الأحد، 29 مارس 2009

رباعيات


دخل الربيع يضحك
لقانى حزين
نده على اسمى
لم قولت مين
حط الربيع أزهاره
جنبى وراح
وايش تعمل الأزهار
للميتين

عجبى!!!

السبت، 28 مارس 2009

الدنيا ربيع .. والجو فظيع


رحم الله السندريلا وسامحها.. فربما لم تكن تقصد خداعنا بالترويج لفصل الربيع.. مستغلة في ذلك تفتح الزهور وتطاير أريجها هنا وهناك لإحكام الأكذوبة‏.. والتي كان جاهين يقينا يعلم حقيقتها عندما سربها إليها.. فسارعت بتهور لنشرها...‏
‏صحيح يعطي الربيع للدنيا لونا رائعا.. قد يندر بالفعل في بقية الفصول‏.. وتأتي أيام علي الدنيا حقيقة وكأنها نقعت في العبير ليل نهار‏.. وخصوصا مع اقتراب شم النسيم.. ذلك العيد الفرعوني الصميم‏..‏ والذي يحتفل به المصريون علي امتداد المحروسة دون أن يعرف أكثرهم علي وجه الدقة حقيقة هذا العيد الذي تبلغ فيه الزهور ذورة حسنها وأريجها.. والذي تعكر صفوه زفارة البيض وعفونة الفسيخ والرنجة والملوحة‏..‏ وذلك البشع المصاحب لهم‏..‏ إنه البصل الشنيع‏..‏ فتمسي الدنيا وقد نقعت في المجاري ولا يفلح للربيع ولا لغيره أية محاولة لاستعادة ما قد فقد من الحسن والعبير‏..‏ ويبقي الأمل ممتدا للربيع المقبل وياهنا مين يعيش‏!!
‏هليت يا ربيع هل هلالك‏..‏ وأدي الربيع عاد من تاني‏..‏ الدنيا ربيع والجو بديع وغيرها من الأغنيات الجميلة التي كانت تداعب أذني منذ الطفولة.. وكنت أرددها علي الدوام‏..‏ حتي بعد ما أدركت الحياة ووعيت مفرداتها.. واكتشفت أنني كائن شتوي يعشق فصل الشتاء.. ومن قبله الخريف أرق فصول العام.. وأكثرها رومانسية علي الإطلاق‏..‏ حتي بعد ذلك ظللت أردد تلك الأغنيات الربيعية العذبة مع كل الربيعين ..عاشقي الورد والخضرة والعبير‏..‏ الواهمين للأبد في عودة المحبوب الهاجر.. أو علي الأقل يحن عليهم ويبعت في الربيع طيفه.. بغض الطرف عن الجو الذي هو ليس علي مستوي ذلك الجمال بالقطع‏!
‏ومع بداية فصل الربيع‏..‏ والذي يحل ضيفا علينا هذه الأيام‏..‏ حيث لا مفر من حلوله بالتناوب مرة في كل عام مادامت الحياة.. ومادامت الشمس تدور حول نفسها.. ومادامت في سني العمر بقية‏..‏ بدأت تطفو علي سطح حياتنا اليومية المنغصات علي جميع الأصعدة‏..‏ كل هذا بسبب جو الربيع الفظيع غير البديع بالمرة‏..‏ حيث تمر مصرنا الحبيبة من الآن فصاعدا بتغيرات مناخية.. وتقلبات جوية عنيفة.. مرجعها إلي المرتفعات والمنخفضات الجوية.. القادمة إلي سمائنا من الصحراء الكبري‏..‏ وبالطبع لا يقتصر الأمر علي الارتفاع المفاجيء في درجة الحرارة.. أو الانخفاض بنفس الطريقة‏..‏ فذلك مقدور عليه وياما دقت علي الراس طبول‏..‏ فالمصري كريم العنصرين يفوت في الحديد‏..‏ وإنما آفه الربيع الحقيقية والمعضلة التي أعجزت هذا الكريم تكمن في تلك العواصف الرملية الشديدة المحملة بغضب الصحراء.. والمسماة برياح الخماسين التي نعرفها جميعا‏..‏ والتي تجعل من الربيع وأيامه عذاب وغلب وآلام‏.
‏تلك التقلبات الجوية المفاجئة وكما يؤكد الأطباء هي البيئة الخصبة لتفشي الأوئبة.. وظهور أمراض موسمية كالحساسية بأنواعها وأمراض العيون والصدر إلي آخر هذه القائمة الطويلة‏..‏ هذا غير الأمراض التي تتدهور حالة أصحابها بتشريف جنابه كالجيوب الأنفية وحساسية الأنف‏..‏ قلبي معهم بجد فمنهم من تلغي لديه تلك المنطقة تماما ويلجأ إلي استبدالها بأخري تايواني.. ليست كالأصلية بالطبع فتخرج الحروف من غير مخارجها مسببة حرجا جما.. وربما مشاكل أيضا‏..‏ وقد تتعطل لغة الكلام لديهم كلية ويلجأ بعضهم إلي لغة الإشارة‏.. كما كانت صديقتي مدرسة اللغة الإنجليزية الجميلة‏..‏ والتي سافرت لبلاد الفرنجة عروسا قبل أشهر لتعمر بيتا جديدا‏..‏ كنت أتندر عليها وكانت ترد بصوت ضائع ‏كله As Possible as get‏ علها الآن أفضل حالا بعيدا عما كانت تعده أسوأ المنغصات‏!
‏لم يقتصر تنغيص جو الربيع الفظيع علي البشر وحدهم‏.. ولكنه امتد ليشمل الحيوان أيضا‏.. حيث تكثر في بيئته الأمراض الطفيلية.. والتي لها إمكانية الانتقال من الحيوان للإنسان سواء من الحيوان نفسه.. أم عن طريق الألبان ومنتجاتها‏..‏ كما لم يسلم النبات هو الآخر من تنغيص سيادته‏..‏ حيث يؤثر علي عمليتي النمو الخضري والتمثيل الضوئي حال تراكم الأتربة والرمال علي المجموع الخضري للنبات‏..‏ فضلا عن اقتلاع النباتات بالجملة وسقوط النوار الذي يخرج منه الثمر وقت العواصف وهي شبه دائمة‏.. علاوة علي كل ذلك فإن هذا الجو غير المستقر يجعل مهمة الأرصاد الفلكية من الصعوبة.. بمكان نظرا لعدم شفافية الحكومة‏-‏ عفوا الجو- وتقلبه السريع.. وربما السريع جدا‏‏ لعدة مرات حتي خلال اليوم الواحد في هذه الفترة الانتقالية ما بين الشتاء والصيف‏..‏ والمسماة جغرافيا بفصل الربيع‏.
النظافة الشخصية وتجنب التعرض للأبخرة والدخان.. وعدم الخروج فجأة من جو حار إلي بارد وارتداء الملابس المناسبة.. واستعمال النظارات الشمسية.. والإكثار من تناول الخضراوات الطازجة والفواكه.. هي أهم النصائح التي يمكن اتباعها للحد من أضرار ومخاطر هذا الضيف الرذل‏..‏ وقبل كل ذلك نرفع أكف الضراعة إلي الله أن ينجينا من الربيع وبلاويه واللي بيجري فيه‏!!‏

الأحد، 15 مارس 2009

كل ثانية وكل أم فى الدنيا طيبة


تهرب منى كل الكلمات فما من كلمة بمقدورها التعبير عنها
تتضاءل كل المعانى فما من معنٍ يحويها
تتلاشى كل الصفات فما من صفة تشرحها
تتوارى كل الرموز فما من رمزٍ يعنيها
فهى تعبر عن كل الكلمات
تحوى كل المعانى
تعنى كل الرموز
جنة الدنيا والآخرة
كل ثانية وكل أم فى الدنيا طيبة وبألف خير وصحة
وكل ابن وابنة بألف بر لوالديه
أحلى وردة فى الكون أهديها لأمى الحبيبة
وأنت ياصديقى ماذا ستهدى؟!
وأنتى ياصديقتى ماذا ستهدى؟!
بعيد أنت .. بعيدة أنتى؟!!
فى الغربة؟!
لا بأس...
محلولة يا أعزائى...
تليفون بسيط...
دقائق قليلة...
كل سنة وأنت طيبة يا ماما...
قبلة عبر الأثير على يدها وجبينها...
دعواتك يا أمى...
لا إله إلا الله...
سلام.. سلام...
من فضلك...
من فضلك...
ليكن أول شىء نفعله يوم 21 مارس
محبتى لكم جميعاً...
ولأمى ...
ولكل أم فى الوجود...

ست الحبايب


ست الحبايب ياحبيبه
يا اغلى من روحي ودمي
ياحنينة وكلك طيبة
يارب يخليكي يا أمي
زمان سهرتي وتعبتي
وشيلتي من عمري ليالي
ولسه برضه دلوقتي
بتحملي الهم بدالي
انام وتسهري
وتباتي تفكري
وتصحي من الآدان
وتيجي تشقري
تعيشي لي ياحبيبتي يا أمي
ويدوم لي رضاكي
أنا روحي من روحك انت
وعايشه من سر دعاكي
بتحسي بفرحتي
قبل الهنا بسنة
وتحسي بشكوتي
من قبل ماأحس أنا
يارب يخليكي ياأمي
يارب يخليكي ياأمي
لو عشت طول عمري أوفي
جمايلك الغاليه علية
أجيب منين عمر يكفي
وألاقي فين أغلى هدية
نور عيني ومهجتي
وحياتي ودنيتي
لو ترضي تقبليهم
دول هما هديتي

رباعيات


حاسب من الاحزان
و حاســـــــب لها

حاسب علي رقابيك
من حبلـــــــــــها

راح تنتهي
و لابد راح
تنتهــــــــــي

مش انتهت أحزان
من قبلهــــــــــا؟

عجبي !!!

السبت، 14 مارس 2009

الحلم


الحلم هروب مشروع

إلى عالم الخيال اللانهائى

لخلق دنيا من السعادة

التى نفتقدها على ارض الواقع بكل ما فيه من قسوة...

وما أروع وأرق حلم اليقظة

فكأن المرء ملك كل ما تمنى فى لحظات

وإن كان هذا مجرد وهم

إلا أنه وهمٌ لذيذ...



رباعيات


يأسك و صبر ك
بين إيديك
و انت حر

تيأس ما تيأس
الحياه
راح تــــــــمر

أنا دقت مندا ومندا
عجبي
لقيــــــت الصبر مر
و برضك
اليـأس مـــــــر

عجبى!!!

الأمل


الأمل شىء ضرورى لإستمرارية الحياة...

فما دام أمل دامت الحياة...

وإذا ما انقطع الأمل استحالت الحياة...

وما أجمل أن يحيا الإنسان
على أمل أن يحقق هدف بعينه...

وما أجمل أن يكون الهدف معنوياً بحتاً...

فذلك قمة الرقى والسمو...

الجمعة، 13 مارس 2009

رباعيات



دخل الشتا وقفل البيبان
ع البـــيوت

وجعل شعاع الشمس
خيط عنكبوت

وحاجات كتير بتموت
في ليل الشــتا

لكن حاجات أكتر
بترفض تمــــــوت

عجبي !!!

رؤيا - قصة قصيرة


نعق غراب البين فهوت العاصمة الجميلة وأجوارها صرعى بين أيدى الخراب.. تكدس الجميع فى مخبأ فى جوف الأرض تحت المشفى .. أزيز الطائرات يختلط بدوى القنابل وانفجارات مرعبة بالخارج.. السماء تمطر وهجاً وناراً مستعرة...
" نبوخذ نصر العظيم أين انت؟ بابلك الجميلة تُدك بأقدام الأغبياء.. عجيبة الدنيا الخالدة تُطمس.. حدائقك الوارفة تذبل.. تشحب.. تجف.. تُسحق" تدوى صرخات المدن العزيزة فى آذان الكون...
" حمورابى الحكيم .. قوانينك العادلة تُمحى من الوجود.. تعاليمك الرائعة تدهس بنفس الأقدام الغبية.. آه لو سابق العهد يعود!" تموج المدن غضبى ثائرة...
دكت الحصون والقلاع .. حصدت أرواح الأبرياء ..نساء.. شيوخ ..أطفال.. لايهم.. لا فرق.. لا رحمة .. لا ضمير...
مجرد غارة اعتادها أهل البلاد من العدو.. تتكرر مراراً ودائماً.. ويمضى الحال من سىء إلى أسوأ.. اختلطت الدموع بالدماء.. والأنقاض بالأشلاء...
" إلامَ هذا الدمار؟!" صرخت القلوب المكلومة.. ولا مجيب لشعب يُباد وبلد يُحرق.. ولا حتى مجرد سامع...
تأوهت الأم الشابة.. التى لم تكد تضع مولودها الثانى حتى تقافزوا بها وبالوليد إلى هذا المخبأ تحت مبنى المستشفى.. زفرت متحسرة لهيباً أشد من ذلك المستعر بالخارج.. عاودها الاحساس بالألم الداخلى فجأة بعدما همد كل شىء.. وخرست تلك الأصوات الملعونة.. وخرست معها أصوات عزيزة وغالية إلى الأبد...
أشار إليها الطبيب الذى أجرى لها عميلة الولادة القيصرية أن تهدأ.. مؤكداً أن العملية تمت بنجاح ولا داعى للقلق مطلقاً.. وعليها أن تحمد الله كثيراً .. فقد كتب لها عمراً جديداً.. دقائق فقط كانت الفيصل بين الموت والحياة لو تأخروا.. بينما تبدو غير متذكرة تماماً من هول ماحدث ..أنها كانت فى غرفة العمليات منذ وقت قصير...
لا تدرى "رؤيا" لمَ مر هذا المشهد أمام عينيها الآن.. تلك الأحداث المريرة .. التى جعلتها تستجيب لرغبة زوجها المصرى الملحة بأن تأتى بالطفلين إلى مصر.. بعدما استحالت عودته إليهم من زيارة والديه القصيرة بسبب تلك الظروف القاسية...
" الأب هو بر الأمان لأولاده.. فيمَ بقائى هنا؟ فأولادى أهم عندى من أى شىء" حزمت أمرها فى لحظة...
ربما جبُنت أمام القصف والدماء.. بل فكرت كأى أم فى الوجود.. فالقطة تنقل صغارها سبع مرات.. لمَ لا تنقلهم هى مرة واحدة فيها كل الأمان والاطمئنان.. ربما الهروب من الحصار والدمار الجاثم على أنفاسهم منذ سنوات طوال...
" لا.. لا.. لم أجبن.. لم أهرب.. لم أنس بلدى وأهلى وأجمل ذكريات عمرى" همست باكية وهى منكفئة على ماكينة الخياطة التى يكاد العمل عليها ليل نهار يقصم ظهرها...
لم تكن المرة الأولى التى تشعر فيها بهذا الألم.. أسندت ظهرها براحة يدها اليسرى.. وهى تضغط بأسناها على شفتها السفلى.. أدارت عجلة الماكينة بيدها اليمنى.. وأخذت رجلاها تبدل على الدواسة فى تثاقل وبطء...
لم تعد تحتمل.. زفرت متأوهة.. ثم نهضت متحاملة على نفسها.. إلى أن وصلت فراشها الخشن.. ارتمت عليه تقضم الوسادة من شدة الألم...
"لابد من إجراء العملية" قال لها الطبيب فى المركز الطبى المجانى بالبلدة المجاورة...
لكنها أهملت لضيق ذات اليد.. وظلت تتحايل على آلامها ببعض المسكنات قليلة التكلفة...
اليوم لا طاقة لها بالألم .. فهى التى طالما هزمت المرض.. خبت مقاومتها أمام جبرونه الرهيب.. خضعت مستسلمة فى انكسار...
" أم أحمد.. أم أحمد!" نادت إحدى الجارات...
" تفضلى يا ست أم حسن" ردت رؤيا بصوت منهك مبحوح كأنه حشرجة...
" سلامتك يا أم أحمد.. سلامتك يا غالية!!" جرت المرأة إليها مذعورة...
- أنا كويسة.. ما تتخضيش كده
- لا.. لازم أوديك لدكتور
- مفيش لزوم أبداً.. انا كويسة خالص
وابتلعت ريقها بصعوبة .. وهى تشكر الجارة العطوفة .. فالأهل لا يفعلون ما يفعله الجيران لها فى مصر ...
" كان عنده حق المرحوم يصر على مجيئنا لمصر.. انتم فعلاً أهل كرم ومروءة وأصل" همست وهى تحاول إخفاء دموعها دون جدوى...
" ما تقوليش كده .. دانت اختنا وزى المرحوم تمام" ربتت الجارة على ظهرها فى حنو وعطف...
انحدرت العبرات من عينيها ساخنة.. تساقطت على وجهها الشاحب.. العاتبة ملامحة العربية الأصيلة على هذا الزمان...
" أولادى.. حنان وأحمد.. خلى بالك منهم ياست أم حسن.. دول بيحبوك زى تمام وأكتر" قالت بصوت واهٍ ونشجت حتى تقطعت أنفاسها.. والمرأة تحتضنها لم تزل وتربت على ظهرها...
" خبر إيه يا رؤيا؟ مالك النهارده؟ انت زى الفل يا حبيبتى.. وإن شاء الله محدش هياخد باله منهم ويفرح بيهم غيرك" قالت المرأة منقبضة شاردة...
وبين الوعى واللاوعى بدت رؤيا .. مر أمام عينيها شريط حياتها بطيئاً.. جاءت مصر.. تركت وراءها كل شىء.. وظيفتها المرموقة بواحدة من أكبر شركات النفط.. ثروتها الضخمة التى ورثتها عن أبيها وجدها...
تركت كل شىء من أجل أولادها .. وجاءت لتعيش فى قرية ريفية صغيرة.. مع زوج لم تدم حياته معها إلا أشهر قليلة.. رحل وتركها تواجه الحياة بطفليها فرادى.. لا سند ولا حماية.. فى بيت صغير خالى من الدفء والنبض.. تحتضن الطفلين وتجتر ذاكرتها فى ليالى الشتاء الطويلة ذلك المخبأ فى جوف الأرض تحت مبنى المستشفى...
ألبوم ملىء بالصور هو ملاذها دائماً .. تغوص فيه فيقتلها التحسر على أيام خلت.. ذلك الألبوم الذى لم يفكر أحد أن يأخذه منها فى رحلتها المضنية إلى مصر.. لأنه معدوم القيمة والنفع كما قالوا...
فقدت كل أوراقها كما فقدت كل أشياءها فى رحلة المجىء الدامية.. التى كتب عليها وطفليها خوضها.. بكل ما فيها من شقاء ومرارة...
رحلة أليمة لاتحب أن تتذكرها.. لا تدرى لمَ تمر بخاطرها الآن؟ تتهادى بكل تفاصيلها.. منذ اللحظة الأولى التى ودعت فيها الأهل والأحبة.. وتوجهت إلى حدود البلاد.. آملة فى العبور إلى بر الأمان...
ويتوقف شريط الذكريات.. تتمنى لو أن هذا الذى مر أمام عينيها مجرد حلم.. أو حتى كابوس أفاقت منه لتوها.. وأن نهايته هى ذلك السكون الذى جثم عليها فجأة...
يستأنف الشريط كره.. رعشة عارضة تهزها.. يتوقف الشريط طويلاً على الحدود .. ألواناً من الذل والعذاب لاقتها هناك.. كأنه الحقد لخروج إنسان محاصر إلى مكان أكثر تحرراً.. ربما لهم العذر.. لكن ما ذنبها وأطفالها؟!!
أخذوا كل نقودها وحليها.. وشنط الملابس..حتى علب اللبن الخاصة بالرضيع سكبوها على الأرض.. وهى لا تملك إلا أن تحتضن الطفلين وتبكى .. وتضرع إلى الله أن يرحمهم مما هم فيه...
" أنا إنسان مثلكم .. ارحمونى يرحمكم الله!!" صرخت فيهم بهستيريا...
ولأول مرة فى حياتها تعلم أن الإنسان بهذا الهوان.. وأن الدنيا بهذا القبح.. وأن الآدمية والمشاعر والعزة والكرامة .. ما هى إلا مجرد كلمات وهمية لا وجود لها.. ولا احترام لحاملها بأى شكل من الآشكال...
غادرت رؤيا منطقة الرطبة على حدود بلادها محطمة تماماً.. لاشىء فى يدها سوى الطفلين وخيبة أمل كبيرة فى الدنيا والبشر...
انحسر اللاوعى شيئاً شيئاً.. بدأت تتركز فى بؤرة شعورها حقيقة ما.. وجعلت تتمتم بلهجة مصرية صميمة.. أتقنتها على مدى تسع سنوات عاشتها كمصرية أصيلة ولدت على أرض تلك البلاد...
رفعت رأسها فى تثاقل شديد.. كأنها تحمل أطناناً من الرمل فوق عنقها لا رأساً لها هذه الملامح الهادئة المريحة.. يزينه هذا الشعر الأسود المسبل إلى خاصرتها...
ساعدتها الجارة حتى تعتدل فى فراشها.. داعية لها بالشفاء.. وجعلت تقرأ الفاتحة والمعوذتين...
" بلغوا سلامى وحبى لأهلى وبلدى .. للفرات ودجلة.. لكل ذرة تراب على أرض وطنى .. لكل نبت أخضر يبحث عن مكان للحياة فى أمان وسلام!" تثاءبت ثم همست فى هدوء...
" حنان.. أحمد.. نور عينى .. خلى بالك منهم يا ست أم ح.. س..ن" أردفت بصوت خافت متقطع...

الأربعاء، 11 مارس 2009

رباعيات


أعرف عيون

هي الجمال
والحسن

و اعرف عيون

تاخد القلوب
بالحضن

وعيون مخيفة

وقاسية
وعيون كتير

وباحس فيهم
كلهم بالحزن

عجبي !!!

رباعيات


الفيلسوف قاعد يفكر سيبوه

لا تعملوه سلطان ولا تصلبوه

ما تعرفوش إن الفلاسفه يا هوه

اللي يقولوه بيرجعوا يكدبوه

عجبي !!!

الثلاثاء، 10 مارس 2009

يوم عادى جداً - قصة قصيرة



حالة من الطوارىء تعم المدينة الصغيرة.. تألق على غير العادة .. لغط لا تكاد تتبينه الآذان.. وما يلبث أن يتحول إلى ضجيج وصخب.. فجأة يهدأ الجميع فلا يُسمع إلا همساً...
باقات لا تحصى من الورود والزهور.. عشرات الآلاف من الجنيهات فى صورة زخارف وزينات.. آلاف آخرى كثيرة من الأطفال فى مراحل التعليم المختلفة.. ومثلهم أو يزيد من المدرسين والموظفين.. مصطفون من الفجرية على جانبى الطريق.. حاملين بادجات خاصة بالجهات التى ينتمون إليها...
كل ذلك جعل خطى " علا" طالبة الفنون الجميلة تتثاقل كثيراً.. لم تعد قضيتها الأولى الآن هى الوصول إلى كليتها.. كما هى قضيتها الأساسية منذ أكثر من عامين.. حال خروجها من البيت فى هذا الوقت...
جالت عيناها مرتابة بين جموع المحتشدين على جانبى الطريق.. وهى تحاول استقراء السبب دون جدوى...
" ترى ماذا يجرى الآن أيها الطيبون المصلوبون على الأرصفة" همست فى نفسها مندهشة..
وتهيأ لها الناس وكأنهم دمى مزركشة.. أو ربما أعمدة مبهرجة.. أو أشرطة ملونة تزين جانبى الطريق...
دارت يمينا ويساراً.. وعيناها مازالت تجوس خلال الجموع الغفيرة بنفس الدهشة.. ونفس اللاجدوى...
دفعها الفضول إلى استرجاع كل المناسبات التى يحويها ذهنها.. وتكتظ بها ذاكرتها .. فلم تتصادف مع هذا اليوم إحداها على الاطلاق...
يوم عادى جداً .. مثل الغالبية العظمى من الأيام.. لاتميزه أية مناسبة.. ولا يزيد عن كونه يوما مرهقاً.. يضيف إلينا المزيد من العناء.. ويطيح بلبنة جديدة من صرح العمر...
" ما مناسبة هذا الكرنفال إذن؟!" تعود وتهمس فى نفسها من جديد...
ليس تشييع جنازة بالطبع.. فالجميع فرح مرح..راسماً ابتسامة عريضة جداً على الشفاه..وهذه الألوان الزاهية المتباينة...
ربما هو أحد السباقات الرياضية.. ماراثون مثلاً؟! وهؤلاء المصطفون هم المتسابقون.. فقط ينتظرون صيحة البداية.. قد يكون بالفعل...
" لا.. لا.. فمركز الشباب بالمدينة ليس بهذا التطور .. حتى يتسع أفق القائمين عليه لمثل هذه السباقات" قالت فى نفسها وهى تتذكر يوم ان ذهبت إلى هناك يحدوها الأمل.. مفعمة بالحماس.. لعرض فكرة تكوين فريق فتيات لكرة اليد...
" فريق بنات إيه.. وكرة يد إيه يا آنسة.. هو فيه أصلاً فريق للولاد.. ولا فيه مكان أو ميزانية للكلام الفارغ ده .. انت فاكرانا فى نادى الزمالك ولا نادى الجزيرة؟" مازالت كلمات مدير المركز الجهول تدوى فى أذنها...
" إنسان بهذا الجمود لا يتسع أفقه لأكثر من دفتر الحضور والانصراف.. صح النوم يا آنسة علا!" حدثت نفسها فى صمت...
" هو فيه إيه النهارده؟!" قررت أخيراً الخروج عن صمتها متسائلة.. وفى استنكار كبير التفت إليها أكثر من عشرين شخصاً متطوعين بالإجابة.. وكأنها أجرمت حين ألقت بسؤالها هذا خارج حنجرتها.. أو أنها قد كشفت به عن جهلها العميق..فكان ولابد أن تكون على دراية بمناسبة اليوم.. بل وتكون ضمن المصطفين على جانبى الطريق.. ولكنهم على اية حال أخبروها أن مسئولاً كبيراً سيزور المدينة اليوم...
" مستحيل!! مستحيل!!" قالتها فى شبه صياح .. لقد ظنت أن الناس تجاوزت هذه الخزعبلات منذ زمن...
" أهٍ يابلادى .. ضيعك أهلك بجهلهم.. أى بروتوكول هذا الذى ابتكره هؤلاء.. أى رقيب سمح لهم بإهدار كل هذه الأموال..أى عاقل يرضى بهذا السفه؟!" أردفت بنبرة أشبه باليأس من انصلاح أحوال بلد هؤلاء أفراد شعبه...
" لقد أخطأتم فهم الآية ياقوم.. فليس هذا اليوم المجموع له الناس" تمتمت وهى تهم بالانصراف إلى حال سبيلها...
دارت عيناها فى كل اتجاه.. تبحث عن وسيلة مواصلات واحدة.. تنقلها إلى كليتها فلم تجد.. وبعد السبع دوخات أخبرتها مجموعة أخرى من المتطوعين.. وما أكثرهم فى هذا اليوم.. بأنه لا أمل فى العثور على ضالتها إذا ما بقيت بمكانها ولو ألف عام...
لمَ يا قوم؟ السبب بسيط .. لقد تم إخلاء الموقف بوسط المدينة..إلى أين؟ لا أحد يدرى.. ربما إلى أحد أطراف المدينة.. أو إلى لا مكان.. فلا أحد يهتم...
" ما هذا العذاب يارب.. الزيارة دقائق معدودة.. والخسائر كبيرة.. وأيضاً تعطيل مصالح الناس..والمصيبة الحقيقية انه قد لا يأتى المسئول اليوم.. ويتكرر هذا الغباء مرات ومرات!" تمتمت وهى تحاول الاهتداء إلى وسيلة مواصلات.. ترحمها من هذا العبث.. الذى يتجسد أمام عينيها الآن.. ومن سخافة القائمين عليه...
تاهت بين نفر من البشر.. شغلتهم مصالحهم وهموم المعيشة.. عن الترحيب أو الفرجة.. فتكدسوا فى مدخل المدينة بحثاً عن أية وسيلة والسلام.. حتى ولو كانت عربة نقل الموتى...
ألهبت شمس أواخر نيسان جسدها النحيل بسياطها الحامية.. فاشتعلت وحنتاها .. وتفصد العرق من جبينها... زفرت غيظها ساخطة على هذه المسرحية الهزلية...
" قم يا والدى.. فليس ثمة أمل فى الذهاب إلى أشغالنا اليوم..الله يجازى الأغبياء!" قالت وهى تلتفت عن يسارها لتمسك بيد العجوز الذى أجلسته منذ ساعة أو اثنتين على صخرة مجاورة.. بعد أن خارت قواه وعجز عن تحمل الوقوف...
" يفعل الله ما يريد" همهم العجوز وهو يحاول الامساك بعصاه فى وهن وعناء.. تغيب أنفاسه وتجىء مع كل كلمة.. موكداً أنه لم يعد فى العمر أكثر مما مضى .. حينما تذكر أنهم فى التأمين الصحى لن يصرفوا له العلاج إذا تخلف اليوم.. الدواء يسكن آلامه.. ولكن ما عساه ان يفعل.. كله بأمره...
مضت عائدة.. تاركة وراءها كماً من الغليان فى صدور الناس.. على أعتاب المدينة.. يكفى للزج بهم إلى حيز الجنون.. عالقة ببصرها صورة ذلك المسن.. الذى يحكى وهنه قصة كفاح دامت عشرات السنين.. وينمّ عن ما يرعى بجسده من أمراض...
يطن بأذنها على امتداد الطريق.. صوت ذلك الرجل الذى يحمل حقيبة معينة.. ويرتدى زياً رسمياً متكاملاً رغم الجو الخانق هذا الصباح منذ ساعاته الأولى.. وهو يصيح فى كل اتجاه.. لدى محكمة يا ناس.. الجلسة بدأت يا عالم .. سيارتى .. الحادثة .. الميكانيكى .. يا خلق هوووووه....

لقاء


والتقينا
بين كم من الحوارات الرتيبة
لم أشعر بالملل لأنى
ابتكرت مع تفسى حواراً
عنك
وبينما أنت مختبىء تحت تراكم الهدوء
تسللتك
تجولت بداخلك
عثرت على احلامى الضائعة
تنعم بالراحة بين جوانحك
تمنيت لو أن لى سُكنى
بهذه الذات الشفافة
بينما أفتش بداخلك
أزحت تراكم الهدوء برفق
لتعيدنى إلى ذاتى
محملة بالوعود
بالآمال
بأرق الهمسات
وكم من المشاعر الوليدة
باحساس للحياة جديد
أقيس عمرى بلحظات
ولقاء وحيد

رباعيات


ياما صادفت صحاب
وما صاحبتهمش

وكاسات خمور
و شراب
وما شربتهمش

أندم علي الفرص
اللي انا سبتهم
و الا علي الفرص
اللي ما سبتهمش

عجبي !!!

لا جديد تحت الشمس - قصة قصيرة


هنا على أطراف الحدود الشمالية يتجسد السحر.. يطوى البحر سره بين أحشائه.. يتيه فى غموض رهيب.. تموج على شاطئه الأيام.. تمتد يده الحانية من تحت جسر عتيق .. لتربت على صفحة البحيرة الناعسة فى كنفه.. مانحاً إياها العطف والأمان.. يعانق النهر الجميل تحت ظلال وارفة من الروعة.. تحف بالمكان خضرة نادرة الحسن والرونق...
هنا تماماً على مقربة من من الشاطىء.. تربض فى سلام مجموعة من البنايات والأكواخ البسيطة.. والناس البسطاء الطيبين..تعلو أغاريد الرضا آفاقهم ليل نهار...
عشقوا البحر قدر ما رهبوه وارتاعوا منه.. قدر ما أوجعهم فراق الأحبة وحبات القلوب.. الذين ضاعوا تحت عبابه.. عاشوا على ما يجود به الرب حامدين شاكرين...
ليس أهم من البحر فى حياتهم.. وليس الشاطىء الطويل الممتد كيلوات طويله.. إلا طريقاً مؤدياً إلى البحر وحسب.. لايختلف كثيراً عن سائر الطرق الرملية .. التى يعبرونها فى الذهاب والإياب.. هكذا توارثوا عن آبائهم وأجدادهم...
ومع الفجر جهز الصيادون الشبان شباكهم وأدواتهم.. تجمعوا على ظهر مركبهم " مرزوقة"..
انطلقت فكاتهم وضحكاتهم.. الرائقة كقطرات الندى تجوب الآفاق...
دار الغمز واللمز بين الشبان الستة عشر المتجمعون على ظهر المركب.. ينظرون إلى بعضهم البعض.. بعد أن يختلسوا النظر على الريس "شعبان".. ريس مركبهم التى تستعد الآن لرحلة صيد بعيدة.. تستمر أياماً وليالى طويلة...
" مال الريس بلاميطة شوكته مكسورة كده ياولاد" همس أحدهم...
" إياك يسمعك.. وهو يخلى نهارك زفر.. شعبان ياولد.. شعبان" رد آخر...
ودارت الهمسات بين الشبان منصبة على حال الريس شعبان.. والست بياضة حرمه التى تعشق النكد مثل عينيها.. ولكنهم عادوا وجزموا أنه يستحق ما يحدث له.. لأنه لم يسمع نصيحة والدته.. ولا نصائح كل الناس فى القرية.. وفضل أن يجرب بنفسه لسانها السليط وطباعها التى لا تطاق...
تذكر منصور والده الذى أخذته النوة منذ سنوات طويلة.. لا يذكرعددها ولايذكر ملامحه جيداً.. كان فى مثل عمر الريس شعبان تماماً...
فجأة جاء صوت الريس شعبان من أقصى المركب صائحاً بلا حماس.. ليتنبه الشبان أن الرحلة قد بدأت فى التو...
ودع الشبان الديار بأبصارهم وقلوبهم.. تدور بأذهانهم ذكريات جميلة وغالية..تلوح لمخيلاتهم بيوت صغيرة.. شيدوها على الرمال فى الزمان الأول..وأحلام بعدد نجوم السماء...
شيئاً شيئاً ابتعدت المركب عن الشاطىء.. وشيئاً شيئاً يتلاشى الكوخ القديم المنعزل عن القرية .. تتلاشى معه معالم القرية.. وهيكل "صدفة" الواقفة إلى جوار الكوخ ترقب المركب حتى توارت تماماً.. ووجدت عيناها صعوبة بالغة فى تتبعها...
تاهت المركب فى عرض البحر.. ولم يزل منصور يلّوِّح بقلبه ومقلتيه من على حافة المركب فى صمت دون أن يشعر به أحد.. لولا شروده الذى ينم عما يكابده من لوعة الفراق.. وقد توارت بقايا الفنار الأثرى الرابض على حافة الشاطىء هى الأخرى تماماً...
ظلت صدفة ملتصقة بالكوخ القديم كأنها بعض جداره..تطوف برأسها خيالات وردية عن منصور ..والفرح الذى سيقام بعودته..الزفة والفستان الأبيض .. الشربات والزغاريد..الورود والعطور والناس.. الدنيا الجديدة المرهونة بهذه الرحلة...
فجأة فزعت الملامح الحسناء الحالمة.. شىء ما يُصدر صوتاً مريباً داخل الكوخ.. كأنه فحيح أفعى...
" بل حرَّك الهواء شيئاً بالداخل.. فالجو اليوم متقلب" قالت فى نفسها.. وسرعان ما عادت لأحلامها الناعمة لصق هذا الكوخ القديم.. الشاخص منذ آماد بعيدة .. جعلته بطلاً أسطورياً أوحد.. لكل حكايات الصيادين بالمنطقة...
قالوا كوخ أول صياد عاش بالمنطقة.. وقالوا كوخ مسحور ليس من صنع البشر..مسكون هو بالعفاريت.. بل كوخ عروس البحر.. وأقسم بعضهم أنهم رأوها تتسلل إليه مع الغسق .. وتغادره مع أول خيوط الفجر...
يضحك المحبون من هذه الأقاويل سراً.. ويحمدون الله على هذا الاعتقاد .. الذى لولاه ما رهب الصيادون هذا الكوخ كل هذه الرهبه.. وما تركوه خالياً هكذا.. وما كان للمحبين محراباً يبثون فى ظلال حجبه صبابتهم...
رويداً رويداً بدأ الضوء المنبسط على الكون يتلون..وتحتد الرؤية عبر ثناياه.. انتشر الصغار على الشاطىء كالعادة.. يفردون شباكهم الصغيرة فى محاولة فطرية للتدرب على مهنة الآباء والأجداد.. وبعضهم يجمع القواقع والأصداف التى تقذفها الأمواج على الرمال...
وهناك على البعد فتيات صغيرات.. تجمع أبصال النرجس من قمم التلال لتغرسها أمام البيوت والأكواخ.. ليأتى الربيع الواقف بالأبواب فينعشها وتتفتح زهورها البهية .. ويحل موسم الراحة للصياين.. فتقام الأفراح .. وتنصب ساحات المرح.. حياة جميلة على بساطتها.. الجميع يؤمن بالقضاء والقدر..لا يحمل همَّ الغد أو الرزق.. كل صياد يعلم يقيناً أنه ربما يذهب ولا يعود.. لكنه راضٍ بمشيئة الله حتى ولو كانت اللاعودة...
" البحر موجود .. والرزاق يجود" هكذا يقولون دوماً...
ومع ارتفاع الشمس إلى عنان السماء الغائمة المضطربة.. همت صدفة مسرعة بالعودة إلى البت .. تدرب نفسها على تحمل كلمات أمها اللاذعة بسبب تأخرها بالخارج...
ومع حلول الضحى تجمع الصيادون على المقهى الوحيد بأطراف القرية.. جلسوا يتباحثون تلك المشاكل التى طرأت على مهنتهم التى يتعيشون منها ولا يعرفون غيرها.. وحال البحيرة الذى أصبح لا يسر عدواً ولا حبيباً.. تحلَّق الجمع حول شيخ الصيادين.. ووسط صيحات صبى المقهى.. وضجيج الأمواج التى يقبل رذاذها وجوههم أمام المقهى.. بدأ الحوار متداخلاً وغير مرتب...
" المسألة طولت وغمقت قوى ياريس" قال أحد الصيادين ضجراً..
" يا جماعة إن الله مع الصابرين" قالها شيخ الصيادين محاولاً تهدئة الموقف الذى يعرف حقيقته جيداً.. كما يعرف تماماً ماذا تعنى بالبحيرة بالنسبة لهم ...
أطرق العجوز إلى الأرض محاولاً أن يخفى قسمات وجهه المنقبض.. خوفاً على مصير هؤلاء الصيادين وأسرهم البادى فى الأفق.. خصوصاً بعد كلام المسئول له بالأمس.. والذى يزلزل أعماقه الآن.. فقد كشف عن نواياه بكل بجاحة.. وأعلنها صراحةً بأن عليهم تقبل الوضع الراهن.. وعلى المتضرر زرع رأسه فى قاع البحيرة...
نهض الشيخ متوجها مرة أخيرة لمكتب المسئول بالمدينه الكبيرة .. على بعد كيلوات كثيرة من القرية المنفية بعيداً على الشاطىء.. بينما انشغل بعض الصيادين بترقيع غزلهم .. والبعض بمحاولة يائسة للصيد فى البحيرة.. فى حين ظل آخرون يحتسون الشاى والقهوة والحلبة.. وينفثون غضبهم مع دخان الشيشة الذى يتصاعد إلى أعلى.. مكوناً طبقة أخرى من السحب.. غير تلك البادية فى كبد السماء فوق رؤوسهم...
خلَّفت المركب وراءها مدناً كثيرة.. والشبان على متنها يحلمون.. ويشيدون الآمال.. تعلو أصواتهم بأغنيات جميلة حفظوها عن الكبار.. ورددوها منذ أدركوا الحياة...
اختفت وراءهم رشيد..كما تلاشت الأسكندرية الجميلة خلفهم.. بعد عبورهم ميناء الصيد بها إلى مرسى مطروح.. حيث كانت وجهتهم.. وقبالة شواطىء السلوم جعل الشبان يفردون شباكهم ويجهزون أدواتهم...
" توكلنا على الرزاق" قالها الريس شعبان أولاً.. ثم دارت على ألسنة الشبان الواحد تلو الآخر.. مضت عدة ساعات والشبان تكاد تطير قلوبهم فرحاً...
الرزق وفير.. والخير كثير.. فالأسماك تكثر فى هذه المنطقة فى هذا الوقت من السنة.. هكذا أكدت خبرة الآباء والأجداد...
مضت أيام الرحلة ممتعة كلها.. مليئة بالعمل.. بالخير.. بالضحك.. بالغناء الجميل...
" الحمد لله.. استعدوا للعودة يا شباب" قال الريس شعبان فى ود...
" جاهزين ياريس" رد الشبان فى صوت واحد...
بعد أميال قليلة فى طريق العودة.. شعر الشبان بانحراف المركب قليلاً عن مسارها.. بدت الرياح شديدة بعض الشىء...
تضرع الريس شعبان إلى الله خفية فى تلك اللحظة بأن تخيب ظنونه.. وان تذهب كل خبراته إلى الجحيم.. تمنى بالفعل أن تكون مجرد ريح تداعب المركب قليلاً أو حتى كثيراً.. ثم تذهب إلى حال سبيلها...
لكن الريح اشتدت على عكس ما اشتهى.. زلزلت المركب بعنف.. هرع الشبان إلى مقدمة المركب...
" النوة ياريس" صاح منصور...
" لله الأمر يابنى" قال الريس شعبان مستسلماً...
" قف هنا يا منصور.. وأنت يا حامد هنا مكانى.. خلى بلك كويس ياحامد.. وانت يا حسن هناك.. وانتم ياشباب تعالوا هنا " أردف الريس مسرعاً...
جعلوا ينزحون الماء الغزير الذى ملأ سطح المركب..ازداد الماء غزارة.. لكنهم لم ييئسوا وواصلوا عملهم...
تتضاعف الماء على سطح المركب.. ارتعدت أوصالهم.. أدركوا أنها النهاية.. لكنهم لم ييئسوا.. ظلوا ينزحون فى عزم وإصرار.. ربما هى الهمة المستمدة من الفرصة الأخيرة للتشبث بالحياة...
غطى الماء المركب عن آخرها.. وتلاطمت فوق سطحها الأمواج.. بدأت تترنح فى عرض البحر.. تتهاوى شيئاً شيئاً إلى القاع.. وبآذان الشبان الستة عشر تدوى زغاريد العُرس.. وتهانى العيد القادم بعد الغد.. معتذرين لعروس منصور عن عدم الوفاء بالوعد...

الاثنين، 9 مارس 2009

رباعيات


يا باب يا مقفول
إمتي الدخول

صبرت ياما
واللي يصبر ينول

دقيت سنين
والرد يرجع لي : مين ؟

لو كنت عارف مين أنا
كنت أقول

عجبي !!!

قصة الحياة


الشمس لم تطلع بعد من المغرب...
مازال الستار مرفوعاً...
ومازال الكومبارس يقومون بأدوار البطولة...
فى مسرحية الحياة السخيفة...
لا جديد...
ومادام العرض مستمراً...
فمجبرون نحن لا أبطال على مشاهدته...
بل و معايشته ..
بل والمشاركة فيه...
بل والتفاعل معه...
شئنا أم أبينا لا مفر...
حتى يأذن القدر بإسدال الستار

على هذه القصة المملة...
قصة الحياة...

أحزان الشتاء - قصة قصيرة


فى لحظة شرود ناداها الشوق.. لملمت عبراتها وأفكارها المارقة...
نفضت عن ذاكرتها غبار البعد .. قررت السفر...
حملت حقيبتها وحصاد أيام مريرة.. طويت فى البعد.. استقلت القطار وقلبها يكاد يطير شوقاً إليه.. أراحت رأسها إلى النافذة.. شخص بصرها إلى لاشىء...
وبسرعة البرق عادت إلى البداية.. أخذ القطار يهدر على القضبان.. ويمضى معه شريط الذكريات...
كانت صغيرة جدأ يوم أن رأته أول مرة.. تركت الأيدى المتشبثة بها بإحكام.. أسرعت إليه منبهرة...
كأن شيئاً خفياً يشدها نحوه.. يجذبها بقوة لا تسطيع مقاومتها.. وقفت بين يديه ترمقه باستغراب ودهشة.. بهرها شموخة...
شعرت بضآلتها إلى جواره.. حيرها صمته وتجاهله عبث الدنيا .. وتقلبات الأيام.. شدها هدوءه رغم صخب الموجودين.. أسرها عطاؤه بلاحدود.. دون انتظار المقابل أو حتى كلمة شكر.. وفاؤه العظيم..
عشقت فيه كل هذه الصفات الفطرية فى تكوينها...
وصل الارتباط بينهما إلى حد التوحد.. كانت تزوره على فترات متباعدة نسبياً.. لكنها كانت تحيا على الذكريات أيام البعد...
كانت تغفر له دوماً عدم مبادرته بزيارتها.. مشغول هو دائما.. إلا أنه لم ينسها رغم البعد.. دام يبعث لها برسائله مع الغروب.. يهديها نسمات رقيقة حانية.. تهمس برفق حولها أنها لها وحدها دون البشر.. تداعب قسمات وجهها البائس فتنبسط مرحاً.. كانت تذوب حنيناً عندما تشتد الرياح سرعة.. حاملة لها بعضاً يخصه...
وتمر الأيام لتزداد كثافة الصفحات فى سجل العمر.. وكل لقاء يضيف إلى توحدها فيه عمقاً أبعد وبعداً أعمق...
ما زال القطار يمضى مجتراً معه الذكريات.. توقفت بكل محطة من محطات العمر.. غير أنها أطال الوقوف فى هذه المحطة الأخيرة...
يوليو الماضى.. كانت أطول وأروع زيارة.. جابا فيها كل الأماكن.. ضحكا.. لعبا .. بكيا.. باحا بأسرار تراكمت على مر السنين...
جلسا يتهامسان طويلاً تحت القمر.. بعيداً عن أعين النهار وسخافات البشر ..استرقا من الدهر أرق الصدف وأروع اللقاءات.. نقشا على وجه الكون كلمات وردية.. يخلو منها قاموس الأيام.. تبادلا أعذب الأشعار وأرق الحكايات...
وآن الرحيل.. وكان الوداع.. وصار الألم والعذاب.. وباتت الذكرى هى كل العزاء.. عاشا على أمل اللقاء.. يتبادلان الشوق على طريقتهما .. يلتقيان بالخيال مع كل غروب...
فجأة توقف القطار معلناً نهاية الرحلة مع نهاية الشريط.. وفى محطة الوصول.. ينبه القلب.. تضطرب احاسيس.. ترتعد مشاعر...
ما أجمل الأسكندرية.. عشقها الأكبر..وملاذها ما ضاق بها صدرالكون.. تجوب عيناها آفاق فردوسها فى عجالة.. تخترق نظرتها المدى.. تومىء للحبيب تخبره بوصولها...
يسمعه القلب يئن من خلف الحجب.. ينخلع من مكانه..ما بال الحبيب؟!
غاضب هو جداً.. تكاد ثورته تدك الأرض...
التقت عيناهما.. وافق حزنها حزنه..انسكب الدمع من كليهما .. امتزج.. امتص هدؤوها غضبه.. يهدأ قليلاً...
تجلس بين يديه مثقلة بشكوى البشر واللاوفاء..تجد ما عنده يفوق ما عندها .. فتكتم ما بها من شكوى...
وحيد هو منسى فى غربته.. قد انشغل عنه من كان يظن أنهم أحباؤه وأصدقاؤه.. تناسى الجميع.. هجروا.. جحدوا...
" حتى من يشاركونى السكنى.. باتوا وقد أوصد الأبواب والنوافذ فى وجهى.. واحتجبوا طيلة الوقت" بلغت آلامها ذراها.. واستشعرت مُر الشكوى فى حلقها.. عندما ارتفع الموج .. مشيراً إلى أقرب الأقربين...

وافق دمعهما هوىً فى نفس سحابة مارة فشاركتهما البكاء...

رباعيات


ليه يا حبيبتي ما بيننا
دايما سفر

دا البعد ذنب كبير
لا يغتفر

ليه يا حبيبتي ما بيننا
دايما بحور

أعدي بحر
ألاقي غيره اتحفر

عجبي !!!

عندما يأتى الخريف - قصة قصيرة


تعوَّدَ الجميع منغصاته السخيفة.. المحرجة على الدوام.. لا أحد يرد على مهاتراته.. وتمتماته المفاجئة.. فالجميع يجزم أنه نوع من الهطل المتوارث فى عائلة الرجل...
وغالباً ما تكون مهاتراته تلك فى إطار التنفيس المحتمل عن النفس.. وما يعتمل فى صدره من صراعات ضارية.. من المؤكد أن سببها الأوحد هو عدم القدرة على التكيف مع الحياة على علاتها...
غير أن أحداً لا يشغل باله مطلقاً.. بما يدور فى خلد الرجل من معارك مهلكة.. قد يذهب هو نفسه ضحيتها يوما ما...
بعينى الرجل عمق غريب حال صمته.. كذاك الذى بعينى مفكر أو عالم.. أو أديب مبدع.. توحى تلك النظرة غير العادية فى عينيه لمن يتأملها.. بأنه أحد العباقرة ولاشك...
بيد أن الناس جميعاً مشغولون بشئونهم.. ولا أحد يلتفت إليه من حال الأصل.. حتى عندما يثير عاصفته اليومية على رؤوس المارة.. والموظفين داخل المكاتب القريبة.. يصمت الجميع.. وإلا ينفجر كقنبلة موقوتة فى وجه من جرؤ على تحريك لسانه...
ينكفىء الرجل على مقشته صامتاً .. كأنه آلة صماء مبرمجة.. يرنو بمقلتين مجهدتين على الدوام.. بين أقدام المارة من الموظفين المارقين إلى عملهم بهذه المنطقة.. تزداد زاوية نظرته اتساعاً بقدر ما تسمح له الانحناءة على المقشة...
أشياء غريبة تتراءى للرجل فى هذه الأقدام البشرية.. حينما تخطو مسرعة أمامه..لا يدرى تحديداً ماذا يدفع هذه الهياكل البشرية لتكبد هذا العناء اليومى؟!
لكنه يدرى يقينا أنهم جميعاً أفضل شأناً منه.. مهما كانت وظائفهم.. حتى عمال النظافة بالمدرسة الإبتدائية المجاورة.. فهم يمارسون عملهم داخل إطار سور المدرسة المحدود.. أما هو فيهان فى اليوم مرات على مرأى ومسمع من الجميع...
يضم شفتيه السمراوين من أثر دخان الجوزة.. يأخذ نفساً عميقاً من الهواء المحمل بالأتربة والميكروبات.. يبصق فى وجه الدنيا.. ثم ينكفىء على مقشته فى صمت يراقب أقدام المارة من جديد...
تبدو له الدنيا على حقيقتها فى هذه الأقدام.. التى تُدفع فى حركة آلية.. قاصدة مكان على وجه التحديد...
عاصفته الترابية تعبق الجو وتخنق المكان.. ولا أحد كائناً من كان.. بمقدوره أن يجبره على التوقف.. حتى ولو كان الجن الأزرق...
" صباحك اسود زى وشك" تتمتم الموظفة سليطة اللسان.. وهى تلملم ذيل فستانها القاتم كوجه السماء فى يوم شتوى كئيب...
" مالك مكتومة النهارده كده يام عرقوب..أكيد واخدة علقة سخنة من جوز الندامة" حدث الرجل نفسه هامساً...
تمر المرأة ذات العرقوب دون اشتباك معه هذه المرة.. يبدو ان استنتاج الرجل العبقرى صحيحاً مثل كل مرة...
" روحى ياشيخة ربنا يهدك.. ويريحنا من لسانك الزفر" يقول الرجل فى عقبها باصقاً...
يتراءى على بعد أمتار قليلة.. هيكل ضخم خلف التراب المتطاير.. يقترب على مهل.. كأنه يخشى الاصطدام بشىء ما.. شيئاً شيئاً تتضح الرؤية.. يشير متردداً بما يوحى بالرجاء للتوقف.. يهمس بأنفاس متقطعة " صباحك فل ياريس"...
وعلى غير عادته يبطىْ الرجل قليلاً بطريقة تلقائية.. كلما مر هذا الهيكل الضخم.. صاحب القلب الطيب.. الكبير.. الكبير جداً بالطبع...
تختفى بقعة الظل الكبيرة المصاحبة لهذا الهيكل ببطء شديد.. بينما تترك قدماه الثقيلاتان آثاراً واضحة .. على أرضية الشارع المترب.. فى الوقت الذى يعاود العبقرى ضبط زاوية انحناءته على المقشة.. واستئناف حركته الآلية حسب البرمجة المعهودة...
" الله يرحم والدك" يتمتم الرجل لحظة أن تقع عيناه على حذائها المصنوع من جلد الحيوانات الطبيعى .. ذى الكعب العالى جداً.. الرفيع جداً.. وهى تتلوى فى مشيتها.. كمن أصابه مغص مفاجىء .. أو كراقصة درجة ثالثة...
"اف" تقول الموظفة الشابة.. وهى تسد فتحتى أنفها بطرف الإبهام والسبابة.. ثم تهرول مسرعة دون أن تنظر إليه...
يتبعها الرجل ببصقة ذات صوت غليظ.. كالذى يصدر عنه حين يبص على الدنيا...
ُتُكحل أشعة شمس نوفمبراللينة عينيه الداكنتين.. المجهدتين على الدوام.. كأنه تنبه إليها فجأة.. يدرك فى التو أنه أتم مهمته كاملة.. تلك الرسالة التى لا يقتنع بها.. ويجزم أنه خلق لغيرها...
يعود يلملم المخلفات التى كومها على امتداد الطريق.. يرتبها بأسلوبه الخاص جداً.. ويضع لمساته الأخيرة عليها...
يفترش الرصيف بعدها انتظاراً لعربة القمامة.. التى سيشيع على متنها كوماته إلى مثواها الأخير..لايدرى كم من الوقت يمر فى هذا الانتظار.. ولا حتى يهتم..تدورعيناه بين أقدام المارة كما هى عادته.. يعاوده الشرود...
بشر كثيرون يتوافدون إلى هذه المصالح الحكومية.. القابعة عن يمينه ويساره.. يحملون أوراقاً كثيرة.. منهم من تورمت قدماه من أجل الحصول على تأشيرة بسيطة.. من موظف ما فى إحدى هذه المصالح...
لا يرى الرجل عبقرى زمانه سبباً منطقياً .. لهذه الدوخة التى يدوخها الناس.. وبخاصة الغلابة مثله...
" ما جدوى تلك الأوراق.. وهذه التأشيرات والإمضاءات؟!" يضرب رأسة السؤال...
هو لا يرى ذلك مهماً على الاطلاق.. فماذا لو عاش الناس بدون أوراق؟ من دون موظف لديه مركب نقص.. يستعذب دوختهم...
تطن بأذنه كلمات كثيرة متغطرسة.. متعجرفة.. متحجرة.. يلوكها الموظفون إياهم.. أمام البسطاء من الناس بمناسبة ومن دون...
تعود تدور برأسه فكرة عدم جدوى الأوراق.. تنفرج أسارير وجهه " عندما أصبح رئيساً للبلاد سأحرق كل الأوراق"...
"والله فكرة.. فماذا لو عشنا بلا أوراق" همس بصوت مسموع...
تعجبه الفكرة جداً.. يفغر فاه بطريقة عفوية.. توحى أنه يبتسم ماكراً.. فى حين تتسع حدقتاه كثيراً.. تدور مقلتاه بداخلهما بشكل عشوائى مخيف...
" هل كان أجدادنا القدماء لديهم أوراق.. هل كانوا يعرفونها أصلاً؟" يعاوده التساؤل...
تخلل الريح فروع الشجرة أعلى رأسه.. يهتز سكونها قليلاً .. يُسمع لها خسخسة خفيفة.. سقطت بضعة أوراق جافة أمامه.. ركلها برجله رافضاً المزيد من الأوراق...
وجهة نظر تستحق التوقف لديها بالفعل ..غريب أمر هؤلاء البشر .. لو يعلمون الحقيقة ما أصروا على أهمية هذه الأوراق مطلقاً.. فسيأتى يوم تفسد فيها أوراقهم.. سيأتى خريفها حتماً.. ستصبح مثل هذه الأوراق المتساقطة من الشجرة .. صفراء .. جافة.. عديمة القيمة.. تدوسها الأحذية...
تصل عربة القمامة.. بينما هو شارد فى ملكوته لم يزل.. جازماً بعدم جدوى الأوراق.. والموظفين الكشريين إياهم أيضاً...
يفيق مفزوعاً على صياح السائق.. انبرى يناول زميله مقطفاً تلو الآخر حتى فرغ من رفع كل القمامة التى كومها فى المنطقة المكلف بها...
سارت العربة أمامه .. تهدر على الطريق.. حتى اختفى شبحها تماماً عن ناظريه...
عاود الجلوس على الرصيف مفكراً.. محاولاً مواصلة شطحاته العبقرية.. غاب ثانية الوجود.. فى حين احتجبت الشمس اللينة وراء.. سحب ضبابية كثيفة...
بعثرت رياح نوفمبر.. التى اشتدت فجأة بردها على الطرقات.. وكستها بسجادة شاحبة من أوراق الشجر الجافة...
تصفعه بعض الأوراق المتطايرة مع الريح.. يهب مذعوراً.. يهرتق بلا وعى.. ويزعق بأعلى صوت لاعناً كل الأوراق فى هذا العالم.. جعل يفتتها تحت قدميه .. يفركها.. يسحقها...

انطلق عدواً فى اتجاه الريح يتتبعها .. حتى توارى عن العيون...

يا صديقى


دعنى
دعنى أُمزق أحلامى وأنثرنى
لاتجمعنى
لاتعزف على أوتار جراحى
لحناً ضيَّعنى
قد عشتُ العمرَ أعزفهُ
للدنيا هباً ويعزفنى
يا صديقى
ضن الزمان بمَن يسمعنى
فلست بسامعةٍ أبناء الزمان
يا صديقى
حطم قيثارتك فأذنى
قد جهلت وقع الألحان
يا صديقى
لستُ أنا مَن ترجو
فقد ضللت العنوان
يا صديقى
يا صديقى ألف معذرةٍ
ما عدت أجيد نسج الأمال
يا صديقى
تاه المنى منذ زمنٍ
على دروب الترحال
يا صديقى
وهنت أحلامى فلا تقوى
على تسلق المُحال
يا صديقى
أتيت روضةً أقفرت
وأفناها الذبول
فضل مَن ينشد للصمتِ جواباً
ويبغى حياةً بين الطلول
يا صديقى
يا صديقى باختصار
ارحل..
فلقد عشقتُ الأفول

الأحد، 8 مارس 2009

ملائكة الزمن الردىء - قصة قصيرة


تشتد برودة الأيام.. ومرارة الحياة.. تتكاثف تلال الجليد.. فوق عمرها العام تلو الآخر.. بيد أنها تحاول تعاطى الحياة على علاتها.. فى هذا الزمن الردىء...
صامدة هى كدردارة عتيقة حين تناوشها الرياح العاتية.. تحمل قلباً ذبيحاً..على نصب الذكرى.. والزمان الجميل...
يعلو صياح الطفل شيئاً فشيئاً..تسمعه منذ أول صيحة.. حيث لم تحجب صيحاته المتتالية تلك البرودة .. ولا ذلك الجليد المتكاثف على أيامها.. وكيف تغفل عن أجمل شىء يخصها فى هذا الزمان الردىء؟!
غير أنها تقصد التباطؤ فى كل مرة.. ربما لتؤكد لنفسها أنه بالفعل صياح طفل.. غير الذين عشقتهم داخل البراويز المزخرفة.. طفل حى .. ينبض.. يصيح.. يصرخ...
طفل حقيقى فى عالمها.. يملأ عليها دنياها.. بل وطفلها هى.. يخصها وحدها دون البشر..حقيقة لم تزل لا تصدقها..حلم طالما لاح لخيالها.. احساس رائع طالما خامرها فى الزمان الجميل.. البعيد...
عشقت كل أطفال العالم..هدهدت.. داعبت.. أهدت لعباً.. قبلت بعمق..ذابت فى ضمة طفولية ليس لاحساسها وصف ولا لطعمها...
يستفز الطفل تباطؤ الأم .. وهدهدة سريره الهزاز كلما ركله معتاظاً.. طفل عنيد مثل أمه تماماً.. يتحول الصياح العالى شبه الزائف.. إلى صراخ عصبى وجلبة لا تطاق...
تسرع الأم التى تخطو حثيثاً نحو نهاية عقدها الرابع.. إلى ذلك الطفل العنيد.. القابع فى سريره الهزاز...
" ماما جاية حالاً يا ملاكى الصغير" تطمئنه الأم برفع صوتها وهى فى طريقها إليه...
"ملاكى الصغير" تردد مرات .. ثم تلتقط الطفل من مخدعه...
" جاف أنت لازلت.. ولست جائعاً بالطبع" تهمس وهى تضمه بقوة...
" أهٍ منك يا ملاكى الصغير" تردف مداعبة...
" ملاكى الصغير" تردد مرات.. ثم تبحر فى عيون الطفل الصافية.. تكتشف للمرة الأولى أن بعينيه كل هذا المكر البرىء.. اللذيذ...
" دموع التماسيح يا ملاكى الصغير" تتمتم مبتسمة...
" ملاكى الصغير" تردد مرات.. وهى تحاول اقتلاع عينيها من تلك الدائرة الخضراء الساحرة.. التى تتوسط حدقتيه...
" فاتنة تلك العينان الخضراوان" تهمس دون أن تدرى...
" بسم الله.. ما شاء الله.. ولاقوة إلا بالله.. ومن شر حاسد إذا حسد" تتمتم مسرعة.. وهى تجذب عينيها بقوة من عينى الطفل.. وكأنها خشيت عليه من نفسها.. هى؟!
" حفظك الله يا ملاكى الصغير" تضرع إلى الله .. وتطرد مخاوفها.. وتدرأ سوء ظنها وتخيلاتها المريبة المزعجة بالدعاء والرجاء...
" ملاكى الصغير" تردد مرات.. بعد أن استعادت أنفاسها الهاربة هلعاً على صغيرها.. وسلواها فى هذا الزمان الردىء...
جعلت تملس على وجه وجسد الصغير.. يميل جسدها به يمنة ويسرة.. فى حركة لاإرادية.. تبعث على الاسترخاء والراحة...
يسكن الطفل تماماً فى حضنها.. ترتخى رموشه الطويلة الكحيلة.. لتحجب ذاك السحر البديع الساكن عينيه.. تتأمل وجهه الأبيض النضير الذى صار قانياً بعد هذا الصراخ العالى منذ قليل.. ثم وردياً رائعاً حين هدأ وكف عن العناد...
تضغطه إلى صدرها أكثر..تقبل هذه الكتلة من البراءة قطعة قطعة.. تدغدغ مؤخرة رأسه بأسنانها...
" ياااة .. أخيراً أتيت يا ملاكى الصغير" تشتد ضغطتها دون أن تدرى...
" ملاكى الصغير" تردد مرات وهى تتأمل ملامح الصغير الدقيقة بين يديها.. وتأبى كعادتها أن تعيده إلى سريره...
تعصر شفتى الطفل القرمزيتين بين شفتيها حين يبتسم فى نومه.. يصرخ مفزوعاً .. تتنبه فجأة.. تتوعد حماقتها بالعقاب الرادع حال ينام الطفل...
وبسرعة البرق يغط الطفل فى نومه العميق لحظة ان تهدهده.. وتضمه إلى دفء حضنها الذى لا يقاوم...
" مجنونة بك أنا.. معذرةً يا ملاكى الصغير" تهمس شاردة...
" ملاكى الصغير" تردد مرات وهى تكاد تأكله بنظراتها...
تشرد طويلاً فى عوالم غريبة.. تغوص فى أعماق الذكريات البعيدة.. تبتسم.. تلمع العبرات فى مقلتيها..تغمض عينيها حتى لا تهرب الذكرى.. وتتوه فى دوامة الأيام الجليدية والزمان الردىء...
" نمت يا ملاكى الصغير" وحينما لا يأتيها الجواب.. تسرع تريح رأسه بخفة.. وتطبع قبلتها الحانية على جبينه.. وبخفة أشد ترفع أطراف أصابعها التى تجوس خلال شعره الكستنائى الكثيف.. وتداعب خصلاته الناعمة...
تتحسس ملامحة الجميلة.. ثم تطوق وجهه بذراعيها.. وهو يجوب فى نومه آفاق بعيدة.. تسمع للهواء الداخل إلى صدره والخارج منه.. حفيف أفرع غضة لنبته طفلة.. داعبها نسيم العصارى فى يوم صيفى لطيف...
يبتسم كطفل داعبته الملائكة خلال نومه.. كأنما عثر فى حلمه على قاربه القديم.. الذى حطمته الأمواج فى خضم الحياة...
تموج عيناها دون أن تدرك.. تتساقط حبات الدموع على خديها.. تتدحرج على جبينه دمعة.. ترتفع رموشه الطويلة المصبوغة بكحل ربانى بديع.. لتكشف عن عينين بنيتين نجلاوين.. تبتسم مقلتاه الناعستان.. تجدد لعينيها الماطرة الوعد بالتوحد مدى الحياة.. بل وبعد الحياة.. فتشرق بهما شمس الأمل من جديد...
" ترى منذ متى استيقظت يا ملاكى الصغير؟!" تفرك عينيها.. تدقق النظر فى تلك العينين الخضراوين الساحرتين.. تحتضن الطفل ذائبة فى الحنين...
" ملاكى الصغير" تردد مرات وهى تمسح دموعها الغزيرة التى أغرقت وجه الصغير.. وتدفنه فى حضنها.. بعيداً عن تلال الجليد والزمان الردىء...

رباعيات جاهين


أنا شاب لكن
عمري ألف عام

وحيد لكن
بين ضلوعي زحام

خايف ولكن
خوفي مني أنا

أخرس ولكن
قلبي مليان كلام

عجبي !!!!

سعد اليتيم - قصة قصيرة


فى أروقة المبنى الحكومى الضخم بدا حائراً.. يدور من مكتب إلى مكتب.. يحمل كماً كبيراً من الأوراق...
أثقل كاهله ما يربو على السبعين عاما..تكسو وجهه صُفرة لا تُخطئ سببها عين ناظر.. كلت عصاه من الاتكاء عليها جيئة وذهابا...
انتهى به المطاف فى مكتب المسئول الأول فى هذا المكان.. وأمام مدير المكتب وقف مرهقاً.. نفض عن نفسه المهمومة غبار اليأس.. همهم قائلاً " يا ترى أقدر أقابل الريس النهارده؟"
- الريس مشغول يا حاج
- يا بنى ألف مرة آجى وتقولوا...
"قلت بكره.. بكره" ارتفع صوت الموظف مقاطعاً .. مزلزلاً كيان الشيخ...
عز على العجوز ضعفه .. وهوانه على الناس.. حاول التماسك...
" هو بكره ده ما بيجيش عندكم أبداً" خرج عن وهنه قائلاً...
نظر إليه الموظف ذو الصوت الصائح شزراً.. ثم انبرى يقلب فى أوراق كثيرة.. أمامه على المكتب .. دون أن ينبس بكلمة...
لملم الشيخ وهنه.. وخيبة أمله.. تحسس عصاه.. ومضى يتلمس طريقه وسط الطرقة الطويلة..المفروشة بشريط من السجاد الأحمر...
شعر العجوز بحسرة كبيرة .. شلت حركته.. جعل يستحث قواه الخائرة أن تصمد فى وجه هذا الزمان الردىء.. الذى هان فيه كل شىء.. حتى الشيبة والوقار...
تقاطر الدمع من عينيه دون أن يدرى .. ارتكن إلى حائط إلى جواره يكفكف دمعاته العزيزات...
" فيه حاجة يا والدى" قالت وهى تربت على ظهره.. وقد لمعت عيناها بالعبرات لبكاء الشيخ...
رفع العجوز طرفه بليلاً من أثر الدموع هامسً فى اختناق " هه؟ لا .. ولا حاجة يابنتى" ثم لاذ بالصمت المطلق...
- تعالى معايا
- اتفضلى انتى يابنتى.. انا مروح على طول.
كانت قد فشلت كالعادة فى كبح جماح دموعها .. فانبجست مؤازرة للعجوز رغماً عنها.. التفتت تجفهها بمنديلها الورقى...
شىء فطرى فى تكوينها.. كل شىء يهون عليها مهما كان.. إلا دمعة واحدة تسقط من عين شيخ...
ابتسمت تخفى حزنها الجم.. أسرعت تصحبه حثيثاً إلى مكتب العلاقات العامة...
جلست إلى جواره شاردة.. لم تستطع أن تزيح عن مخيلتها تلك الصورة المؤلمة..التى علقت بناظريها منذ قليل.. صوره هذا الشيخ.. ودمعه الغالى...
شىء قاس.. يحز فى نفسها.. يؤلمها كثيراً.. لو أن الأمر بيدها لحاكمت فوراً ذلك الغبى .. الذى تسبب فى هذا المشهد الأليم .. وستفعل...
" ربنا يريح قلبك يابنتى.. أمشى انا بقى" قال العجوز بعد أن أراح جسده المنهك .. على أحد المقاعد الوثيرة فترة.. وشرب عصير الليمون الذى طلبته له...
همًّ بالقيام مربتاً على كفها الساكنة على حافة المقعد.. فتنبهت إليه فجأة .. وكأنها كانت قد نسيت وجوده من شدة شرودها ...
- لسة ما اتكلمناش يا والدى.. فهمنى حكايتك إيه؟
- لزمته إيه بس أدوش دماغك بحكايتى.. كتر خيرك لحد كده يابنتى
- ابدا.. بالعكس...
وتذكرت أنها لم تعرفه بنفسها بعد.. فابتسمت بود قائلة " مودة عبد الرحمن.. صحفية" .. وأردفت بنفس الود " سأوصل صوتك لمن تريد.. فأنا هنا لمساعدتك ياوالدى"
"مودة!" ردد العجوز الاسم متأثراً ومندهشاً فى الوقت ذاته...
" اسم غريب .. صح؟" بادرته متضامنة...
- لكنه جميل.. فيه راحة.. ومعانى كتير اختفت من زمانا ده خلاص!
- الخير فى الدنيا إلى يوم القيامة يا والدى.
- ربنا يديكى على قد نيتك.. وقلبك الطيب ده يا أستاذة
" إيه استاذة دى بقى.. بنتى أحسن بكتير" نظرت إليه معاتبة...
- بس انا راجل غلبان.. على قد حالى...
- وانا يشرفنى انك تكون والدى
- الله يكرمك يابنتى
- اهو كدا.. تمام.. حكايتك إيه بقى يا والدى؟
تنهد العجوز بعمق.. كأنه يجتر سنوات عمره الكثيرة جداًَ...
- اسمى سعد السيد سليمان.. وشهرتى سعد اليتيم...
- سعد اليتيم!
- سمونى كده عشان اتربيت يتيم.. زى الحكاية الشعبية المعروفة...
بدا لها من خلال كلام العجوز.. وهو يسرد قصته.. أن الحياة علَّمته وعرَّفته.. مالم يُتح لكثير من الناس معرفته.. فكلامه مرتب.. فيه كثير من الحكمة والثقافة.. المستمدة من الخبرة الطويلة والتجارب الجمة...
كافح منذ نعومة أظفاره.. عانى كثيراً فى حياته.. حتى استقرت به الحال بائع جرائد.. فى عشة من البوص.. فى ركن قصى على أطراف ضفة نيل المدينة الصغيرة.. بناها على مراحل...
خمسون عاماً على تلك الحال.. عاصر خلالها عشرات المسئولين.. عرفوه كلهم وكانوا يلقون إليه السلام ويحيونه أثتاء مرورهم.. عده الناس من معالم المنطقة.. لم يحدث مرة أن طالب أحد بإزالة هذه العشة التى سترته وزوجته طوال كل هذه السنين...
صحيح لم يرزقه الله بالأولاد.. لكن الجميع فى المنطقة يعتبرونه أباً لهم .. وهو يعدهم جميعاً أولاده وأحفاده.. ويفخر دائماً بأن له أبناء كثيرين.. تربوا على يديه وبثهم خبرته وثقافته.. منهم الطبيب والمهندس والأديب والشاعر...
منذ شهرين.. فجأة ودون سابق إنذار..جاءت لجنة من الاسكان وقوة من الشرطة.. وهدموا العشة...
" هدموها فى غيابى.. ولو كنت موجودا وقتها لمت بداخلها.. ولا انى أمد ايدى فى أواخر أيامى" هكذا ختم كلامه مختنقاً بالبكاء...
خيم صمت هش على جو الحديث .. التقط فيه العجوز بعض أنفاسه.. ثم عاود يقول " ومن يومها وأنا بآجى كل يوم عشان اقابل الريس .. ويقولولى مشغول"
- وعايش فين دلوقت؟
- فى نفس المكان اللى فيه عمرى كله وذكرياتى.. ما اقدرش أعيش بعيد عنه.. ولا اموت غيرفيه...
- ربنا يعطيك العمر الطويل ياوالدى
لاحت على شفتى العجوز ابتسامة بائسة.. ثم همس بنبرة راضية بقضاء الله " العمر الطويل لك انت واللى فى سنك.. أما انا يابنتى دى أيام بقضيها ..أنا خلاص كبرت.. وكمان مرضى مفيش منه شفا"...
عادت العبرات تلمع فى عينيها.. وهى تربت على كتف الشيخ البائس.. بينما هربت منها كل كلمات المواساة.. التى ممكن أن تقال فى مثل هذه المواقف...
- ماتزعليش نفسك يا بنتى .. هية دى الدنيا
- اطمئن ياوالدى.. كل شىء هيرجع زى الأول وأحسن.. أوعدك...
فى تلك اللحظة كانت قد حددت تماماً ما يجب عليها فعله.. وأسرعت تمسك بيد الشيخ لتعينه على الوقوف.. وقد طفت على سطح ذاكرتها دون ترتيب.. تلك القصة الشهيرة للفاروق عمر مع الشيخ الضرير.

أنت يا صديقى البحرُ


أنت يا صديقى البحرُ
عطاؤه الممدود
صبر اللاحد
واضحٌ نهار
ملىء بالأسرار
حزنك العميد
يحكيه بالشتاء
غريب وحيد
يشكو اللاوفاء
يئن ألماً صبح مساء
يضنيه الجفاء
يبكى أطلال الدفء
وعهد اللقاء
كم من شاكٍ وباك
على صدره أطال
الشكوى والبكاء
كم من حزينٍ بائس
أتاه بالأحمال
يقتله الشقاء
كم لمحبٍ عاشق
بيتاً على الرمال
ونقوشاً وأسماء
كم لمرتقب الغريب
فى موجه آمال
وسلوةً وعزاء
والآن..
الآن يا صديقى أين هؤلاء
تناءى الأقرباء
هجر الأصدقاء
فطوبى يا صديقى
طوبى للغرباء

السبت، 7 مارس 2009

أغنيات للعشق - قصة قصيرة


لم يكن شيئاً جديداً عليها أن تجبر على افتقاده.. ولا أن ترغم على انتظاره.. حتى تشرق الشمس.. وينحسر الضباب.. لكنه شيئاً صعباً جداً لم يزل...
تصلبت فى مكانها بأقصى أركان الشقة.. وهم يقلبون مملكتها رأساً على عقب.. ويبعثرون كل شىء هنا وهناك.. شامخة هى كشجرة ًأرز عتيقة...
نظرت إليه وهو بين قبضتهم.. نظرة يعرفها تماماً .. ويعلم ترجمتها جيداً...
الحرية غالية.. يهون فى سبيلها كل غال.. الحرية وطن.. ووطنٌ بلا حرية لاوطن.. هكذا تعلمت منه.. وآمنت به...
عندما تنعكس الأوضاع.. وتنقلب الأمور.. ويصبح الصواب خطأ .. والخطأ هو عين الصواب .. لحظتها يجب ان نكف عن التساؤل والحيرة.. بل والدهشة.. ففى الزمان الردىء لا يصلح وهم.. لا ينفع حلم .. لا يُجدى شىء.. هكذا يقول دائماً...
علت شفتيه ابتسامة مريرة تعلم ترجمتها أيضاً...
لم يدهشها الحدث.. ولم يجتحها نفس الأسف المرير المعهود.. والذهول الغبى المعتاد.. لم تعد الأوضاع المعكوسة.. والموازين المختلة.. مصدراً لشتات فكرها.. وعدم راحتها.. فلم تعد فطرية ساذجة.. ولم تعد المدينة الفاضلة حلمها الكبير..غير أنها مازلت تؤمن بالعشق.. ولم تزل الأشعار الوردية تألف قلمها...
فقط أعادها الحدث إلى الوراء قلبلاً.. وفى لمحة قفزت إلى ذاكرتها.. صورة واضحة المعالم.. دقيقة التفاصيل.. لمنطقة ظنت أنها طمست من على خريطة مداركها.. ومحيت إلى الأبد.. رغم عذابات كثيرة موشومة على جدار الروح ببشاعة وقبح...
مرت بخاطرها كشريط السينما مواقف وأحداث كثيرة..أعادت تشكيل أفقها من جديد.. لاستيعاب تصرفات ومعاملة أنماط غريبة من البشر .. لم تكن تتخيل وجودها قبل ذلك.. على الرغم من أنها متهمة دائماً برحابة الخيال من كل من يعرفونها...
رحلات عناء مريرة وكثيرة.. تشهد عليها كل حبة رمل.. داستها قدمها من رمال تلك المنطقة المدمية..حيث كل الأشياء ممنوعة.. كل الحركات مرصودة.. كل الأنفاس معدودة...
قطعٌ من العذاب يتعين مكابدتها.. من أجل زيارة الأعزاء خلف القضبان.. وعلى الرغم من أنها اعتادت هذه المعاناة.. إلا أنها بشعة بالفعل...
" تغيرت الأيام.. وتغير الحدث.. وأنت أنت.. والمكان هو المكان.. ونحن نحن.. نحاول استيعاب ما يحدث أو حتى تبريره دون جدوى" عادت نظراتها تتحسسه وهو بين أيديهم.. راسخاً رسوخ الجبال .. وهى تحدث نفسها...
طلت من نافذة ذاكرتها صورته.. وهو بملابس السجن الزرقاء.. وبرغم محدودية المكان والزمان.. وبرغم الحراس والأسلحة والمضايقات.. لم تكن تشعر أبداً أنه "سجين".. أو أن هذا المكان المحكم الحراسة والمراقبة "سجن"...
كانت روحه المرحة.. وبشاشته الفطرية.. تهدم كل الأسوار والحواجز من حولها.. حتى إن الحدث ذاته يتلاشى.. فتشعر بالرضا حتى عن حقيقة المكان...
وفى لحظة تضاءل كل الحزن الكامن بالأعماق.. وتشجعت كل الكلمات المسجونة فى أغوار صمتها على الثورة..تصارعت كل التساؤلات على احتلال المقدمة...
فى نفس اللحظة احتاحها ألم عاصف.. ومرارة عارمة.. ارتسمت أمام عينيها صورة قاتمة.. حاولت ابعادها فلم يستجب الخيال...
" ولكن ماذا بع؟!" سؤالٌ ودود هزم كل الأسئلة.. تخطى إطار الاستفهام إلى حدود الرفض...
صعب جداً عليها تخيل ماذا بعد؟ وصفحات الجريدة خالية من كتاباته.. صعب جداً تخيل كتابات أخرى تشغل هذه المساحة.. والأصعب أنه خلف القضبان...
استقر بصرها على ملامحه النوراتية الشامخة.. توارى كل من بالمكان على كثرتهم .. وتفاوت رتبهم.. تتضاءلوا.. تلاشوا...
مبتسم هو بشوش كالعادة.. يجبرها دائماً على السمو والترفع.. حتى عن محاولة استيعاب ما يحدث.. فهو أقل من أن يقيم أو يبرر.. فلا يعدو عن كونه همجية وفوضى اعتادها واعتادتها معه منذ زمن طويل...
وعلى الرغم من الناس فى مثل هذه المواقف.. يوصون كل مسافر إلى روما بأن يتصرف كما يتصرف الرومان.. إلا أنها لم تفعل.. فهى على يقين كامل من أنه لن يتصرف إلا كما يتصرف المصريون.. العاشقون لثرى هذا الوطن...
كانوا قد فرغوا من مهمتهم.. وهموا بالمروق من باب الشقة.. مصطحبين العابد إلى خلوته المعتادة...
تشبثت بيده.. وهم يقتلعونها من يدها.. جذبوه بعنف.. تشبثت..جذبوا.. تصلبت..جذبوا.. استماتت.. مرقوا.. لوحت بعلامة النصر "لاتكفر بالصدق.. ردد أغنياتك المعهودة عن العشق"...
تباعدوا.. هتفت " وإن حوربت.. أو أُسرت .. أو ضجت دنياك المنشودة بالحمق"...
تواروا .. همهمت...
سمحت أخيراً لإحساس الحزن بالمواساة...

ودعتنى

ودعتنى
قلت لى عائدا
أرهقك صمتى تساؤلا
تخوفا
انثنيت مؤكدا
لابد لى عائدا
لحقت بركب للأيام راحلا
ملوحا
مرددا
لابد لى عائدا
بركب جديد
وشموع موقدة
عزمت تضميد الجراح
ووعدت تأتى بالصباح
والأفراح الآبقة
تركتنى
على ضفاف الأوهام شاردة
أرقب القدوم
والوفاء المزعوم
أصارع أحزانى الماردة
تغزونى رياحٌ باردة
تسكننى
تُحبطنى
تعبث بشتاتى عامدة
تتأرجحُ فى عينى الأشكال
بين الحقيقة والخيال
تتراقص الظنون على أنغام المحال
ليُسدل الستار
على أشلاء الأمال
ويعود اليقين
ناكس الجبين
أغلب الظن أننى
أذكر أنك وعدتنى
ووعدتنى
ووعدتنى