردى الناعم.. ما أجمل هذا الإحساس لديها...
تشعر باختناق شديد.. يعلو ويهبط صدرها مع كل شهيق وزفير.. كأن ذرات الأكسجين تضاءلت فى الهواء .. وفى حركة تلقائية فتحت النافذة المغلقة بإحكام .. ألقت برأسها وبعض جسدها إلى الخارج.. صفعتها ريح باردة .. ربما لتذكرها أنه يجب عليها ان تدخل مسرعة.. وتحكم إغلاق النافذة مرة أخرى.. فسماء يناير الغائمة ستصب جام غضبها على الفور...
لكنها لم تلقى بالاً لهذا الإنذار الصريح .. ظلت عينها معلقة بمشهد لم تر فى حياتها مثله.. تصلبت أذنها وهى تلتقط تلك الهمهمات الغريبة التى ترددها امرأة ناشرة الشعر.. غريبة الأطوار والملبس.. بدت لها وكأنها جنية انشقت عنها الأرض.. أو خرجت من النهر المجاور للمنزل الكبير...
وفى عصبية شديدة ألقت المرأة صرة كانت فى حجرها بينما هى جالسة إلى جوار الجدار أسفل النافذة.. انطلقت صرخات مفاجئة من الصرة لحظة ارتطامها بالأرض.. فصرخت مها مفزوعة...
فجأة نشر الصمت غير المبرر عباءته على المكان .. لتكتشف مها أنها كانت شاردة طوال كل هذه الدقائق الماضية.. وأن التوسلات فى عيون الزميلات قد اشتدت كثافتها بعد أن انتظرنها طويلا حتى تعود من شرودها .. وأفرغت كل منهن ما لديها من قصص قد تكون متشابهة مع القصة المنتظرة.. ومنهن ما شط بها الخيال إلى أبعد من ذلك فاخترعت قصصاً وسيناريوهات من بنات أفكارها...
وأمام رغبتهن الجارفة أخذت مها تحفر فى ذاكرتها .. وتخوض فى أعماق أيامها.. تلملم خيوط الأحداث البعيدة.. لتنسج منها أغرب قصة صادفتها فى حياتها...
بدا دور الراوية مناسباً لها تماماً.. والزميلات يصيخن السمع فى اهتمام غريب ودهشة.. فانبرت تعيش الأحداث من جديد...
كان يوماً غريباً مطيراً حين رأتها لأول مرة.. أرعبها منظرها وحركاتها وكلامها.. صرخت منادية زوجها الذى هرع إليها فى لمح البصر.. وقد قفزت إلى ذهنه خيالات مرعبة.. أشارت مرتعدة إلى أسفل فأخذ يربت على كتفها وبهدوء شديد أغلق النافذة.. وهو مازال يعتقد أن المناقشة التى احتدت منذ قليل هى السبب فى هذا الذى ألم بها...
وبعد وقت لا تدرى أكان طويلا أم قصيرا استيقظت من نومها.. بدأت تسترد عافيتها فيبدو أن أعصابها كانت مجهدة بالفعل.. وجدت فى نفسها أثر فرحة طارئة.. لقد وافق زوجها أخيراً على تسلمها العمل...
" شكراً لك أيتها المرأة الغريبة!" قالت مبتهجة.
يعلو الصياح بالخارج .. يهرع الجميع إلى النوافذ.. لطمات تدوى على الخدود والرأس .. يشتد الصراخ حتى تنقطع الأنفاس وتغيب تماماً .. شتائم وألفاظ خادشة تُقذف فى وجه أشخاص وهميين لا وجود لهم إلا فى رأس تلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
يلف الصمت المكان مرة أخرى ويتأكد لمها أنها كانت المتحدثة الوحيدة طوال كل هذا الوقت الفائت .. وقد ازدادت كثافة التوسلات فى العيون المنصتة..فعادت مها تلتقط خيوط الحديث من جديد...
ومرت أيام قلائل وجاء يوم تسلمها العمل .. وبعدما انقضى يومها الأول وفى طريق عودتها إلى المنزل اصطدمت بها ..همت لتمسك بتلابيبها بيدها القوية وأظفارها الطويلة كمخالب قط برى.. خرج أهل المنزل جميعاً على صراخ مها...
" سيبيها يا ليلى.. دى مدام ابنى .. الاستاذ محمود" قالت لها جدة الأولاد فتركتها على الفور وجلس الجميع يهدئون من روعها.
نادت جدة الأولاد على ليلى وتحدثت معها لبعض الوقت.. فهى تحب الجدة كثيراً وتسمع كلامها.. لتصبح ليلى منذ ذلك الحين إنسانة أخرى تماماً.. فكان كل من يراها معهم وبينهم لا يصدق أبداً أنها هى .. تلك المجنونة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
مرت الشهور سريعا وجاء المولود المنتظر " أحمد".. والذى راق لليلى منذ اللحظة الأولى أن تسميه "لاوس" ولا أحد يدرى من أين جاءت بهذا الاسم وعندما سألتها مها قالت " أهو لاوس وخلاص يا ست ام لاوس".
" لاوس .. لاوس .. بس يعيش" قالت مهما ممازحة.
الغريب أن ليلى تحملت مسئولية تربية هذا الوليد منذ اليوم الأول.. أحبته كما لم تحب طفلا قط حتى رضيعها الذى بين يديها.. وتخاف عليه خوفها على شىء عزيز لم تمتلكه.. تحمله طيلة الوقت.. تغسل له لفائفه وسراويله الصغيرة وتقبلها قبل أن تطويها وتضعها فى خزانة ملابسه.. وفجأة...
اختفت ليلى برضيعها كما ظهرت .. تاركة "لاوس" ابن الأربعين يوماً.. ذابت مع ثلوج الشتاء دون أن يدرى بها أحد.. أو تترك وراءها أثراً يشى للنفس بعودتها يوما...
لملمت خلفها الخماسين ذراتها المطبقة على الدنيا.. كما مر الصيف المرهق بقيظة وجوه الخانق دون أن يبشر بعودتها...
ونسى الجميع ليلى وكلام ليلى وصراخها وألفاظها.. لكن شيئاً ما بقى بقلب مها وذاكرتها لتلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
عادت المدارس تفتح أبوابها من جديد.. وغرقت مها فى العمل وكادت تنسى هى الأخرى تلك الليلى ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
وذات يوم أثناء عودتها من المدرسة لمحت مها نفس البطاطين والأسمال البالية منشورة على سور حديقة المنزل وأفرع الأشجار المتدلية فوقه.. شئ ما بدأ يعتمل فى نفسها...
" ليتها تكون هى" همست فى نفسها.
" ازيك يا ست ام لاوس" بادرتها قبل أن تكمل حديثها الهامس.
وبعد حديث ليس بالطويل دار بينهما فى الشارع أخذتها مها إلى الداخل لترى حبيبها لاوس.. ثم تركنها معه وقد انشغلت بتبديل ملابسها.. مطمئنة تماماً أن صغيرها فى أيد أمينة رغم كل التحذيرات التى انهالت عليها سابقاً من الجارات والأقارب...
حاولت مها إقناعها بأن تخصص لها مكاناً حتى ولو فى الجراج يحميها هى وصغيرها من الأمطار والبرد.. إلا أنها كانت تأبى بشدة وتشير إلى السماء قائلة " اللى خلقتا يحمينا".
وتستمر الحياة وتمضى الأيام بالبشر.. وينقضى الشتاء.. وتختفى ليلى مرة أخرى .. ودون أن تودع أحداً .. وتحار العقول مرة أخرى فى سر ظهورها واختفائها المفاجئ.. وكالعادة ينسى الجميع ليلى وحكاياتها العجيبة.. ويبقى بقلب مها وذاكرتها شئ لتلك المرأة الغريبة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
سنوات مرت على تلك الحال .. تظهر ليلى وتختفى .. ولم يعد يندهش الناس من ذلك الحدث.. وانشغل كل بأموره عن هلاوسها ومنظرها الذى غدا مألوفاً لديهم.. فأصبح من الطبيعى أن يرى الجميع امرأة غريبة تبيت إلى جوار الجدار فى ليالى الشتاء القارسة.. رافضة أن يستضيفها أحد أو أن تحتمى بصغيرها فى أى ركن من العواصف والرعود والأمطار.. تستيقظ مع الفجر فى كل يوم تلملم أسمالها من على أفرع الأشجار لتغسلها فى النهر ثم تنشرها مرة أخرى.. تغمر صغيرها فى ماء النهر البارد ليلا أو نهاراً كلما اتسخت يداه أو ملابسه...
غدا بديهياً أن يتمهل كل من يقصد دورة مياه المسجد فى أية ساعة من نهار أو ليل .. ليتأكد من عدم وجود ليلى بالداخل للاستحمام.. حتى ولو لم تكن تصيح بترنيماتها الغريبة التى تشبه تمتمات السحرة والمشعوزين.. وإنذاراتها الفجة لكل من يسوقه قدره إلى هذا المكان فى تلك الساعة...
ويمضى قطار السنين .. وتظهر ليلى مع الرعود والمطر .. وتختفى مع أول خيوط الدفء .. وينسى الناس.. ويتذكرون...
" يا ترى انتى فين دلوقت يا ليلى؟" تتنهد مها وتهمس حزينة متأثرة.
تركتهم ليلى منذ أن التحق لاوس بالمدرسة.. سبع سنوات مرت على اختفائها.. سبع سنوات والشتاء يأتى بدونها.. ترى هل مازالت حية؟ هل مازالت تذكرهم؟ هل مازالت تحب لاوس؟ لقد كبر الآن وكاد يتخطاها عوده.. مسكينة ليلى .. أتت وغادرت دون ان يعرف أحد حكايتها...
تنهمر بعض الدمعات من عيني مها وتصمت طويلاً.. ويبقى بقلبها وذاكرتها شيء لتلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

حكايات بطولة من قلب المعركة!!


فى حياة كل منا مواقف تترك بصمتها على حياته.. واحداث من الأهمية بمكان يجعلها صفحة فى تاريخه.. واشخاص لايقدر بأى حال أن ينساهم .. كل هذا تجسد فى حياتى فى لحظة يوم أن التقيتهم وأجريت معهم هذا الحوار الودود الذى تناول ذكرياتهم عن المعركة..إتهم أبطال شاركوا فى حرب أكتوبر المجيدة.....
كان هذا فى الذكرى الخامسة والعشرين لملحمة اكتوبر الخالدة وكنت فى بدايات عملى الصحفى بجريدة الشعب فيما قبل مرحلة الجامعة ونشر بتاريخ 6/10/1998
تعددت البطولات والحكايات ..وكل حكاية ترسم صورة مشرفة ومضيئة ..وفى هذه المساحة البسيطة نرصد بعض هذه الحكايات من أرض المعركة ..ونستمع إلي التفاصيل على لسان أبطالها الذين أبلوا بلاءً حسناً .. ضاربين أروع الأمثلة على مر العصور فى الفداء والتضحية وعشق الوطن!!
جمعة أحمد عبد المولى بأحد كتائب المدفعية المضادة لللطائرات آنذاك يبدأ كلامه قائلا: كأنى الآن فى قلب المعركة وكل فصولها ترتسم أمام عينى بكل دقة ووضوح..فالمواقف التى لا تنسى كثيرة ومتنوعة وأكبر من أن يتخيلها عقل .. ولكن الشىء الذى لايفارق ذاكرتى هو أننى اختلفت مع قائد السرية أثناء عبورنا القناة من فوق الكوبرى ..وكنت أقود سيارة مجهز عليها مدفع مضاد للطائرات وكانت مهمتنا الأساسية هى حماية القوات أثناء العبور ..فقد أمر القائد بالسير من طريق مخالف فحاولت إقناعه أن هذا الطريق خاطىء وأن الصحيح هو طريق آخر أعرفه جيداً منذ حرب 67 التى استركت فيها أيضاً..لكنه أصر على رأيه فلم أجد أمامى إلا مخالفة الأوامر العسكرية وأنا أعلم جيدا إلى أى مدى ستصل العقوبة وسيرت فى الطريق الذى أعرفه ..وكان بالفعل هو الصحيح ووصلنا المنطقة المقصودة ليلاً..وفى السادسة صباحاً اشتبكنا مع قوات العدو وألحقنا بهم خسائر كبيرة ..وقد نلت على هذا التصرف شهادة "الكفاءة القتالية" من الدرجة الأولى.
يحيى ابراهيم الجمل –مواطن مصرى- كما أصر أن يُلقب .. قابلنا بإبتسامة عريضة وتنهيدة شوق وحنين إلى كل لحظة فداء وكل حبة رمال شهدت على هذه الملحمة الرائعة .. يقول الجمل: كنت جندى برتبة عريف فى سلاح الإستطلاع أى أن عملى كان بالمقدمة ..وأثناء قيامى بمهمتى برصد تحركات العدو عن قرب وإبلاغ المدفعية فى الخلف فوجئت بطائرة إسرائيلة تقترب من الموقع فأسرعت بالإبلاغ عنها واشتركت فى إسقاطها أيضاً مع الجنود وقمت بنفسى بأسر قائدها ..وقد أصبت فى ذراعى اليسرى بشظايا من صاروخ أطلقته قوات العدو ونتج عن هذه الإصابة نسبة عجز بالغة أفخر بها فى كل حين.
محمد غازى هليل يسترجع معنا ذكرياته المحفورة فى قلبه والموشومة على جدار روحه كما يؤكد فيقول: حاصرنا العدو أربعة أشهر بمنطقة ممر الجدى جنوب البحيرات المُرة ورغم المعاناة لم نفقد الثقة بالله ولا بأنفسنا وكان عزمنا يزداد باشتداد الأزمة.. ورغم أن العدو هو المحاصر لنا إلا أنه لم يستطع معرفة قوتنا أو عددنا وكلما كان يقذفنا بطلقة نقذفه بعشر ..وبعد انتهاء الحصار كان الاحتفال الذى قابلنا به شعب مصر فى القاهرة عظيما ..حيث احتشد المسئولون والأهالى وطلاب المدارس والجامعات على جانبى القطار بمحطة مصر ..كان الجميع يهتف بحياتنا وحياة مصر العظيمة لدرجة أن سائق السيارات أوصلونا إلى بيوتنا فى طول البلاد وعرضها بدون مقابل.. ومنا مَن ظن أهله أنه أستشهد وكنت ممن أشيع نبأ استشهادهم وعند عودتى استقبلتنى القرية عن آخرها بالزغاريد والفرحة.
السيد محمد متولى يكاد يبكى بينما تعلو وجهه ابتسامة من أروع وأبهى مايكون ..يهمس نصف شارد وكأن شريط سينما يمر أمام عينيه: عبرت القناة مع القوات بالقوارب المطاطية وفى الضفة الغربية ليلاً أصبت بعدة رصاصات فى ساقى اليمنى وظللت حتى الصباح فى المكان الذى أصبت فيه..بعدها عثر علىّ الرفاق ونقلت إلى مستشفى الزيتية بالسويس ثم إلى القاهرة لإتمام علاجى.ز وهاهى الآثار منقوشة على ساقى أعتز بها حتى الممات.
محمد شهاب الدين يقول بلهجة الفخر والاعتزاز وبمنتهى الفداء وإنكار الذات: أسرت أثناء المعركة ولكن فرحة النصر أنستنى كل شىء..حتى التعذيب الذى كان اليهود الملاعين يتفننون فى ابتكار أساليب جديدة وبشعة منه ..والذى مازالت آثاره الدامية على جسدى كله منذ خمسة وعشرين عاما وستبقى شاهدة على جرمهم وبشاعتهم مادمت حياً..لكننى لم أكن حزينا ولا جازعاً فروحى فداءً لمصر ..وقد عدت إلى أرض الوطن الحبيب بعد تحريره مقَّبلاً ثراه الغالى مع أول تبادل للأسرى بيننا وبين العدو.
محمد السيد مبروك يأخذنا إلى زواية أخرى من الصورة البانورامية الواقعية فيقول: فى أحد الأيام دخلنا السويس من أجل البحث عن شىء نقتات به.. وتصادف ذلك اليوم مع هجوم قوات العدو على المدينة.. فالتحم الجنود المصريون الموجودون وقتها وكانوا حوالى سبعة آلاف جندى بمشاركة الأهالى مع قوات العدو.. ودارت معركة طاحنة بالأيدى والشوم والأسلحة البيضاء والحجارة ..وتم الإمساك بالجنود الإسرائيليين وقائدهم الذى اقتحم وبعض مَن معه مبنى المحافظة وأخذناهم أسرى.
عقيد متقاعد محمود سعفان يشرح لنا باستفاضة واعجاب يفوق الوصف استراتيجية حرب أكتوبر المجيدة وكيف كانت الخطة فريدة ومحكمة وكأنه يلقى قصائد شعر من الطراز الرفيع ويشرح أيضاً كيف تم التجهيز للحرب
وعمليات التمويه والبداية الفعلية للحرب.. وكم كانت بسالة الجيش المصرى جنوداً وقادة ..كنت استمع وانا فى غاية الفخر والتقدير واسترسل حتى وصل إلى ذكر تلك الإصابة بعينه اليسرى والتى أفقدتها البصر تماما وحدثت أثناء الحرب وأنه يعتبر هذا وساماً على صدره شرفه المولى تبارك وتعالى به حتى نهاية العمر.

الأحد، 4 أكتوبر 2009

ملحمة العبور المجيدة .. أمجاد يا عرب أمجاد!!



اكتوبر .. شهر الاحتفالات .. شهر العزة والكرامة والحرية.. شهر استرداد الأرض وتأكيد الثقة والعزم....
ملحمة حرب اكتوبر المجيدة ..ذكرى عزيزة وغالية على كل مصرى وعربى .. صورة مشرفة لأمة عربية متماسكة اجتمعت يوماً على رأى واحد وتعاونت على البر والتقوى واعدت للعدو ما استطاعت من قوة وعزم ..صفحة ناصعة مضيئة فى سجل كل ابن من أبناء هذا الوطن العظيم الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وكتبوا بدمائهم الذكية أروع ملاحم النصر.....
ففى كل بيت حكاية وفى كل قلب ذكرى لأب ..أو ابن.. أو أخ.. أو عم.. أو خال.. منهم من عاد متشحاً بوشاح العزة والكرامة ومغرداً بأهازيج النصر ..ومنهم "أحياء عند ربهم يُرزقون".....
ومع حلول اكتوبر المجيد تقام الاحتفالات.. وتنصب ساحات العرفان بالجميل على نصب الذكرى العزيزة الغالية.. وتدور على الألسنة قصص البطولة وحكايات الأبطال.. وتطل وجوه تنضح بالإيمان والشجاعة لرجالٍ " صدقوا ما عاهدوا الله عليه".....
ورغم كل التقدير والعرفان الذى تكنه القلوب والأرواح لهؤلاء الأبطال البواسل ..إلا أن ما قدموه لنا كان أكثر واغلى وأعظم من كل ما يمكن أن نقدمه نحن لهم أو لمصرنا وعروبتنا التى هانت بعدهم.....
فمهما أقمنا من احتفالات ..ومهما صدحت حناجرنا بالأغنيات.. فلن نستطيع أبدا أن نوفى أبطالنا البواسل حقهم .. ولكل مصرى أن يفخر بمصريته وعروبته وتاريخه المشرف..فما أحوجنا فى هذه الأيام الى أن يصل ذلك المفهوم إلى كل الشباب والنشء الذين لم يعاصروا هذا النصر المجيد ويدركوا كم هى مصر عظيمة بشعبها وجيشها على مر العصور لتظل تلك الصفحة المضيئة من تاريخ الوطن محفورة فى قلوب كل المصريين والعرب بحروف من نور جيلاً بعد جيل!!
فهل نأمل بأن يهب العرب هبة رجل واحد وأن تثور فى عروقهم دماء النخوة من جديد من أجل فلسطين الحبيبة ونصرة المسجدالأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين؟؟؟!!
مليون تحية إلى روح بطل الحرب والسلام
وإلى أرواح كل شهدائنا الأبرار!!

الجمعة، 14 أغسطس 2009

المــــــذبحــــــة - قصة قصيرة


كل يوم فى نفس الموعد يأتى وئيد الخطى متكأً على عصاه.. يمسح تلك المساحة الشاسعة من الأرض..التى كانت بالأمس القريب جنة وارفة الظلال .. تسر النفس وتسعد الفؤاد.. وتفيض بالخير العميم...يتأمل ملياً تلك الأرض الطيبة التى ترفض أن تموت.. تتحدى كل القرارات والافتراءات.. وتتمرد على قسوة وغباء البشر .. وفى يوم وليلة نفثت غضبها واعتراضها على ذلك الجبروت الذى عوملت به.. فأنبتت جذور الأشجار المذبوحة المدفونة بجوفها من جديد...سلواه الوحيدة أن يرى تلك الأشجار النابتة تنمو يوماً بعد يوم .. يربت عليها يطمئنها أنه لن يضيعها ولن يخذلها كما لم تخذله...رسالة صريحة تلك الخضرة النابتة إليه .. هو يعرف ذلك .. يفهمها ويقدرها جيداً .. يعلم يقيناً أنهم شركاء رحلة عمر طويلة وليس من حق أحدهما أن يستسلم .. أو أن يتخلى عن الآخر مهما لاقى من عناء...كان يزداد إيماناً فى كل لحظة بأنه يجب أن يقاوم بكل ما يملك.. وأن يستمر النضال من أجل استرداد هذه الأرض الوفية التى يستمد منها صلابته وقوته فى مواجهة الظلم والطغيان...يبتسم المهندس الزراعى صاحب هذا الحلم الموؤد فى وجه أشبال الأشجار الجديدة التى وصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار .. ويشير بسبابته والوسطى إشارة النصر...يلوح له كم كان المشوار شاقاً طويلاً.. شائكاً مؤلماً .. منذ أن اتفق مع مجموعة من أصدقائه وجاءوا بأسرهم إلى هذه المنطقة القاحلة فى مكان قصى غرب الساحل الشمالى.. استصلحوها واستزرعوها وامتلكوها.. وحيزت بأسمائهم حسب القوانين المعمول بها فى هذا الشأن..." أخيراً تحقق الحلم .. وأصبحت الأرض ملكاً خالصاً لنا" قال مهنئاً رفاقه.. وتبادل الجميع التهانى وعلت الزغاريد فى سماء المنطقة التى أصبحت جنة الله فى أرضه...لاحت له صورة الأرض أيام بدأوا فى استصلاحها .. جبال رملية مخيفة يصل ارتفاع أقلها إلى عشرين متراً .. كان ضرباً من المستحيل تخيل هذه المساحة خضراء فى يوم من الأيام أو حتى مستوية ممهدة..." يا جماعة بالعزم والإصرار نقهر المستحيل.. فنحن أبناء الفراعنة بناة الحضارة وصانعو المعجزات" جعل يبثهم الأمل ويشعل حماسهم.حلم وعلمهم كيف يحلموا مثله.. وبالكفاح والمثابرة تجسد الحلم الجميل شيئاً شيئاً وأصبح حقيقة ملموسة من أروع الحقائق..." أنتم تستحقون أن تُصنع لكم تماثيل على هذا العمل العظيم" قالوا مذهولين كل أعضاء اللجان التى أتت لمعاينة الأرض الواحدة تلو الأخرى...مشوار طويل حقاً قدره أعضاء اللجان المعاينة لأنهم أكثر الناس دراية بما يمكن أن تتطلبه مثل هذه الأرض حتى تخضر وتنبت...مئات الأفدنة على امتداد الرؤية فى كل اتجاه تضحك فى وجوه الناظرين .. ترقص فرحاً بخصوبتها الوليدة على أيدى هؤلاء الأبطال عاشقى الوطن.. تكاد تنطق بالشكر والعرفان لهم على ذلك المعروف الذى ليس بمقدورها أن ترده مهما أعطتهم ومهما جنوا من ثمارها...لكن أعداء النجاح لم يقدروه.. ولم يستوعب خيالهم المريض كم يكون الجهد والمال والعرق الذى حوَّل جبال وكثبان رملية وعرة إلى جنة خضراء نضرة..." حسبنا الله ونعم الوكيل!" همس متألماً وهو ينظر نحو الأفق المترامى .. معاهداً الشمس المائلة نحوه حثيثاً أن تشرق على جنتهم التى كانت من جديد...بدا يحاول التخلص من تلك التفاصيل التى أرهقت قلبه وانهكت قواه لكنه لم يستطع.. كأنما ليظل يحياها فى كل لحظة حتى يظل باقياً على عهده الذى قطعه على نفسه حيال هذه الأرض المذبوحة...يمر بخاطره أيام ظهر مشروع الطريق الدولى الساحلى للنور منذ سنوات سبع .. والذى اخترق أرضهم واقتطع منها مساحة خمسين فداناً توارت تحت نهره.. لم يعترض أحد لأنها كانت منفعة عامة حقيقة.. وكل ما طالبوا به هو مراعاة المساحة الواقعة شمال الطريق التى سوف تُعزل بمروره عن أى مصدر للرى والصرف .. وقد حلت هذه المشكلة بعمل فتحات تحت الطريق أثناء إنشائه.. مما كلفهم الكثير من الأموال والجهد...ظل الحال على عهده زمناً والجميع يزرع ويكد ويحصد.. حتى تبدلت الحال وتحول الحلم الجميل الذى عاشوه إلى كابوس مرعب جاثم على أنفاسهم ليل نهار ويأبى إلا أن يزهقها...فوجئ الجميع بغتة بوجود معدات ثقيلة من جرافات وحفارات وغيرها فى حراسة جميع التشكيلات الأمنية التى يمكن تصورها...أزيلت فتحات الرى والصرف التى تكلفت ملايين الجنيهات.. جرفوا المزروعات وأشعلوا فيها النيران.. اقتلعوا عشرات الآلاف من الأشجار السامقة على امتداد الأرض والمحيطة بها...خلَّفوا المكان وراءهم جحيماً مستعراً.. تصاعدت ألسنة اللهب والدخان إلى عنان السماء.. معلنة عن كل الدمار والحسرة.. حاملة علامة استفهام كبيرة جداً بحجم كل هذا الجهد والمال والعرق المبذول فى سبيل تخضير هذه الأرض التى أُغتيلت خصوبتها بلا أدنى رحمة...لمعت عيناه بعبرة.. تشبث بعصاه .. جلس بتؤدة على منطقة مرتفعة قليلا .. مستندا على جذع شجرة توجت الخضرة الجديدة قمته وتعالت تعانق الهواء..." السلام عليكم" قال الرفاق شركاء الحلم الذين أتى بهم الشوق لزيارته بعد أن تركوا المكان وعادوا بأسرهم إلى المدينة الكبيرة لمباشرة حياتهم كما كانوا قبلاً..هو وحده الذى بقى إلى جوار حلمه.. ويأبى إلا أن يفى بالوعد لتلك الأرض التى عشقته كما عشقها.. وأعطته كما أعطاها وتعاهدا على التوحد إلى الأبد...تساءلوا عن مصيرهم المحير والغامض أو هو مجهول بالفعل .. رغم حصولهم على حكم ببطلان هذا القرار الغبى الذى أصدره حاكم الإقليم بوأد حلمهم.. لكنه يأبى تنفيذه رغم رفض الإشكالات الثلاثة التى قدمها..." لديه حجته فهو رجل قانون محنك ومستشار سابق ويعرف كيف يلعب بالثغرات جيدا" قال أحد الرفاق مستسلماً." مهما يكن فالحق أعلى وأقوى.. وحجته تلك داحضة.. فلديه آلاف الأفدنة على امتداد الساحل ملكاً خالصاً للدولة وليس عليها أية نزاعات .. فليأخذ منها ما شاء لبناء هذه المنطقة الصناعية المزعومة" قال المهندس الزراعى موضحاً." لكنه يريد هذه الأرض تحديداً" قال آخر." وهذا لن يحدث أبداً مادمت حياً" قال المهندس ثائراً.تذكر للحظة كلام الرجل فى آخر مقابلة بينما كان يطالبه بتنفيذ حكم القضاء العادل.. انتفخت أوداجه وتطاير الشرر من عينيه وهو يؤكد فى حزم أن هذا أبعد لهم من نجوم السماء..."تنفيذ الحكم ده على جثتى" قال الحاكم بأعلى صوت دون الرهبة من أى رادع.بعد لحظات صمت كأنها حداد على ضحايا هذه المذبحة البشعة حرك أحدهم لسانه فى فتور مشيراً عليهم بالمضى من هنا فالجو غير مستقر وقد تمطر السماء تواً..." نعم الرأى .. فلنذهب لصلاة المغرب.. فقد حانت" قال أحدهم مؤيداً.غادر الرفاق المسجد الصغير الذى بنوه منذ ان وفدوا إلى المنطقة واتجهوا جميعا إلى بيت صديقهم المهندس الزراعى المقيم الوحيد بالمكان لم يزل...أعلنت سماء "طوبة" القاتمة عن ليلة مطيرة قارسة .. مر الوقت والرفاق ملتفون حول المدفأة الفخارية.. يجترون تفاصيل ذلك اليوم الكئيب الذى ُشردوا فيه وقوضت حياتهم الآمنة المستقرة.. وتبدل أمنهم بالضياع والخوف والتهديد بالسجن...وما زاد الطين بلة هو تراكم مديونيات بنك التنمية عليهم.. فالبنك استصدر أحكاماً ضدهم بالسجن.. صحيح هم يستأنفون هذه الأحكام لكنهم لا يعلمون ما تخفيه لهم الأيام.. ضج الجميع فى لغطهم بينما شرد صاحبهم منفردا بكم لا يُحتمل من الألم...هب واقفاً تحت شجرة الكافور الكبيرة التى كان يتفيأ ظلالها حين رأى جيشاً جراراً يتقدم نحو المزرعة الشاسعة.. جرى مهرولاً نحو هذه القوة الكاسحة..." قفوا.. قفوا" صاح وهو يتقدم دون إبطاء يعترض الطريق أمام جرافة ضخمة فارداً ذراعيه عن آخرهما." ابتعد يارجل" قال قائد القوات." بل أموت تحت هذه المعدات" قال المهندس صاحب المزرعة." أنت بهذا تعوق مهمتنا.. وتعرض نفسك لمساءلة القانون" قال الضابط ضجراً." اى قانون تقصد؟ إنها أرضى .. ملكى" صاح الرجل.أشار الضابط بطرف عينه.. وفى لحظة تجمع أكثر من عشرين عسكرى حول الرجل..جرجروه بعيداً رغم تشبثه المستميت بالأرض...تقدمت المعدات أكثر.. واصلت تقدمها.. اهتزت الأرض تحت قدميه.. زاغت عينيه لبرهة.. هز رأسه كمن خرج لتوه من الماء.. أغمض عينيه وفتحهما مرات.. تيقن أنه مدرك تماماً واعٍ لكل ما يجرى لكنه ذاهلاً دهشاً.. يرفض عقله التصديق والتسليم للأمر الواقع.. فلا سبب واحد يدعو لحدوثه..." قفوا.. قفوا.. هذه أرضه.. ملكى" خرج عن صمته وعاد يصيح."ابتعد يارجل لم تعد أرضك.. فقد صدر القرار صباحاً" عاد الضابط يقول."قرار؟ أى قرار؟" قال الرجل مندهشاً." قرار نزع الملكية للمنفعة العامة" قال الضابط بنفاد صبر وأمره بالصمت حتى يباشروا عملهم."الخراب عملكم .. الدمار شغلكم؟" قال الرجل صائحاً بجنون." خذوه" قال الضابط فى حزم.سكن الرجل فى أيدهم حتى ظنوا انه فارق الحياة.. ربت أحدهم على خده مرات فتنبه قليلاً.. أطرق إلى الأرض مهزوماً مكسوراً.. يتوارى خجلاً من عجزه وقلة حيلته...تسلل إلى منزله فى أطراف المزرعة يجر أزيال الهزيمة وخيبة الأمل.. تلاشى رويداً رويداً عن العيون فلم يُرَ له بعد ذلك أثر.

الجمعة، 7 أغسطس 2009

غـــربــــاء - نــــازك الملائــــكة



أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنا

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:

مللاً...
. نحن هنا مثلُ الضياءْ

غُربَاءْ

اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيرِ

كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعوري

دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا

وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي

كنت حَيرى

أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري

إن نكن نقضي الأماسي, أنتَ أَدْرى

غرباءْ

مرّتِ الساعاتُ كالماضي يُغشّيها الذُّبولُ

كالغدِ المجهولِ لا أدري أفجرٌ أم أصيلُ

مرّتِ الساعاتُ والصمتُ كأجواءِ الشتاءِ

خلتُهُ يخنق أنفاسي ويطغى في دمائي

خلتهُ يَنبِسُ في نفسي

يقولُ أنتما تحت أعاصيرِ المساءِ

غرباءْ

أطفئ الشمعةَ فالرُّوحانِ في ليلٍ كثيفِ

يسقطُ النورُ على وجهينِ في لون الخريف

أو لا تُبْصرُ..عينانا ذبولٌ وبرودٌ

أوَلا تسمعُ.. قلبانا انطفاءٌ وخمودُ

صمتنا أصداءُ إنذارٍ مخيفِ

ساخرٌ من أننا سوفَ نعودُ

غرباءْ
نحن من جاء بنا اليومَ ومن أين بدأنا

لم يكنْ يَعرفُنا الأمسُ رفيقين..

فدَعنا نطفرُ الذكرى كأن لم تكُ يومًا من صِبانا

بعضُ حبٍّ نزقٍ طافَ بنا ثم سلانا

آهِ لو نحنُ رَجَعنا حيثُ كنا

قبلَ أن نَفنَى وما زلنا كلانا
غُرباء

غُرباءْ

الأربعاء، 5 أغسطس 2009

محضر إشغال حياة - قصة قصيرة



ترددت بين جنبات قلبه كلمات.. كان قد نسيها منذ أمد بعيد.. لحظة أن أخبره السجَّان بالعفو..
كلمات اعتصرت لها روحه يوم اقتياده إلى غياهب المجهول..
" لم أذنب" تذكر صيحاته التى كانت ترج قاعة المحكمة...
"اسكت" تذكر أيضاً الصيحات المضادة...
حكمت المحكمة بالمؤبد خمسة وعشرين عاماً...
" برىء" يصيح فى جنون...
" امنع الكلام" تتوعده الأصوات الغليظة بالويل والثبور.. وعظائم الأمور...
" مظلوم" ترتج قاعة المحكمة...
"برييييييييييييييء" يدوى الصوت فى آذان الكون...
أكل عليه الدهر وشرب.. أضناه الأنين والألم واعتصرته الحيرة والتساؤلات...
اليوم فقط سمحوا له بالكلام.. بل أكثر من ذلك بكثير.. بشئ لم يعد يحلم به.. أعطوه تأشيرة خروج إلى العالم الواسع من جديد.. اليوم؟ اليوم؟!
ما أبعد الأمس عن اليوم.. وما أبعد اليوم عن الأمس.. بُعدٌ يمتد طويلاً كأنه اللانهاية .. وما بين أوائل الشباب النضير الغض والآمال العريضات وورود الحب .. وبين الوقوف منكسراً على أعتاب الشيخوخة يحاول يائساً إحياء الروح والقلب.. مرحلة عمرية اختُزلت .. وأمنيات عزيزات بلا ذنب سُحقت......
بالأمس البعيد فارق صديقاً وحبيبة.. وأناساً كثيرين كان يعرفهم...
واليوم.. هل هم فى شوقٍ إليه كما يذوب هو شوقاً إليهم؟ هل مازالوا يذكرونه أصلاً؟!
فكر أين يذهب؟ ودون تردد قادته قدماه إلى صفوة أيام عمره ومهد صباه...
" أنا ابراهيم يا معلمة .. ألا تذكرينى؟!" قال بنصف ابتسامة أسعفته بها ذاكرته من الزمان الجميل متوهماً أنه مازال بالإمكان استرجاع بعض أوقاته الصافية...
" ابراهيم .. اسماعيل.. كله زى بعضه" ردت المعلمة نوسة بلا مبالاة وضجر...
" عندك حق.. سنين طويلة فاتت.. عمر تانى!" قال متحسراً على سنوات عمره التى أهدرت وراء القضبان ثمناً لجريمة لم يرتكبها وضاعت أدراج الرياح...
بحثت المعلمة نوسة فى ذاكرتها طويلاً دون جدوى.. فجأة هزت رأسها " ظننتهم أعدموك!" قالتها دون اكتراث...
" اليوم فقط خرجت" قال منتوياً أن يروى لها بقية القصة...
وقبل أن يكمل كلامه أشاحت بوجهها غير عابئة.. وجعلت ترتب فى أشياء عن يسارها أصابتها الفوضى...
تغيرت المعلمة نوسة.. تغضن الوجه النضير..علت قسماته تكشيرة عتيقة كأن عمرها ألف عام.. جف لطفها.. غاض كرمها.. وراح إلى غير رجعة ودها.. لم تعزم عليه بكوب شاى.. ولا بسيجارة كما كانت تفعل فى الماضى.. زمان كانت حبوبة.. بشوشة لطيفة...
" رجعت إلى هنا وجدتهم هدموا البيت.. لم يعد له أثر.. ونهبوا ما فيه" همس مهزوماً...
" لم يكن لديك شىء يطمع فيه أحد.. كراكيب وهلاهيل قديمة.. وصندوق صغير حفظته عندى.. مقفول كما هو ولا أعرف ما به" قالت ولم تزل غير مهتمة أو عابئة...
تهلل وجهه فرحاً.. وانبسطت قسماته التى دامت كئيبة منقبضة منذ أن ابتلعته ظلمات السجن.. تحسس شعره الناعم الذى وخطه المشيب وتطاير معظمه مع السنين...
" عندك بالفعل؟!" همس مبتسما غير مصدق.. ثم تاه فى الزمان البعيد...
"هيييه .. روحت فين يا أخينا؟!" أشاحت فى وجهه صائحة...
وبينما كانت تهم بإحضار الصندوق من مكمنه فى باطن الأرض بأحد أركان الكشك الخشبى العتيق استحلفها أن تبقيه لديها بضعة أيام أخرى .. حتى يستقر فى مكان وسيأتى ليأخده شاكراً تفضلها بحفظه...
" كفياك رغى بقى.. يلا روح لحال سبيلك.. صدعتنى" قالت ضجرة منفعلة...
تغير كل شىء.. مبان جديدة.. وجوه جديدة.. تاهت قدماه على الطرقات التى طالما عانقتها فى ليالى القمر.. وتحت رذاذ المطر..لا يصدق عينيه لم يزل.....
لم يعد للقمر مكان فى سماء تلك الكتل الخرسانية العالية .. تغير كل شىء..هو وحده الذى لم يتغير...
تمهَّل أمام البناء الجديد الجاثم على صدر بيته القديم.. طوب وأعمده خرسانية.. حزن على أشياءه المدفونة تحته.. تذكر حبه الأول .. وقصتة الوردية مع حبيبته.. هل دفنوها أيضاً؟!
أخذ يهرول بلا هدى هارباً من ذكرياته التى باتت تكتم أنفاسه وتكاد تخنقه.. يدوس فى كل خطوة حلماً وردياً من أحلام زمانه الأول...
اختفى من سماء عمره القمر.. كما اختفى من سماء القرية.. طُمس الفناء الواسع .. الذى طالما لعب فيه الكرة مع رفقاء عمره.. ذُبحت شجرة الفل الكبيرة التى كانت تلقى بظلالها على أحلامهم الجميلة.. سُحقت أغصانها النضيرة وانمحى وسط سواد القلوب والأيام بياض زهورها البهية وتسربت عبر ثنايا العدم عبيرها مع روائح الزمن الجميل......
ضاع كل شئ.. تغير كل شئ.. هو وحده الذى لم يتغير.....
تبدلت ضحكة المعلمة نوسة.. تحول صوتها المجلجل إلى واهن ملول.. انقلبت سحنتها ..عبوسة هى مكفهرة على الدوام.. اليوم هى غريبة جداً.. كأنه لم يعرفها من قبل.. وكأنها لم تعرفه يوماً...
عشق الفلسفة منذ أن درسها فى المرحلة الثانوية.. فكأنما وجد ضالته فى تلك المادة العجيبة.. عكف على تفاصيلها وتفوق فيها...
لم يكن محمود رفيق عمره مقتنعاً بأفكاره أو مؤيداً لها فى يوم من الأيام.. لكنه كان يحترمه جداً.. ويقدر طبيعته النقية المتطلعة إلى كل ما هو راقٍ ونبيل.. وهو الذى أطلق عليه لقب سقراط الذى ذاع بعد ذلك.. لدرجة أن الجميع نسى اسمه الحقيقى ...
كان صعباً جداً علي محمود مواصلة الحياة بدونه.. لكنه واصلها على أية حال.. ومع كر السنين نسى تماماً أن هناك خلف القضبان سقراط.. كان يقاسمه الهواء الذى يتنفسه ذات يوم.....
بيد أن السجين بات يعُد اللحظات.. ويخط من دمه على جدران الزنزانة.. من أجل هذا اليوم الذى خرج فيه ولم يتذكره أحد أو يعيره اهتماماً.. من أول المعلمة نوسة التى نسيته تماماً وعاملته بجفاء وغلظة.. إلى بيته الذى تنكرت له أساساته القديمة المدكوكة تحت ذلك البناء الكالح.. والقمر الذى هجر سماء القرية التى كانت صافية مثل قلوب أهلها الذين كانوا...
" تزوجت الحبيبة" قال له محمود فى الزيارة الوحيدة التى تذكره بها ثم غاب بعدها الى الأبد.....
لم يكن ضمن أحلامه أن يجدها فى انتظاره.. أو حتى تتذكره بدعوة عابرة لحضور زفاف ابنتها الكبرى بعد يومين...
فقط قنع بالمرور بالديار.. والوقوف بالأطلال.. واسترجاع تلك الأيام الخوالى .. التى تيقن الآن فقط أنها لن تعود......
ولن يُصدم غداً عندما يفاجأ بأقاربه وقد حرروا له محضر إشغال حياة وطالبوا بإزالة أنقاضه من على وجه الأرض وإخلاء الحيز الذى يشغله هذا الهيكل فى حياتهم والمتخم بمثاليات بالية لا مكان لها بينهم ولا فى زمنهم من حال الأصل .......
ضاع كل شىء.. تغير كل شىء .. هو وحده الذى لم يتغير.. وصندوق تذكاراته الذى أنقذته المعلمة نوسة فى نوبة شهامة ندمت عليها بمرور الوقت.