الجمعة، 14 أغسطس 2009

المــــــذبحــــــة - قصة قصيرة


كل يوم فى نفس الموعد يأتى وئيد الخطى متكأً على عصاه.. يمسح تلك المساحة الشاسعة من الأرض..التى كانت بالأمس القريب جنة وارفة الظلال .. تسر النفس وتسعد الفؤاد.. وتفيض بالخير العميم...يتأمل ملياً تلك الأرض الطيبة التى ترفض أن تموت.. تتحدى كل القرارات والافتراءات.. وتتمرد على قسوة وغباء البشر .. وفى يوم وليلة نفثت غضبها واعتراضها على ذلك الجبروت الذى عوملت به.. فأنبتت جذور الأشجار المذبوحة المدفونة بجوفها من جديد...سلواه الوحيدة أن يرى تلك الأشجار النابتة تنمو يوماً بعد يوم .. يربت عليها يطمئنها أنه لن يضيعها ولن يخذلها كما لم تخذله...رسالة صريحة تلك الخضرة النابتة إليه .. هو يعرف ذلك .. يفهمها ويقدرها جيداً .. يعلم يقيناً أنهم شركاء رحلة عمر طويلة وليس من حق أحدهما أن يستسلم .. أو أن يتخلى عن الآخر مهما لاقى من عناء...كان يزداد إيماناً فى كل لحظة بأنه يجب أن يقاوم بكل ما يملك.. وأن يستمر النضال من أجل استرداد هذه الأرض الوفية التى يستمد منها صلابته وقوته فى مواجهة الظلم والطغيان...يبتسم المهندس الزراعى صاحب هذا الحلم الموؤد فى وجه أشبال الأشجار الجديدة التى وصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار .. ويشير بسبابته والوسطى إشارة النصر...يلوح له كم كان المشوار شاقاً طويلاً.. شائكاً مؤلماً .. منذ أن اتفق مع مجموعة من أصدقائه وجاءوا بأسرهم إلى هذه المنطقة القاحلة فى مكان قصى غرب الساحل الشمالى.. استصلحوها واستزرعوها وامتلكوها.. وحيزت بأسمائهم حسب القوانين المعمول بها فى هذا الشأن..." أخيراً تحقق الحلم .. وأصبحت الأرض ملكاً خالصاً لنا" قال مهنئاً رفاقه.. وتبادل الجميع التهانى وعلت الزغاريد فى سماء المنطقة التى أصبحت جنة الله فى أرضه...لاحت له صورة الأرض أيام بدأوا فى استصلاحها .. جبال رملية مخيفة يصل ارتفاع أقلها إلى عشرين متراً .. كان ضرباً من المستحيل تخيل هذه المساحة خضراء فى يوم من الأيام أو حتى مستوية ممهدة..." يا جماعة بالعزم والإصرار نقهر المستحيل.. فنحن أبناء الفراعنة بناة الحضارة وصانعو المعجزات" جعل يبثهم الأمل ويشعل حماسهم.حلم وعلمهم كيف يحلموا مثله.. وبالكفاح والمثابرة تجسد الحلم الجميل شيئاً شيئاً وأصبح حقيقة ملموسة من أروع الحقائق..." أنتم تستحقون أن تُصنع لكم تماثيل على هذا العمل العظيم" قالوا مذهولين كل أعضاء اللجان التى أتت لمعاينة الأرض الواحدة تلو الأخرى...مشوار طويل حقاً قدره أعضاء اللجان المعاينة لأنهم أكثر الناس دراية بما يمكن أن تتطلبه مثل هذه الأرض حتى تخضر وتنبت...مئات الأفدنة على امتداد الرؤية فى كل اتجاه تضحك فى وجوه الناظرين .. ترقص فرحاً بخصوبتها الوليدة على أيدى هؤلاء الأبطال عاشقى الوطن.. تكاد تنطق بالشكر والعرفان لهم على ذلك المعروف الذى ليس بمقدورها أن ترده مهما أعطتهم ومهما جنوا من ثمارها...لكن أعداء النجاح لم يقدروه.. ولم يستوعب خيالهم المريض كم يكون الجهد والمال والعرق الذى حوَّل جبال وكثبان رملية وعرة إلى جنة خضراء نضرة..." حسبنا الله ونعم الوكيل!" همس متألماً وهو ينظر نحو الأفق المترامى .. معاهداً الشمس المائلة نحوه حثيثاً أن تشرق على جنتهم التى كانت من جديد...بدا يحاول التخلص من تلك التفاصيل التى أرهقت قلبه وانهكت قواه لكنه لم يستطع.. كأنما ليظل يحياها فى كل لحظة حتى يظل باقياً على عهده الذى قطعه على نفسه حيال هذه الأرض المذبوحة...يمر بخاطره أيام ظهر مشروع الطريق الدولى الساحلى للنور منذ سنوات سبع .. والذى اخترق أرضهم واقتطع منها مساحة خمسين فداناً توارت تحت نهره.. لم يعترض أحد لأنها كانت منفعة عامة حقيقة.. وكل ما طالبوا به هو مراعاة المساحة الواقعة شمال الطريق التى سوف تُعزل بمروره عن أى مصدر للرى والصرف .. وقد حلت هذه المشكلة بعمل فتحات تحت الطريق أثناء إنشائه.. مما كلفهم الكثير من الأموال والجهد...ظل الحال على عهده زمناً والجميع يزرع ويكد ويحصد.. حتى تبدلت الحال وتحول الحلم الجميل الذى عاشوه إلى كابوس مرعب جاثم على أنفاسهم ليل نهار ويأبى إلا أن يزهقها...فوجئ الجميع بغتة بوجود معدات ثقيلة من جرافات وحفارات وغيرها فى حراسة جميع التشكيلات الأمنية التى يمكن تصورها...أزيلت فتحات الرى والصرف التى تكلفت ملايين الجنيهات.. جرفوا المزروعات وأشعلوا فيها النيران.. اقتلعوا عشرات الآلاف من الأشجار السامقة على امتداد الأرض والمحيطة بها...خلَّفوا المكان وراءهم جحيماً مستعراً.. تصاعدت ألسنة اللهب والدخان إلى عنان السماء.. معلنة عن كل الدمار والحسرة.. حاملة علامة استفهام كبيرة جداً بحجم كل هذا الجهد والمال والعرق المبذول فى سبيل تخضير هذه الأرض التى أُغتيلت خصوبتها بلا أدنى رحمة...لمعت عيناه بعبرة.. تشبث بعصاه .. جلس بتؤدة على منطقة مرتفعة قليلا .. مستندا على جذع شجرة توجت الخضرة الجديدة قمته وتعالت تعانق الهواء..." السلام عليكم" قال الرفاق شركاء الحلم الذين أتى بهم الشوق لزيارته بعد أن تركوا المكان وعادوا بأسرهم إلى المدينة الكبيرة لمباشرة حياتهم كما كانوا قبلاً..هو وحده الذى بقى إلى جوار حلمه.. ويأبى إلا أن يفى بالوعد لتلك الأرض التى عشقته كما عشقها.. وأعطته كما أعطاها وتعاهدا على التوحد إلى الأبد...تساءلوا عن مصيرهم المحير والغامض أو هو مجهول بالفعل .. رغم حصولهم على حكم ببطلان هذا القرار الغبى الذى أصدره حاكم الإقليم بوأد حلمهم.. لكنه يأبى تنفيذه رغم رفض الإشكالات الثلاثة التى قدمها..." لديه حجته فهو رجل قانون محنك ومستشار سابق ويعرف كيف يلعب بالثغرات جيدا" قال أحد الرفاق مستسلماً." مهما يكن فالحق أعلى وأقوى.. وحجته تلك داحضة.. فلديه آلاف الأفدنة على امتداد الساحل ملكاً خالصاً للدولة وليس عليها أية نزاعات .. فليأخذ منها ما شاء لبناء هذه المنطقة الصناعية المزعومة" قال المهندس الزراعى موضحاً." لكنه يريد هذه الأرض تحديداً" قال آخر." وهذا لن يحدث أبداً مادمت حياً" قال المهندس ثائراً.تذكر للحظة كلام الرجل فى آخر مقابلة بينما كان يطالبه بتنفيذ حكم القضاء العادل.. انتفخت أوداجه وتطاير الشرر من عينيه وهو يؤكد فى حزم أن هذا أبعد لهم من نجوم السماء..."تنفيذ الحكم ده على جثتى" قال الحاكم بأعلى صوت دون الرهبة من أى رادع.بعد لحظات صمت كأنها حداد على ضحايا هذه المذبحة البشعة حرك أحدهم لسانه فى فتور مشيراً عليهم بالمضى من هنا فالجو غير مستقر وقد تمطر السماء تواً..." نعم الرأى .. فلنذهب لصلاة المغرب.. فقد حانت" قال أحدهم مؤيداً.غادر الرفاق المسجد الصغير الذى بنوه منذ ان وفدوا إلى المنطقة واتجهوا جميعا إلى بيت صديقهم المهندس الزراعى المقيم الوحيد بالمكان لم يزل...أعلنت سماء "طوبة" القاتمة عن ليلة مطيرة قارسة .. مر الوقت والرفاق ملتفون حول المدفأة الفخارية.. يجترون تفاصيل ذلك اليوم الكئيب الذى ُشردوا فيه وقوضت حياتهم الآمنة المستقرة.. وتبدل أمنهم بالضياع والخوف والتهديد بالسجن...وما زاد الطين بلة هو تراكم مديونيات بنك التنمية عليهم.. فالبنك استصدر أحكاماً ضدهم بالسجن.. صحيح هم يستأنفون هذه الأحكام لكنهم لا يعلمون ما تخفيه لهم الأيام.. ضج الجميع فى لغطهم بينما شرد صاحبهم منفردا بكم لا يُحتمل من الألم...هب واقفاً تحت شجرة الكافور الكبيرة التى كان يتفيأ ظلالها حين رأى جيشاً جراراً يتقدم نحو المزرعة الشاسعة.. جرى مهرولاً نحو هذه القوة الكاسحة..." قفوا.. قفوا" صاح وهو يتقدم دون إبطاء يعترض الطريق أمام جرافة ضخمة فارداً ذراعيه عن آخرهما." ابتعد يارجل" قال قائد القوات." بل أموت تحت هذه المعدات" قال المهندس صاحب المزرعة." أنت بهذا تعوق مهمتنا.. وتعرض نفسك لمساءلة القانون" قال الضابط ضجراً." اى قانون تقصد؟ إنها أرضى .. ملكى" صاح الرجل.أشار الضابط بطرف عينه.. وفى لحظة تجمع أكثر من عشرين عسكرى حول الرجل..جرجروه بعيداً رغم تشبثه المستميت بالأرض...تقدمت المعدات أكثر.. واصلت تقدمها.. اهتزت الأرض تحت قدميه.. زاغت عينيه لبرهة.. هز رأسه كمن خرج لتوه من الماء.. أغمض عينيه وفتحهما مرات.. تيقن أنه مدرك تماماً واعٍ لكل ما يجرى لكنه ذاهلاً دهشاً.. يرفض عقله التصديق والتسليم للأمر الواقع.. فلا سبب واحد يدعو لحدوثه..." قفوا.. قفوا.. هذه أرضه.. ملكى" خرج عن صمته وعاد يصيح."ابتعد يارجل لم تعد أرضك.. فقد صدر القرار صباحاً" عاد الضابط يقول."قرار؟ أى قرار؟" قال الرجل مندهشاً." قرار نزع الملكية للمنفعة العامة" قال الضابط بنفاد صبر وأمره بالصمت حتى يباشروا عملهم."الخراب عملكم .. الدمار شغلكم؟" قال الرجل صائحاً بجنون." خذوه" قال الضابط فى حزم.سكن الرجل فى أيدهم حتى ظنوا انه فارق الحياة.. ربت أحدهم على خده مرات فتنبه قليلاً.. أطرق إلى الأرض مهزوماً مكسوراً.. يتوارى خجلاً من عجزه وقلة حيلته...تسلل إلى منزله فى أطراف المزرعة يجر أزيال الهزيمة وخيبة الأمل.. تلاشى رويداً رويداً عن العيون فلم يُرَ له بعد ذلك أثر.

الجمعة، 7 أغسطس 2009

غـــربــــاء - نــــازك الملائــــكة



أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنا

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:

مللاً...
. نحن هنا مثلُ الضياءْ

غُربَاءْ

اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيرِ

كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعوري

دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا

وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي

كنت حَيرى

أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري

إن نكن نقضي الأماسي, أنتَ أَدْرى

غرباءْ

مرّتِ الساعاتُ كالماضي يُغشّيها الذُّبولُ

كالغدِ المجهولِ لا أدري أفجرٌ أم أصيلُ

مرّتِ الساعاتُ والصمتُ كأجواءِ الشتاءِ

خلتُهُ يخنق أنفاسي ويطغى في دمائي

خلتهُ يَنبِسُ في نفسي

يقولُ أنتما تحت أعاصيرِ المساءِ

غرباءْ

أطفئ الشمعةَ فالرُّوحانِ في ليلٍ كثيفِ

يسقطُ النورُ على وجهينِ في لون الخريف

أو لا تُبْصرُ..عينانا ذبولٌ وبرودٌ

أوَلا تسمعُ.. قلبانا انطفاءٌ وخمودُ

صمتنا أصداءُ إنذارٍ مخيفِ

ساخرٌ من أننا سوفَ نعودُ

غرباءْ
نحن من جاء بنا اليومَ ومن أين بدأنا

لم يكنْ يَعرفُنا الأمسُ رفيقين..

فدَعنا نطفرُ الذكرى كأن لم تكُ يومًا من صِبانا

بعضُ حبٍّ نزقٍ طافَ بنا ثم سلانا

آهِ لو نحنُ رَجَعنا حيثُ كنا

قبلَ أن نَفنَى وما زلنا كلانا
غُرباء

غُرباءْ

الأربعاء، 5 أغسطس 2009

محضر إشغال حياة - قصة قصيرة



ترددت بين جنبات قلبه كلمات.. كان قد نسيها منذ أمد بعيد.. لحظة أن أخبره السجَّان بالعفو..
كلمات اعتصرت لها روحه يوم اقتياده إلى غياهب المجهول..
" لم أذنب" تذكر صيحاته التى كانت ترج قاعة المحكمة...
"اسكت" تذكر أيضاً الصيحات المضادة...
حكمت المحكمة بالمؤبد خمسة وعشرين عاماً...
" برىء" يصيح فى جنون...
" امنع الكلام" تتوعده الأصوات الغليظة بالويل والثبور.. وعظائم الأمور...
" مظلوم" ترتج قاعة المحكمة...
"برييييييييييييييء" يدوى الصوت فى آذان الكون...
أكل عليه الدهر وشرب.. أضناه الأنين والألم واعتصرته الحيرة والتساؤلات...
اليوم فقط سمحوا له بالكلام.. بل أكثر من ذلك بكثير.. بشئ لم يعد يحلم به.. أعطوه تأشيرة خروج إلى العالم الواسع من جديد.. اليوم؟ اليوم؟!
ما أبعد الأمس عن اليوم.. وما أبعد اليوم عن الأمس.. بُعدٌ يمتد طويلاً كأنه اللانهاية .. وما بين أوائل الشباب النضير الغض والآمال العريضات وورود الحب .. وبين الوقوف منكسراً على أعتاب الشيخوخة يحاول يائساً إحياء الروح والقلب.. مرحلة عمرية اختُزلت .. وأمنيات عزيزات بلا ذنب سُحقت......
بالأمس البعيد فارق صديقاً وحبيبة.. وأناساً كثيرين كان يعرفهم...
واليوم.. هل هم فى شوقٍ إليه كما يذوب هو شوقاً إليهم؟ هل مازالوا يذكرونه أصلاً؟!
فكر أين يذهب؟ ودون تردد قادته قدماه إلى صفوة أيام عمره ومهد صباه...
" أنا ابراهيم يا معلمة .. ألا تذكرينى؟!" قال بنصف ابتسامة أسعفته بها ذاكرته من الزمان الجميل متوهماً أنه مازال بالإمكان استرجاع بعض أوقاته الصافية...
" ابراهيم .. اسماعيل.. كله زى بعضه" ردت المعلمة نوسة بلا مبالاة وضجر...
" عندك حق.. سنين طويلة فاتت.. عمر تانى!" قال متحسراً على سنوات عمره التى أهدرت وراء القضبان ثمناً لجريمة لم يرتكبها وضاعت أدراج الرياح...
بحثت المعلمة نوسة فى ذاكرتها طويلاً دون جدوى.. فجأة هزت رأسها " ظننتهم أعدموك!" قالتها دون اكتراث...
" اليوم فقط خرجت" قال منتوياً أن يروى لها بقية القصة...
وقبل أن يكمل كلامه أشاحت بوجهها غير عابئة.. وجعلت ترتب فى أشياء عن يسارها أصابتها الفوضى...
تغيرت المعلمة نوسة.. تغضن الوجه النضير..علت قسماته تكشيرة عتيقة كأن عمرها ألف عام.. جف لطفها.. غاض كرمها.. وراح إلى غير رجعة ودها.. لم تعزم عليه بكوب شاى.. ولا بسيجارة كما كانت تفعل فى الماضى.. زمان كانت حبوبة.. بشوشة لطيفة...
" رجعت إلى هنا وجدتهم هدموا البيت.. لم يعد له أثر.. ونهبوا ما فيه" همس مهزوماً...
" لم يكن لديك شىء يطمع فيه أحد.. كراكيب وهلاهيل قديمة.. وصندوق صغير حفظته عندى.. مقفول كما هو ولا أعرف ما به" قالت ولم تزل غير مهتمة أو عابئة...
تهلل وجهه فرحاً.. وانبسطت قسماته التى دامت كئيبة منقبضة منذ أن ابتلعته ظلمات السجن.. تحسس شعره الناعم الذى وخطه المشيب وتطاير معظمه مع السنين...
" عندك بالفعل؟!" همس مبتسما غير مصدق.. ثم تاه فى الزمان البعيد...
"هيييه .. روحت فين يا أخينا؟!" أشاحت فى وجهه صائحة...
وبينما كانت تهم بإحضار الصندوق من مكمنه فى باطن الأرض بأحد أركان الكشك الخشبى العتيق استحلفها أن تبقيه لديها بضعة أيام أخرى .. حتى يستقر فى مكان وسيأتى ليأخده شاكراً تفضلها بحفظه...
" كفياك رغى بقى.. يلا روح لحال سبيلك.. صدعتنى" قالت ضجرة منفعلة...
تغير كل شىء.. مبان جديدة.. وجوه جديدة.. تاهت قدماه على الطرقات التى طالما عانقتها فى ليالى القمر.. وتحت رذاذ المطر..لا يصدق عينيه لم يزل.....
لم يعد للقمر مكان فى سماء تلك الكتل الخرسانية العالية .. تغير كل شىء..هو وحده الذى لم يتغير...
تمهَّل أمام البناء الجديد الجاثم على صدر بيته القديم.. طوب وأعمده خرسانية.. حزن على أشياءه المدفونة تحته.. تذكر حبه الأول .. وقصتة الوردية مع حبيبته.. هل دفنوها أيضاً؟!
أخذ يهرول بلا هدى هارباً من ذكرياته التى باتت تكتم أنفاسه وتكاد تخنقه.. يدوس فى كل خطوة حلماً وردياً من أحلام زمانه الأول...
اختفى من سماء عمره القمر.. كما اختفى من سماء القرية.. طُمس الفناء الواسع .. الذى طالما لعب فيه الكرة مع رفقاء عمره.. ذُبحت شجرة الفل الكبيرة التى كانت تلقى بظلالها على أحلامهم الجميلة.. سُحقت أغصانها النضيرة وانمحى وسط سواد القلوب والأيام بياض زهورها البهية وتسربت عبر ثنايا العدم عبيرها مع روائح الزمن الجميل......
ضاع كل شئ.. تغير كل شئ.. هو وحده الذى لم يتغير.....
تبدلت ضحكة المعلمة نوسة.. تحول صوتها المجلجل إلى واهن ملول.. انقلبت سحنتها ..عبوسة هى مكفهرة على الدوام.. اليوم هى غريبة جداً.. كأنه لم يعرفها من قبل.. وكأنها لم تعرفه يوماً...
عشق الفلسفة منذ أن درسها فى المرحلة الثانوية.. فكأنما وجد ضالته فى تلك المادة العجيبة.. عكف على تفاصيلها وتفوق فيها...
لم يكن محمود رفيق عمره مقتنعاً بأفكاره أو مؤيداً لها فى يوم من الأيام.. لكنه كان يحترمه جداً.. ويقدر طبيعته النقية المتطلعة إلى كل ما هو راقٍ ونبيل.. وهو الذى أطلق عليه لقب سقراط الذى ذاع بعد ذلك.. لدرجة أن الجميع نسى اسمه الحقيقى ...
كان صعباً جداً علي محمود مواصلة الحياة بدونه.. لكنه واصلها على أية حال.. ومع كر السنين نسى تماماً أن هناك خلف القضبان سقراط.. كان يقاسمه الهواء الذى يتنفسه ذات يوم.....
بيد أن السجين بات يعُد اللحظات.. ويخط من دمه على جدران الزنزانة.. من أجل هذا اليوم الذى خرج فيه ولم يتذكره أحد أو يعيره اهتماماً.. من أول المعلمة نوسة التى نسيته تماماً وعاملته بجفاء وغلظة.. إلى بيته الذى تنكرت له أساساته القديمة المدكوكة تحت ذلك البناء الكالح.. والقمر الذى هجر سماء القرية التى كانت صافية مثل قلوب أهلها الذين كانوا...
" تزوجت الحبيبة" قال له محمود فى الزيارة الوحيدة التى تذكره بها ثم غاب بعدها الى الأبد.....
لم يكن ضمن أحلامه أن يجدها فى انتظاره.. أو حتى تتذكره بدعوة عابرة لحضور زفاف ابنتها الكبرى بعد يومين...
فقط قنع بالمرور بالديار.. والوقوف بالأطلال.. واسترجاع تلك الأيام الخوالى .. التى تيقن الآن فقط أنها لن تعود......
ولن يُصدم غداً عندما يفاجأ بأقاربه وقد حرروا له محضر إشغال حياة وطالبوا بإزالة أنقاضه من على وجه الأرض وإخلاء الحيز الذى يشغله هذا الهيكل فى حياتهم والمتخم بمثاليات بالية لا مكان لها بينهم ولا فى زمنهم من حال الأصل .......
ضاع كل شىء.. تغير كل شىء .. هو وحده الذى لم يتغير.. وصندوق تذكاراته الذى أنقذته المعلمة نوسة فى نوبة شهامة ندمت عليها بمرور الوقت.