الأحد، 11 أكتوبر 2009

الغـــــريبـــة - قصة قصيرة


منذ سنوات وتلك المرأة الغريبة تدور بلا هوية على البيوت والمحلات.. حتى المكاتب فى الهيئات الحكومية.. تهيم على وجهها فى الطرقات.. تستجدى هذا وتسب ذاك ونمدح الآخر وتضرب الأطفال الصغار فى الشوارع...
ترشق الأبواب والنوافذ بالحجارة.. تجرى وراء الفتيات لتمزق أثوابهن وتخطف ما بأيدهن.. تفعل أشياء غريبة مثلها تماماً...
لا أحد يستطيع كبح جماحها.. فلا وازع لديها من عقل أو حياء.. الجميع يتحاشاها خشية أن تجعله أضحوكة الحى .. فالجميع يعرف أنها مجنونة ويجب تجنبها.. إلا موظفات مكتب السكرتارية بالمدرسة الثانوية.. فهى التى ترجوهن دائما أن يتركنها فى حالها ويرحمنها من مكرهن وخبثهن.. فتكون بينهن حملاً وديعاً وقع فريسة لقطيع من الضوارى .. لا يخلصها من أيديهن إلا مها.. السيدة الشابة الهادئة الوديعة ذات الملامح المتناسقة الجميلة.. والتى تخطو حثيثاً نحو نهاية عقدها الرابع...
" سيبوها حرام عليكم.. دى مسكينة " تصيح فى زميلاتها بلطف وتشير عليها بالانصراف من هذا المكتب فى التو...
" ليلى مين؟ دى سندس يا مها" قالت إحدى الزميلات.
حقاً هى تعلم ذلك لكنها تنسى دائماً وتناديها " ليلى" وتعود تتذكر عندما تلفت نظرها إحدى الزميلات...
من ليلى هذه؟ دائماً يسألنها ولا تجيب.. كثيراً ما طلبوا منها أن تحكى لهن قصتها.. بينما تصمت ربما من فرط الحيرة فيما إذا كان من حقها أن تروى تلك القصة أم لا.. لكن الإلحاح شديد هذه المرة...
تسافر مها عبر ذكرياتها .. تحاول استدعاء الأحداث المستقرة على حافة الذاكرة.. تنادى عبثاً على بطلتها الغائبة.. ربما يعود الغائب.. ولكن الغائب لا يعود...
دارت الأرض بها.. تراقصت فى عينيها الصور المعلقة على الحوائط.. واهتزت قطع الأثاث المنسقة حولها فى الصالة الكبيرة.. وقبل أن تغيم الرؤية تماماً ناشدت زوجها المحامى الشاب أن يتوقف عند هذا الحد من المناقشة التى احتدت بينهما على غير العادة دون أن يشعرا...
مضت متثاقلة إلى غرفة النوم لتريح جسدها المجهد.. المثقل بمسئولية مخلوق جديد يتكون بداخله.. لم تكن المرة الأولى التى تشعر فيها بهذا الشعور وتعيش هذه الحالة...
كانت مفاجأة سارة جداً لقلبها عندما وضعت حملها الأول منذ سنوات كثيرة واكتشفت أنها رزقت بتوءم جميل.. البنت والولد معاً.. يالها من نعمة تقدرها جيداً.. وتشكر عليها العاطى الوهاب صبح مساء...
تحب الأطفال هى جداً.. تتمنى لو ترزق طفلاً فى كل عام.. تقول دائماً كما لو كانت رجلاً من العصور السحيقة " الأولاد عزوة وسند".. بيد ان الله أراد لها أن تكون هناك أعواماً ليست بالقليلة بين كل حمل وآخر.. كانت راضية تماماً بإرادة الله.. ورزقت من حملها الثانى بطفلة جميلة.. شقية.. رائعة المحيا.. شديدة الشبه بها...
هى الآن فى شهور الحمل الأخيرة .. تنتظر مولودها القادم بصبر نافد وشوق بالغ كما لم تنجب قط.. تود لو تدور الأيام دورتها لتراه وتسمع صوته.. تحدد ملامحه الصغيرة وتتحسس جلده الوردى الناعم.. ما أجمل هذا الإحساس لديها...
تشعر باختناق شديد.. يعلو ويهبط صدرها مع كل شهيق وزفير.. كأن ذرات الأكسجين تضاءلت فى الهواء .. وفى حركة تلقائية فتحت النافذة المغلقة بإحكام .. ألقت برأسها وبعض جسدها إلى الخارج.. صفعتها ريح باردة .. ربما لتذكرها أنه يجب عليها ان تدخل مسرعة.. وتحكم إغلاق النافذة مرة أخرى.. فسماء يناير الغائمة ستصب جام غضبها على الفور...
لكنها لم تلقى بالاً لهذا الإنذار الصريح .. ظلت عينها معلقة بمشهد لم تر فى حياتها مثله.. تصلبت أذنها وهى تلتقط تلك الهمهمات الغريبة التى ترددها امرأة ناشرة الشعر.. غريبة الأطوار والملبس.. بدت لها وكأنها جنية انشقت عنها الأرض.. أو خرجت من النهر المجاور للمنزل الكبير...
وفى عصبية شديدة ألقت المرأة صرة كانت فى حجرها بينما هى جالسة إلى جوار الجدار أسفل النافذة.. انطلقت صرخات مفاجئة من الصرة لحظة ارتطامها بالأرض.. فصرخت مها مفزوعة...
فجأة نشر الصمت غير المبرر عباءته على المكان .. لتكتشف مها أنها كانت شاردة طوال كل هذه الدقائق الماضية.. وأن التوسلات فى عيون الزميلات قد اشتدت كثافتها بعد أن انتظرنها طويلا حتى تعود من شرودها .. وأفرغت كل منهن ما لديها من قصص قد تكون متشابهة مع القصة المنتظرة.. ومنهن ما شط بها الخيال إلى أبعد من ذلك فاخترعت قصصاً وسيناريوهات من بنات أفكارها...
وأمام رغبتهن الجارفة أخذت مها تحفر فى ذاكرتها .. وتخوض فى أعماق أيامها.. تلملم خيوط الأحداث البعيدة.. لتنسج منها أغرب قصة صادفتها فى حياتها...
بدا دور الراوية مناسباً لها تماماً.. والزميلات يصيخن السمع فى اهتمام غريب ودهشة.. فانبرت تعيش الأحداث من جديد...
كان يوماً غريباً مطيراً حين رأتها لأول مرة.. أرعبها منظرها وحركاتها وكلامها.. صرخت منادية زوجها الذى هرع إليها فى لمح البصر.. وقد قفزت إلى ذهنه خيالات مرعبة.. أشارت مرتعدة إلى أسفل فأخذ يربت على كتفها وبهدوء شديد أغلق النافذة.. وهو مازال يعتقد أن المناقشة التى احتدت منذ قليل هى السبب فى هذا الذى ألم بها...
وبعد وقت لا تدرى أكان طويلا أم قصيرا استيقظت من نومها.. بدأت تسترد عافيتها فيبدو أن أعصابها كانت مجهدة بالفعل.. وجدت فى نفسها أثر فرحة طارئة.. لقد وافق زوجها أخيراً على تسلمها العمل...
" شكراً لك أيتها المرأة الغريبة!" قالت مبتهجة.
يعلو الصياح بالخارج .. يهرع الجميع إلى النوافذ.. لطمات تدوى على الخدود والرأس .. يشتد الصراخ حتى تنقطع الأنفاس وتغيب تماماً .. شتائم وألفاظ خادشة تُقذف فى وجه أشخاص وهميين لا وجود لهم إلا فى رأس تلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
يلف الصمت المكان مرة أخرى ويتأكد لمها أنها كانت المتحدثة الوحيدة طوال كل هذا الوقت الفائت .. وقد ازدادت كثافة التوسلات فى العيون المنصتة..فعادت مها تلتقط خيوط الحديث من جديد...
ومرت أيام قلائل وجاء يوم تسلمها العمل .. وبعدما انقضى يومها الأول وفى طريق عودتها إلى المنزل اصطدمت بها ..همت لتمسك بتلابيبها بيدها القوية وأظفارها الطويلة كمخالب قط برى.. خرج أهل المنزل جميعاً على صراخ مها...
" سيبيها يا ليلى.. دى مدام ابنى .. الاستاذ محمود" قالت لها جدة الأولاد فتركتها على الفور وجلس الجميع يهدئون من روعها.
نادت جدة الأولاد على ليلى وتحدثت معها لبعض الوقت.. فهى تحب الجدة كثيراً وتسمع كلامها.. لتصبح ليلى منذ ذلك الحين إنسانة أخرى تماماً.. فكان كل من يراها معهم وبينهم لا يصدق أبداً أنها هى .. تلك المجنونة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
مرت الشهور سريعا وجاء المولود المنتظر " أحمد".. والذى راق لليلى منذ اللحظة الأولى أن تسميه "لاوس" ولا أحد يدرى من أين جاءت بهذا الاسم وعندما سألتها مها قالت " أهو لاوس وخلاص يا ست ام لاوس".
" لاوس .. لاوس .. بس يعيش" قالت مهما ممازحة.
الغريب أن ليلى تحملت مسئولية تربية هذا الوليد منذ اليوم الأول.. أحبته كما لم تحب طفلا قط حتى رضيعها الذى بين يديها.. وتخاف عليه خوفها على شىء عزيز لم تمتلكه.. تحمله طيلة الوقت.. تغسل له لفائفه وسراويله الصغيرة وتقبلها قبل أن تطويها وتضعها فى خزانة ملابسه.. وفجأة...
اختفت ليلى برضيعها كما ظهرت .. تاركة "لاوس" ابن الأربعين يوماً.. ذابت مع ثلوج الشتاء دون أن يدرى بها أحد.. أو تترك وراءها أثراً يشى للنفس بعودتها يوما...
لملمت خلفها الخماسين ذراتها المطبقة على الدنيا.. كما مر الصيف المرهق بقيظة وجوه الخانق دون أن يبشر بعودتها...
ونسى الجميع ليلى وكلام ليلى وصراخها وألفاظها.. لكن شيئاً ما بقى بقلب مها وذاكرتها لتلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
عادت المدارس تفتح أبوابها من جديد.. وغرقت مها فى العمل وكادت تنسى هى الأخرى تلك الليلى ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
وذات يوم أثناء عودتها من المدرسة لمحت مها نفس البطاطين والأسمال البالية منشورة على سور حديقة المنزل وأفرع الأشجار المتدلية فوقه.. شئ ما بدأ يعتمل فى نفسها...
" ليتها تكون هى" همست فى نفسها.
" ازيك يا ست ام لاوس" بادرتها قبل أن تكمل حديثها الهامس.
وبعد حديث ليس بالطويل دار بينهما فى الشارع أخذتها مها إلى الداخل لترى حبيبها لاوس.. ثم تركنها معه وقد انشغلت بتبديل ملابسها.. مطمئنة تماماً أن صغيرها فى أيد أمينة رغم كل التحذيرات التى انهالت عليها سابقاً من الجارات والأقارب...
حاولت مها إقناعها بأن تخصص لها مكاناً حتى ولو فى الجراج يحميها هى وصغيرها من الأمطار والبرد.. إلا أنها كانت تأبى بشدة وتشير إلى السماء قائلة " اللى خلقتا يحمينا".
وتستمر الحياة وتمضى الأيام بالبشر.. وينقضى الشتاء.. وتختفى ليلى مرة أخرى .. ودون أن تودع أحداً .. وتحار العقول مرة أخرى فى سر ظهورها واختفائها المفاجئ.. وكالعادة ينسى الجميع ليلى وحكاياتها العجيبة.. ويبقى بقلب مها وذاكرتها شئ لتلك المرأة الغريبة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس...
سنوات مرت على تلك الحال .. تظهر ليلى وتختفى .. ولم يعد يندهش الناس من ذلك الحدث.. وانشغل كل بأموره عن هلاوسها ومنظرها الذى غدا مألوفاً لديهم.. فأصبح من الطبيعى أن يرى الجميع امرأة غريبة تبيت إلى جوار الجدار فى ليالى الشتاء القارسة.. رافضة أن يستضيفها أحد أو أن تحتمى بصغيرها فى أى ركن من العواصف والرعود والأمطار.. تستيقظ مع الفجر فى كل يوم تلملم أسمالها من على أفرع الأشجار لتغسلها فى النهر ثم تنشرها مرة أخرى.. تغمر صغيرها فى ماء النهر البارد ليلا أو نهاراً كلما اتسخت يداه أو ملابسه...
غدا بديهياً أن يتمهل كل من يقصد دورة مياه المسجد فى أية ساعة من نهار أو ليل .. ليتأكد من عدم وجود ليلى بالداخل للاستحمام.. حتى ولو لم تكن تصيح بترنيماتها الغريبة التى تشبه تمتمات السحرة والمشعوزين.. وإنذاراتها الفجة لكل من يسوقه قدره إلى هذا المكان فى تلك الساعة...
ويمضى قطار السنين .. وتظهر ليلى مع الرعود والمطر .. وتختفى مع أول خيوط الدفء .. وينسى الناس.. ويتذكرون...
" يا ترى انتى فين دلوقت يا ليلى؟" تتنهد مها وتهمس حزينة متأثرة.
تركتهم ليلى منذ أن التحق لاوس بالمدرسة.. سبع سنوات مرت على اختفائها.. سبع سنوات والشتاء يأتى بدونها.. ترى هل مازالت حية؟ هل مازالت تذكرهم؟ هل مازالت تحب لاوس؟ لقد كبر الآن وكاد يتخطاها عوده.. مسكينة ليلى .. أتت وغادرت دون ان يعرف أحد حكايتها...
تنهمر بعض الدمعات من عيني مها وتصمت طويلاً.. ويبقى بقلبها وذاكرتها شيء لتلك المرأة ناشرة الشعر غريبة الأطوار والملبس.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

حكايات بطولة من قلب المعركة!!


فى حياة كل منا مواقف تترك بصمتها على حياته.. واحداث من الأهمية بمكان يجعلها صفحة فى تاريخه.. واشخاص لايقدر بأى حال أن ينساهم .. كل هذا تجسد فى حياتى فى لحظة يوم أن التقيتهم وأجريت معهم هذا الحوار الودود الذى تناول ذكرياتهم عن المعركة..إتهم أبطال شاركوا فى حرب أكتوبر المجيدة.....
كان هذا فى الذكرى الخامسة والعشرين لملحمة اكتوبر الخالدة وكنت فى بدايات عملى الصحفى بجريدة الشعب فيما قبل مرحلة الجامعة ونشر بتاريخ 6/10/1998
تعددت البطولات والحكايات ..وكل حكاية ترسم صورة مشرفة ومضيئة ..وفى هذه المساحة البسيطة نرصد بعض هذه الحكايات من أرض المعركة ..ونستمع إلي التفاصيل على لسان أبطالها الذين أبلوا بلاءً حسناً .. ضاربين أروع الأمثلة على مر العصور فى الفداء والتضحية وعشق الوطن!!
جمعة أحمد عبد المولى بأحد كتائب المدفعية المضادة لللطائرات آنذاك يبدأ كلامه قائلا: كأنى الآن فى قلب المعركة وكل فصولها ترتسم أمام عينى بكل دقة ووضوح..فالمواقف التى لا تنسى كثيرة ومتنوعة وأكبر من أن يتخيلها عقل .. ولكن الشىء الذى لايفارق ذاكرتى هو أننى اختلفت مع قائد السرية أثناء عبورنا القناة من فوق الكوبرى ..وكنت أقود سيارة مجهز عليها مدفع مضاد للطائرات وكانت مهمتنا الأساسية هى حماية القوات أثناء العبور ..فقد أمر القائد بالسير من طريق مخالف فحاولت إقناعه أن هذا الطريق خاطىء وأن الصحيح هو طريق آخر أعرفه جيداً منذ حرب 67 التى استركت فيها أيضاً..لكنه أصر على رأيه فلم أجد أمامى إلا مخالفة الأوامر العسكرية وأنا أعلم جيدا إلى أى مدى ستصل العقوبة وسيرت فى الطريق الذى أعرفه ..وكان بالفعل هو الصحيح ووصلنا المنطقة المقصودة ليلاً..وفى السادسة صباحاً اشتبكنا مع قوات العدو وألحقنا بهم خسائر كبيرة ..وقد نلت على هذا التصرف شهادة "الكفاءة القتالية" من الدرجة الأولى.
يحيى ابراهيم الجمل –مواطن مصرى- كما أصر أن يُلقب .. قابلنا بإبتسامة عريضة وتنهيدة شوق وحنين إلى كل لحظة فداء وكل حبة رمال شهدت على هذه الملحمة الرائعة .. يقول الجمل: كنت جندى برتبة عريف فى سلاح الإستطلاع أى أن عملى كان بالمقدمة ..وأثناء قيامى بمهمتى برصد تحركات العدو عن قرب وإبلاغ المدفعية فى الخلف فوجئت بطائرة إسرائيلة تقترب من الموقع فأسرعت بالإبلاغ عنها واشتركت فى إسقاطها أيضاً مع الجنود وقمت بنفسى بأسر قائدها ..وقد أصبت فى ذراعى اليسرى بشظايا من صاروخ أطلقته قوات العدو ونتج عن هذه الإصابة نسبة عجز بالغة أفخر بها فى كل حين.
محمد غازى هليل يسترجع معنا ذكرياته المحفورة فى قلبه والموشومة على جدار روحه كما يؤكد فيقول: حاصرنا العدو أربعة أشهر بمنطقة ممر الجدى جنوب البحيرات المُرة ورغم المعاناة لم نفقد الثقة بالله ولا بأنفسنا وكان عزمنا يزداد باشتداد الأزمة.. ورغم أن العدو هو المحاصر لنا إلا أنه لم يستطع معرفة قوتنا أو عددنا وكلما كان يقذفنا بطلقة نقذفه بعشر ..وبعد انتهاء الحصار كان الاحتفال الذى قابلنا به شعب مصر فى القاهرة عظيما ..حيث احتشد المسئولون والأهالى وطلاب المدارس والجامعات على جانبى القطار بمحطة مصر ..كان الجميع يهتف بحياتنا وحياة مصر العظيمة لدرجة أن سائق السيارات أوصلونا إلى بيوتنا فى طول البلاد وعرضها بدون مقابل.. ومنا مَن ظن أهله أنه أستشهد وكنت ممن أشيع نبأ استشهادهم وعند عودتى استقبلتنى القرية عن آخرها بالزغاريد والفرحة.
السيد محمد متولى يكاد يبكى بينما تعلو وجهه ابتسامة من أروع وأبهى مايكون ..يهمس نصف شارد وكأن شريط سينما يمر أمام عينيه: عبرت القناة مع القوات بالقوارب المطاطية وفى الضفة الغربية ليلاً أصبت بعدة رصاصات فى ساقى اليمنى وظللت حتى الصباح فى المكان الذى أصبت فيه..بعدها عثر علىّ الرفاق ونقلت إلى مستشفى الزيتية بالسويس ثم إلى القاهرة لإتمام علاجى.ز وهاهى الآثار منقوشة على ساقى أعتز بها حتى الممات.
محمد شهاب الدين يقول بلهجة الفخر والاعتزاز وبمنتهى الفداء وإنكار الذات: أسرت أثناء المعركة ولكن فرحة النصر أنستنى كل شىء..حتى التعذيب الذى كان اليهود الملاعين يتفننون فى ابتكار أساليب جديدة وبشعة منه ..والذى مازالت آثاره الدامية على جسدى كله منذ خمسة وعشرين عاما وستبقى شاهدة على جرمهم وبشاعتهم مادمت حياً..لكننى لم أكن حزينا ولا جازعاً فروحى فداءً لمصر ..وقد عدت إلى أرض الوطن الحبيب بعد تحريره مقَّبلاً ثراه الغالى مع أول تبادل للأسرى بيننا وبين العدو.
محمد السيد مبروك يأخذنا إلى زواية أخرى من الصورة البانورامية الواقعية فيقول: فى أحد الأيام دخلنا السويس من أجل البحث عن شىء نقتات به.. وتصادف ذلك اليوم مع هجوم قوات العدو على المدينة.. فالتحم الجنود المصريون الموجودون وقتها وكانوا حوالى سبعة آلاف جندى بمشاركة الأهالى مع قوات العدو.. ودارت معركة طاحنة بالأيدى والشوم والأسلحة البيضاء والحجارة ..وتم الإمساك بالجنود الإسرائيليين وقائدهم الذى اقتحم وبعض مَن معه مبنى المحافظة وأخذناهم أسرى.
عقيد متقاعد محمود سعفان يشرح لنا باستفاضة واعجاب يفوق الوصف استراتيجية حرب أكتوبر المجيدة وكيف كانت الخطة فريدة ومحكمة وكأنه يلقى قصائد شعر من الطراز الرفيع ويشرح أيضاً كيف تم التجهيز للحرب
وعمليات التمويه والبداية الفعلية للحرب.. وكم كانت بسالة الجيش المصرى جنوداً وقادة ..كنت استمع وانا فى غاية الفخر والتقدير واسترسل حتى وصل إلى ذكر تلك الإصابة بعينه اليسرى والتى أفقدتها البصر تماما وحدثت أثناء الحرب وأنه يعتبر هذا وساماً على صدره شرفه المولى تبارك وتعالى به حتى نهاية العمر.

الأحد، 4 أكتوبر 2009

ملحمة العبور المجيدة .. أمجاد يا عرب أمجاد!!



اكتوبر .. شهر الاحتفالات .. شهر العزة والكرامة والحرية.. شهر استرداد الأرض وتأكيد الثقة والعزم....
ملحمة حرب اكتوبر المجيدة ..ذكرى عزيزة وغالية على كل مصرى وعربى .. صورة مشرفة لأمة عربية متماسكة اجتمعت يوماً على رأى واحد وتعاونت على البر والتقوى واعدت للعدو ما استطاعت من قوة وعزم ..صفحة ناصعة مضيئة فى سجل كل ابن من أبناء هذا الوطن العظيم الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وكتبوا بدمائهم الذكية أروع ملاحم النصر.....
ففى كل بيت حكاية وفى كل قلب ذكرى لأب ..أو ابن.. أو أخ.. أو عم.. أو خال.. منهم من عاد متشحاً بوشاح العزة والكرامة ومغرداً بأهازيج النصر ..ومنهم "أحياء عند ربهم يُرزقون".....
ومع حلول اكتوبر المجيد تقام الاحتفالات.. وتنصب ساحات العرفان بالجميل على نصب الذكرى العزيزة الغالية.. وتدور على الألسنة قصص البطولة وحكايات الأبطال.. وتطل وجوه تنضح بالإيمان والشجاعة لرجالٍ " صدقوا ما عاهدوا الله عليه".....
ورغم كل التقدير والعرفان الذى تكنه القلوب والأرواح لهؤلاء الأبطال البواسل ..إلا أن ما قدموه لنا كان أكثر واغلى وأعظم من كل ما يمكن أن نقدمه نحن لهم أو لمصرنا وعروبتنا التى هانت بعدهم.....
فمهما أقمنا من احتفالات ..ومهما صدحت حناجرنا بالأغنيات.. فلن نستطيع أبدا أن نوفى أبطالنا البواسل حقهم .. ولكل مصرى أن يفخر بمصريته وعروبته وتاريخه المشرف..فما أحوجنا فى هذه الأيام الى أن يصل ذلك المفهوم إلى كل الشباب والنشء الذين لم يعاصروا هذا النصر المجيد ويدركوا كم هى مصر عظيمة بشعبها وجيشها على مر العصور لتظل تلك الصفحة المضيئة من تاريخ الوطن محفورة فى قلوب كل المصريين والعرب بحروف من نور جيلاً بعد جيل!!
فهل نأمل بأن يهب العرب هبة رجل واحد وأن تثور فى عروقهم دماء النخوة من جديد من أجل فلسطين الحبيبة ونصرة المسجدالأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين؟؟؟!!
مليون تحية إلى روح بطل الحرب والسلام
وإلى أرواح كل شهدائنا الأبرار!!

الجمعة، 14 أغسطس 2009

المــــــذبحــــــة - قصة قصيرة


كل يوم فى نفس الموعد يأتى وئيد الخطى متكأً على عصاه.. يمسح تلك المساحة الشاسعة من الأرض..التى كانت بالأمس القريب جنة وارفة الظلال .. تسر النفس وتسعد الفؤاد.. وتفيض بالخير العميم...يتأمل ملياً تلك الأرض الطيبة التى ترفض أن تموت.. تتحدى كل القرارات والافتراءات.. وتتمرد على قسوة وغباء البشر .. وفى يوم وليلة نفثت غضبها واعتراضها على ذلك الجبروت الذى عوملت به.. فأنبتت جذور الأشجار المذبوحة المدفونة بجوفها من جديد...سلواه الوحيدة أن يرى تلك الأشجار النابتة تنمو يوماً بعد يوم .. يربت عليها يطمئنها أنه لن يضيعها ولن يخذلها كما لم تخذله...رسالة صريحة تلك الخضرة النابتة إليه .. هو يعرف ذلك .. يفهمها ويقدرها جيداً .. يعلم يقيناً أنهم شركاء رحلة عمر طويلة وليس من حق أحدهما أن يستسلم .. أو أن يتخلى عن الآخر مهما لاقى من عناء...كان يزداد إيماناً فى كل لحظة بأنه يجب أن يقاوم بكل ما يملك.. وأن يستمر النضال من أجل استرداد هذه الأرض الوفية التى يستمد منها صلابته وقوته فى مواجهة الظلم والطغيان...يبتسم المهندس الزراعى صاحب هذا الحلم الموؤد فى وجه أشبال الأشجار الجديدة التى وصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار .. ويشير بسبابته والوسطى إشارة النصر...يلوح له كم كان المشوار شاقاً طويلاً.. شائكاً مؤلماً .. منذ أن اتفق مع مجموعة من أصدقائه وجاءوا بأسرهم إلى هذه المنطقة القاحلة فى مكان قصى غرب الساحل الشمالى.. استصلحوها واستزرعوها وامتلكوها.. وحيزت بأسمائهم حسب القوانين المعمول بها فى هذا الشأن..." أخيراً تحقق الحلم .. وأصبحت الأرض ملكاً خالصاً لنا" قال مهنئاً رفاقه.. وتبادل الجميع التهانى وعلت الزغاريد فى سماء المنطقة التى أصبحت جنة الله فى أرضه...لاحت له صورة الأرض أيام بدأوا فى استصلاحها .. جبال رملية مخيفة يصل ارتفاع أقلها إلى عشرين متراً .. كان ضرباً من المستحيل تخيل هذه المساحة خضراء فى يوم من الأيام أو حتى مستوية ممهدة..." يا جماعة بالعزم والإصرار نقهر المستحيل.. فنحن أبناء الفراعنة بناة الحضارة وصانعو المعجزات" جعل يبثهم الأمل ويشعل حماسهم.حلم وعلمهم كيف يحلموا مثله.. وبالكفاح والمثابرة تجسد الحلم الجميل شيئاً شيئاً وأصبح حقيقة ملموسة من أروع الحقائق..." أنتم تستحقون أن تُصنع لكم تماثيل على هذا العمل العظيم" قالوا مذهولين كل أعضاء اللجان التى أتت لمعاينة الأرض الواحدة تلو الأخرى...مشوار طويل حقاً قدره أعضاء اللجان المعاينة لأنهم أكثر الناس دراية بما يمكن أن تتطلبه مثل هذه الأرض حتى تخضر وتنبت...مئات الأفدنة على امتداد الرؤية فى كل اتجاه تضحك فى وجوه الناظرين .. ترقص فرحاً بخصوبتها الوليدة على أيدى هؤلاء الأبطال عاشقى الوطن.. تكاد تنطق بالشكر والعرفان لهم على ذلك المعروف الذى ليس بمقدورها أن ترده مهما أعطتهم ومهما جنوا من ثمارها...لكن أعداء النجاح لم يقدروه.. ولم يستوعب خيالهم المريض كم يكون الجهد والمال والعرق الذى حوَّل جبال وكثبان رملية وعرة إلى جنة خضراء نضرة..." حسبنا الله ونعم الوكيل!" همس متألماً وهو ينظر نحو الأفق المترامى .. معاهداً الشمس المائلة نحوه حثيثاً أن تشرق على جنتهم التى كانت من جديد...بدا يحاول التخلص من تلك التفاصيل التى أرهقت قلبه وانهكت قواه لكنه لم يستطع.. كأنما ليظل يحياها فى كل لحظة حتى يظل باقياً على عهده الذى قطعه على نفسه حيال هذه الأرض المذبوحة...يمر بخاطره أيام ظهر مشروع الطريق الدولى الساحلى للنور منذ سنوات سبع .. والذى اخترق أرضهم واقتطع منها مساحة خمسين فداناً توارت تحت نهره.. لم يعترض أحد لأنها كانت منفعة عامة حقيقة.. وكل ما طالبوا به هو مراعاة المساحة الواقعة شمال الطريق التى سوف تُعزل بمروره عن أى مصدر للرى والصرف .. وقد حلت هذه المشكلة بعمل فتحات تحت الطريق أثناء إنشائه.. مما كلفهم الكثير من الأموال والجهد...ظل الحال على عهده زمناً والجميع يزرع ويكد ويحصد.. حتى تبدلت الحال وتحول الحلم الجميل الذى عاشوه إلى كابوس مرعب جاثم على أنفاسهم ليل نهار ويأبى إلا أن يزهقها...فوجئ الجميع بغتة بوجود معدات ثقيلة من جرافات وحفارات وغيرها فى حراسة جميع التشكيلات الأمنية التى يمكن تصورها...أزيلت فتحات الرى والصرف التى تكلفت ملايين الجنيهات.. جرفوا المزروعات وأشعلوا فيها النيران.. اقتلعوا عشرات الآلاف من الأشجار السامقة على امتداد الأرض والمحيطة بها...خلَّفوا المكان وراءهم جحيماً مستعراً.. تصاعدت ألسنة اللهب والدخان إلى عنان السماء.. معلنة عن كل الدمار والحسرة.. حاملة علامة استفهام كبيرة جداً بحجم كل هذا الجهد والمال والعرق المبذول فى سبيل تخضير هذه الأرض التى أُغتيلت خصوبتها بلا أدنى رحمة...لمعت عيناه بعبرة.. تشبث بعصاه .. جلس بتؤدة على منطقة مرتفعة قليلا .. مستندا على جذع شجرة توجت الخضرة الجديدة قمته وتعالت تعانق الهواء..." السلام عليكم" قال الرفاق شركاء الحلم الذين أتى بهم الشوق لزيارته بعد أن تركوا المكان وعادوا بأسرهم إلى المدينة الكبيرة لمباشرة حياتهم كما كانوا قبلاً..هو وحده الذى بقى إلى جوار حلمه.. ويأبى إلا أن يفى بالوعد لتلك الأرض التى عشقته كما عشقها.. وأعطته كما أعطاها وتعاهدا على التوحد إلى الأبد...تساءلوا عن مصيرهم المحير والغامض أو هو مجهول بالفعل .. رغم حصولهم على حكم ببطلان هذا القرار الغبى الذى أصدره حاكم الإقليم بوأد حلمهم.. لكنه يأبى تنفيذه رغم رفض الإشكالات الثلاثة التى قدمها..." لديه حجته فهو رجل قانون محنك ومستشار سابق ويعرف كيف يلعب بالثغرات جيدا" قال أحد الرفاق مستسلماً." مهما يكن فالحق أعلى وأقوى.. وحجته تلك داحضة.. فلديه آلاف الأفدنة على امتداد الساحل ملكاً خالصاً للدولة وليس عليها أية نزاعات .. فليأخذ منها ما شاء لبناء هذه المنطقة الصناعية المزعومة" قال المهندس الزراعى موضحاً." لكنه يريد هذه الأرض تحديداً" قال آخر." وهذا لن يحدث أبداً مادمت حياً" قال المهندس ثائراً.تذكر للحظة كلام الرجل فى آخر مقابلة بينما كان يطالبه بتنفيذ حكم القضاء العادل.. انتفخت أوداجه وتطاير الشرر من عينيه وهو يؤكد فى حزم أن هذا أبعد لهم من نجوم السماء..."تنفيذ الحكم ده على جثتى" قال الحاكم بأعلى صوت دون الرهبة من أى رادع.بعد لحظات صمت كأنها حداد على ضحايا هذه المذبحة البشعة حرك أحدهم لسانه فى فتور مشيراً عليهم بالمضى من هنا فالجو غير مستقر وقد تمطر السماء تواً..." نعم الرأى .. فلنذهب لصلاة المغرب.. فقد حانت" قال أحدهم مؤيداً.غادر الرفاق المسجد الصغير الذى بنوه منذ ان وفدوا إلى المنطقة واتجهوا جميعا إلى بيت صديقهم المهندس الزراعى المقيم الوحيد بالمكان لم يزل...أعلنت سماء "طوبة" القاتمة عن ليلة مطيرة قارسة .. مر الوقت والرفاق ملتفون حول المدفأة الفخارية.. يجترون تفاصيل ذلك اليوم الكئيب الذى ُشردوا فيه وقوضت حياتهم الآمنة المستقرة.. وتبدل أمنهم بالضياع والخوف والتهديد بالسجن...وما زاد الطين بلة هو تراكم مديونيات بنك التنمية عليهم.. فالبنك استصدر أحكاماً ضدهم بالسجن.. صحيح هم يستأنفون هذه الأحكام لكنهم لا يعلمون ما تخفيه لهم الأيام.. ضج الجميع فى لغطهم بينما شرد صاحبهم منفردا بكم لا يُحتمل من الألم...هب واقفاً تحت شجرة الكافور الكبيرة التى كان يتفيأ ظلالها حين رأى جيشاً جراراً يتقدم نحو المزرعة الشاسعة.. جرى مهرولاً نحو هذه القوة الكاسحة..." قفوا.. قفوا" صاح وهو يتقدم دون إبطاء يعترض الطريق أمام جرافة ضخمة فارداً ذراعيه عن آخرهما." ابتعد يارجل" قال قائد القوات." بل أموت تحت هذه المعدات" قال المهندس صاحب المزرعة." أنت بهذا تعوق مهمتنا.. وتعرض نفسك لمساءلة القانون" قال الضابط ضجراً." اى قانون تقصد؟ إنها أرضى .. ملكى" صاح الرجل.أشار الضابط بطرف عينه.. وفى لحظة تجمع أكثر من عشرين عسكرى حول الرجل..جرجروه بعيداً رغم تشبثه المستميت بالأرض...تقدمت المعدات أكثر.. واصلت تقدمها.. اهتزت الأرض تحت قدميه.. زاغت عينيه لبرهة.. هز رأسه كمن خرج لتوه من الماء.. أغمض عينيه وفتحهما مرات.. تيقن أنه مدرك تماماً واعٍ لكل ما يجرى لكنه ذاهلاً دهشاً.. يرفض عقله التصديق والتسليم للأمر الواقع.. فلا سبب واحد يدعو لحدوثه..." قفوا.. قفوا.. هذه أرضه.. ملكى" خرج عن صمته وعاد يصيح."ابتعد يارجل لم تعد أرضك.. فقد صدر القرار صباحاً" عاد الضابط يقول."قرار؟ أى قرار؟" قال الرجل مندهشاً." قرار نزع الملكية للمنفعة العامة" قال الضابط بنفاد صبر وأمره بالصمت حتى يباشروا عملهم."الخراب عملكم .. الدمار شغلكم؟" قال الرجل صائحاً بجنون." خذوه" قال الضابط فى حزم.سكن الرجل فى أيدهم حتى ظنوا انه فارق الحياة.. ربت أحدهم على خده مرات فتنبه قليلاً.. أطرق إلى الأرض مهزوماً مكسوراً.. يتوارى خجلاً من عجزه وقلة حيلته...تسلل إلى منزله فى أطراف المزرعة يجر أزيال الهزيمة وخيبة الأمل.. تلاشى رويداً رويداً عن العيون فلم يُرَ له بعد ذلك أثر.

الجمعة، 7 أغسطس 2009

غـــربــــاء - نــــازك الملائــــكة



أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنا

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:

مللاً...
. نحن هنا مثلُ الضياءْ

غُربَاءْ

اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيرِ

كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعوري

دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا

وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي

كنت حَيرى

أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري

إن نكن نقضي الأماسي, أنتَ أَدْرى

غرباءْ

مرّتِ الساعاتُ كالماضي يُغشّيها الذُّبولُ

كالغدِ المجهولِ لا أدري أفجرٌ أم أصيلُ

مرّتِ الساعاتُ والصمتُ كأجواءِ الشتاءِ

خلتُهُ يخنق أنفاسي ويطغى في دمائي

خلتهُ يَنبِسُ في نفسي

يقولُ أنتما تحت أعاصيرِ المساءِ

غرباءْ

أطفئ الشمعةَ فالرُّوحانِ في ليلٍ كثيفِ

يسقطُ النورُ على وجهينِ في لون الخريف

أو لا تُبْصرُ..عينانا ذبولٌ وبرودٌ

أوَلا تسمعُ.. قلبانا انطفاءٌ وخمودُ

صمتنا أصداءُ إنذارٍ مخيفِ

ساخرٌ من أننا سوفَ نعودُ

غرباءْ
نحن من جاء بنا اليومَ ومن أين بدأنا

لم يكنْ يَعرفُنا الأمسُ رفيقين..

فدَعنا نطفرُ الذكرى كأن لم تكُ يومًا من صِبانا

بعضُ حبٍّ نزقٍ طافَ بنا ثم سلانا

آهِ لو نحنُ رَجَعنا حيثُ كنا

قبلَ أن نَفنَى وما زلنا كلانا
غُرباء

غُرباءْ

الأربعاء، 5 أغسطس 2009

محضر إشغال حياة - قصة قصيرة



ترددت بين جنبات قلبه كلمات.. كان قد نسيها منذ أمد بعيد.. لحظة أن أخبره السجَّان بالعفو..
كلمات اعتصرت لها روحه يوم اقتياده إلى غياهب المجهول..
" لم أذنب" تذكر صيحاته التى كانت ترج قاعة المحكمة...
"اسكت" تذكر أيضاً الصيحات المضادة...
حكمت المحكمة بالمؤبد خمسة وعشرين عاماً...
" برىء" يصيح فى جنون...
" امنع الكلام" تتوعده الأصوات الغليظة بالويل والثبور.. وعظائم الأمور...
" مظلوم" ترتج قاعة المحكمة...
"برييييييييييييييء" يدوى الصوت فى آذان الكون...
أكل عليه الدهر وشرب.. أضناه الأنين والألم واعتصرته الحيرة والتساؤلات...
اليوم فقط سمحوا له بالكلام.. بل أكثر من ذلك بكثير.. بشئ لم يعد يحلم به.. أعطوه تأشيرة خروج إلى العالم الواسع من جديد.. اليوم؟ اليوم؟!
ما أبعد الأمس عن اليوم.. وما أبعد اليوم عن الأمس.. بُعدٌ يمتد طويلاً كأنه اللانهاية .. وما بين أوائل الشباب النضير الغض والآمال العريضات وورود الحب .. وبين الوقوف منكسراً على أعتاب الشيخوخة يحاول يائساً إحياء الروح والقلب.. مرحلة عمرية اختُزلت .. وأمنيات عزيزات بلا ذنب سُحقت......
بالأمس البعيد فارق صديقاً وحبيبة.. وأناساً كثيرين كان يعرفهم...
واليوم.. هل هم فى شوقٍ إليه كما يذوب هو شوقاً إليهم؟ هل مازالوا يذكرونه أصلاً؟!
فكر أين يذهب؟ ودون تردد قادته قدماه إلى صفوة أيام عمره ومهد صباه...
" أنا ابراهيم يا معلمة .. ألا تذكرينى؟!" قال بنصف ابتسامة أسعفته بها ذاكرته من الزمان الجميل متوهماً أنه مازال بالإمكان استرجاع بعض أوقاته الصافية...
" ابراهيم .. اسماعيل.. كله زى بعضه" ردت المعلمة نوسة بلا مبالاة وضجر...
" عندك حق.. سنين طويلة فاتت.. عمر تانى!" قال متحسراً على سنوات عمره التى أهدرت وراء القضبان ثمناً لجريمة لم يرتكبها وضاعت أدراج الرياح...
بحثت المعلمة نوسة فى ذاكرتها طويلاً دون جدوى.. فجأة هزت رأسها " ظننتهم أعدموك!" قالتها دون اكتراث...
" اليوم فقط خرجت" قال منتوياً أن يروى لها بقية القصة...
وقبل أن يكمل كلامه أشاحت بوجهها غير عابئة.. وجعلت ترتب فى أشياء عن يسارها أصابتها الفوضى...
تغيرت المعلمة نوسة.. تغضن الوجه النضير..علت قسماته تكشيرة عتيقة كأن عمرها ألف عام.. جف لطفها.. غاض كرمها.. وراح إلى غير رجعة ودها.. لم تعزم عليه بكوب شاى.. ولا بسيجارة كما كانت تفعل فى الماضى.. زمان كانت حبوبة.. بشوشة لطيفة...
" رجعت إلى هنا وجدتهم هدموا البيت.. لم يعد له أثر.. ونهبوا ما فيه" همس مهزوماً...
" لم يكن لديك شىء يطمع فيه أحد.. كراكيب وهلاهيل قديمة.. وصندوق صغير حفظته عندى.. مقفول كما هو ولا أعرف ما به" قالت ولم تزل غير مهتمة أو عابئة...
تهلل وجهه فرحاً.. وانبسطت قسماته التى دامت كئيبة منقبضة منذ أن ابتلعته ظلمات السجن.. تحسس شعره الناعم الذى وخطه المشيب وتطاير معظمه مع السنين...
" عندك بالفعل؟!" همس مبتسما غير مصدق.. ثم تاه فى الزمان البعيد...
"هيييه .. روحت فين يا أخينا؟!" أشاحت فى وجهه صائحة...
وبينما كانت تهم بإحضار الصندوق من مكمنه فى باطن الأرض بأحد أركان الكشك الخشبى العتيق استحلفها أن تبقيه لديها بضعة أيام أخرى .. حتى يستقر فى مكان وسيأتى ليأخده شاكراً تفضلها بحفظه...
" كفياك رغى بقى.. يلا روح لحال سبيلك.. صدعتنى" قالت ضجرة منفعلة...
تغير كل شىء.. مبان جديدة.. وجوه جديدة.. تاهت قدماه على الطرقات التى طالما عانقتها فى ليالى القمر.. وتحت رذاذ المطر..لا يصدق عينيه لم يزل.....
لم يعد للقمر مكان فى سماء تلك الكتل الخرسانية العالية .. تغير كل شىء..هو وحده الذى لم يتغير...
تمهَّل أمام البناء الجديد الجاثم على صدر بيته القديم.. طوب وأعمده خرسانية.. حزن على أشياءه المدفونة تحته.. تذكر حبه الأول .. وقصتة الوردية مع حبيبته.. هل دفنوها أيضاً؟!
أخذ يهرول بلا هدى هارباً من ذكرياته التى باتت تكتم أنفاسه وتكاد تخنقه.. يدوس فى كل خطوة حلماً وردياً من أحلام زمانه الأول...
اختفى من سماء عمره القمر.. كما اختفى من سماء القرية.. طُمس الفناء الواسع .. الذى طالما لعب فيه الكرة مع رفقاء عمره.. ذُبحت شجرة الفل الكبيرة التى كانت تلقى بظلالها على أحلامهم الجميلة.. سُحقت أغصانها النضيرة وانمحى وسط سواد القلوب والأيام بياض زهورها البهية وتسربت عبر ثنايا العدم عبيرها مع روائح الزمن الجميل......
ضاع كل شئ.. تغير كل شئ.. هو وحده الذى لم يتغير.....
تبدلت ضحكة المعلمة نوسة.. تحول صوتها المجلجل إلى واهن ملول.. انقلبت سحنتها ..عبوسة هى مكفهرة على الدوام.. اليوم هى غريبة جداً.. كأنه لم يعرفها من قبل.. وكأنها لم تعرفه يوماً...
عشق الفلسفة منذ أن درسها فى المرحلة الثانوية.. فكأنما وجد ضالته فى تلك المادة العجيبة.. عكف على تفاصيلها وتفوق فيها...
لم يكن محمود رفيق عمره مقتنعاً بأفكاره أو مؤيداً لها فى يوم من الأيام.. لكنه كان يحترمه جداً.. ويقدر طبيعته النقية المتطلعة إلى كل ما هو راقٍ ونبيل.. وهو الذى أطلق عليه لقب سقراط الذى ذاع بعد ذلك.. لدرجة أن الجميع نسى اسمه الحقيقى ...
كان صعباً جداً علي محمود مواصلة الحياة بدونه.. لكنه واصلها على أية حال.. ومع كر السنين نسى تماماً أن هناك خلف القضبان سقراط.. كان يقاسمه الهواء الذى يتنفسه ذات يوم.....
بيد أن السجين بات يعُد اللحظات.. ويخط من دمه على جدران الزنزانة.. من أجل هذا اليوم الذى خرج فيه ولم يتذكره أحد أو يعيره اهتماماً.. من أول المعلمة نوسة التى نسيته تماماً وعاملته بجفاء وغلظة.. إلى بيته الذى تنكرت له أساساته القديمة المدكوكة تحت ذلك البناء الكالح.. والقمر الذى هجر سماء القرية التى كانت صافية مثل قلوب أهلها الذين كانوا...
" تزوجت الحبيبة" قال له محمود فى الزيارة الوحيدة التى تذكره بها ثم غاب بعدها الى الأبد.....
لم يكن ضمن أحلامه أن يجدها فى انتظاره.. أو حتى تتذكره بدعوة عابرة لحضور زفاف ابنتها الكبرى بعد يومين...
فقط قنع بالمرور بالديار.. والوقوف بالأطلال.. واسترجاع تلك الأيام الخوالى .. التى تيقن الآن فقط أنها لن تعود......
ولن يُصدم غداً عندما يفاجأ بأقاربه وقد حرروا له محضر إشغال حياة وطالبوا بإزالة أنقاضه من على وجه الأرض وإخلاء الحيز الذى يشغله هذا الهيكل فى حياتهم والمتخم بمثاليات بالية لا مكان لها بينهم ولا فى زمنهم من حال الأصل .......
ضاع كل شىء.. تغير كل شىء .. هو وحده الذى لم يتغير.. وصندوق تذكاراته الذى أنقذته المعلمة نوسة فى نوبة شهامة ندمت عليها بمرور الوقت.

الجمعة، 17 يوليو 2009

الأربعاء، 3 يونيو 2009

اوباما المنتظر .. هل يحمل مفتاح الفردوس ؟!



بين مهنىء لأوباما ومشفق عليه مما ينتظره داخل دهاليز الحكم من ملفات متخمة بالحماقات والقرارات الغبية .. وبتركيز شديد اتجهت أنظار العالم أجمع إلى البيت الأبيض فى العشرين من يناير المنصرم.
وأكثر كثيراً من كونها راصدة تنصيب ذلك" الليث الأسود" أوباما.. والذى بدا للوهلة الأولى ملوحاً على البعد بغصن الزيتون لكل شعوب الأرض.. مشجعاً الخيالات الجامحة على التمادى فى أحلامها بأن يده الأخرى تحمل الحلول لعقدهم النفسية قبل المالية..ذلك الوجه الجديد نسبيا.. الوافد من الغيب بجذور إفريقية وحياة بدأها فى كنف الإسلام.. والذى لم يكن يعرفه حتى مواطنيه قبل أن يشق العباب ويطفو اسمه فجأة على سطح الساحة السياسية العالمية ويعرفه القاصى والدانى كمرشح لرئاسة الإمبراطورية الأكبر والأهم على مستوى العالم...
كان حرصا وبشغف على رصد المشهد الأخير من فترة حكم هى الأسوأ على الإطلاق وتتبعا لمراسم تشييع صلاحيات ذلك القرصان الأهوج الذى قاد العالم إلى الهاوية والتأكد من رحيله إلى غير رجعة, وإسدال الستار على تلك السنوات الثمانى العجاف فى تارخ البشرية قاطبة وليس أمريكا وحدها.. مبتهجة - ولو إلى حين- بمجرد فكرة أنه لم يعد هناك المزيد من القرارات المجنونة والغبية...



وبشئ من الأمل الذى يخالطه القلق والتفاؤل الذى يشوبه الخوف بات يترقب العرب ما ستسفر عنه الأيام المقبلة وما يضمره هذا الوافد نحو قضايا المنطقة.
وعلى الرغم من وعود أوباما المطمئنة بشأن العراق وتعهده بشراكة كاملة فى جهود السلام بين العرب وإسرائيل للقضاء على المشكلات التى تعكر صفو المنطقة, وتأكيده لذلك خلال اتصالات هاتفية مع عدد من الزعماء العرب فى اليوم الأول لمزاولة مهام عمله كرئيس للولايات المتحدة.. ورغم تفاؤل الجميع بأن المنطقة مقبلة مع اوباما على حقبة أكثر استقرارا.. إلا أن حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" وحدها أعلنت وبموضوعية شديدة أنه لابد من الانتظار لبعض الوقت لرؤية سياساته على أرض الواقع وما يمكن أن يتم تنفيذه من هذه التصريحات والتعهدات التى ينوء كاهل صاحبها بتركة ثقيلة من الأزمات والكوارث على كل الأصعدة قبل الحكم عليه وهذا منطق العقلاء لاشك.الأمر جد خطير وليس بهذه البساطة التى يعتقدها البعض، حيث إن اسرائيل من جانبها ستسعى لإفشال مساعيه، وهناك شك أكيد أن الولايات المتحدة بمقدورها القيام بدور الشريك النزيه فيما يخص مشكلة الشرق الأوسط , وهذا يحتاج الى قوة ليست متوفرة بالطبع لدى اوباما الذى يمتلكون مستقبله السياسى كما هى الحال مع كل رؤساء الولايات المتحدة.. ثم إن الحقائق التاريخية تؤكد على مر العصور أنه ما من رئيس للولايات المتحدة إلا ودان بالولاء للكيان الصهيونى ..وهو ما يعنى أننا يجب أن نؤهل أنفسنا لأية صدمات محتملة بدلا من الذهاب بعيدا بآمال قد تغتال فى مهدها.. فالرئيس الإسرائيلى بيريز فى برقيته التى بعث بها مهنئا اوباما على فوزه بمقعد الرئاسة حرص على تذكيره بزيارته الأخيرة لإسرائيل وحديثه معه بشأن ما يمكنه فعله من أجلها وحينها شد بيريز على يده قائلا: أن تكون رئيسا جيدا لأمريكا وأضاف: فعندما تنجح في تحقيق ذلك ستكون رئيسا جيدا لإسرائيل ولكل شعوب العالم.





ورغم كل هذا لازال العرب يترقبون ويعدون الدقائق للقاء اوباما القادم من البيت البيض ذى التاريخ الأسود وخطابه المزمع إلقاؤه فى جامعة القاهرة غدا وكأنه يحمل عصا سحرية أو مصباح علاء الدين و بيده مفتاح الفردوس.. أو أنه المهدى المنتظر الذى سيخلصهم مما هم فيه من هوان خزى ويأخذ بيدهم الى بر الأمان.. وكأن كل دورنا فقط هو الترقب فنتعشم خيرا فى الآتى أو نتوجس منه خيفة ونحن فى أماكننا من دون أن نفعل شيئا.
العيب فينا نحن ولابد من إصلاح ذات البين أولا ولا ننتظر ان يأتينا به اوباما او غيره.. اوباما للحق رجل مسالم واقل حده بالفعل من سابقه الأرعن الأحمق الغبى بوش وأهدأ طباعا وليس دمويا بكل المقاييس لكنه اضعف كثيرا من مواجهة النظام الصهيونى ولن يتركه بنو صهيون ينفذ كلمة واحدة مما وعد به والدليل لقاؤه مؤخرا بنيتنياهو ذلك الدموى العفن.
ارجو الا نعول كثيرا على زيارة اوباما وألا نأمل فى المستحيل وكفانا تواكلا واعتمادا على الآخر .. التغيير لابد ان ينبع من الداخل لا يأتى من الخارخ يا أمةً ضحكت من جهلها الأممُ .. وما دمنا على هذه الحال فلن تفلح أى مساع خارجية للإصلاح وسيعود العرب بخفى حنين.
ويبقى السؤال الذى يحرق الدم والأعصاب حائراً على الدوام: أين الموقف العربى والكلمة العربية؟ لمَ كل هذه الفرقة والخلافات؟ متى يسعى العرب لرأب الصدع العربى؟ متى يصبح للعرب دور فاعل فى قضاياهم؟ أم سنظل على موعد دائم مع اوباما بعد اوباما والأمل المستحيل.


الأربعاء، 20 مايو 2009

موريس صادق المتأمرك المأجور رغم أنفك.. البقاء لله محمد علاء



عامان أو يزيد والمصرى موريس صادق المقيم فى بلاد العم سام ورئيس الجمعية الوطنية القبطية هناك يستفز حلمى ويتمادى فى توجيه الكلمات الجارحة لمشاعرى الإسلامية المعتدلة التى ترفض التطرف والعنف بشتى صوره وأشكاله, فبشكل يومى ودائم منذ ذلك الحين يقتحم بريدى الإليكترونى على الموقعين الشهيرين تاركاً رسالة أو أكثر ملآى بالمهاترات والمغالطات التى ما أنزل الله بها من سلطان, بل والشتائم والاتهامات البشعة للإسلام والمسلمين والنبى صلى الله عليه وسلم, وفى المقابل قصائد مدح فى أمريكا وربيبتها المدللة إسرائيل, لدرجة أن رسا ئله بقدر ما كانت تستفزنى وتثير حفيظتى كانت فى الوقت ذاته تضحكنى سخرية, كتلك الرسالة التى جاءت تحت عنوان " الاحتلال الفلسطينى", والتى تلتها رسالة آخرى أكثر إثارة بعنوان " المقاومة الإسرائيلية فى مواجهة الاحتلال الفلسطينى" حيث عكس الواقع وقلب الآية فنسب كل الأفعال الإجرامية والمذابح التى يرتكبها بنو صهيون إلى الفلسطينيين وبالعكس.. وأخرى تحت عنوان" شكراً إسرائيل" ..وغيرها بعنوان " يحيا اليهود .. وليسقط المسلمون" .. ولا تعليق!!
كنت فى كل مرة أسائل نفسى لم يصر هكذا على التواصل من جهته الاعتبارية تلك وما مبرره فى هذا؟ فكرت أخبره - ربما لا يعلم- أننى مسلمة وأبى رحمه الله كان مسلماً واسمه محمد وجدودى إلى ماشاء الله كانوا مسلمين, لكنى كنت أعود أدراجى أقول ربما يكف من تلقاء نفسه عن توجيه تلك الرسائل عديمة القيمة والجدوى!!
لكن الأمر لم يعد يحتمل فقد بلغت سخافاته المدى لدرجة دفعتنى للرد عليه بطريقتى , وأعلنها صراحة وبأعلى صوت كفاك موريس فاض الكيل!!
السيد موريس الذى نصب نفسه متحدثاً رسمياً بالنيابة عن كل أقباط مصر يدعى أن الأقباط فى المحروسة مضطهدون من قبل مسلميها ويعانون مر المعاناة من القهر والإرهاب, وأن هناك فتنة طائفية تعصف باستقرارهم فى البلاد, واصفاً العرب عموماً والمسلمين بصفة خاصة فى كل رسالة بلا استثناء بأنهم عصابات بدوية همجية وغزاة متعطشون للدماء وأنهم إرهابيون مردوا على الإرهاب, وأن النبى صلى الله عليه وسلم - وحاش لله- زعيم هذه العصابات, وأن القرآن صناعة بشرية وأنه منبع كل الشرور والمصدر الأول للإرهاب وأنه انتشر بحد السيف, وما زاد الطين بلة هو تكريس دعوته مؤخراً لاستعداء المجتمع الدولى على مصر ومطالبته السفيهة باختراق أمنها القومى...
أما الأسخف والأبشع على الاطلاق هى تلك الرسالة الأخيرة التى تسلمتها توا والتى تثير اشمئزاز كل من لديه نبض أو شعور بل حتى الجمادات الصماء والتى لا استطيع ذكر محتواها لأنه أحط وأدنأ من أنا يُذكر أو يُرد عليه.. فقط أقول له لا شماته فى الموت أيها الحاقد فما من قلب فى مصر الا وناله نصيب من الوجع لموت الطفل محمد علاء مبارك وقد انخلع قلبى لمجرد فكرة ان طفلا رحل ولم يعد ابويه ولا اصدقاؤه وأحباؤه قادرين على رؤيته أو الائتناس به الى الأبد.......
كلنا فى مصر بلا استثناء على اختلاف طوائفنا وانتماءاتنا الحزبية والسياسية قدمنا ومازلنا نقدم العزاء لهذه الأسرة المصرية المكلومة أسرة المواطن حسنى مبارك بصفته مواطن مصرى وليس رئيسا البلاد فالمصر,ين يد واحدة وقلب واحد وقت الشدائد أيا كانت الخلفيات والظروف ولا يعرفون النفاق فى مثل هذه المواقف كما يعرفه من يمدح السفاحين والدمويين أمثال ليبرمان وشارون ومن على شاكلتهم احرقهم الله جميعا أم أنك نسيت ذلك وتهت فى بلاد العم سام.....
موريس صادق انت لاتمثل إلا نفسك وهى لا تعنى شيئا بالنسبة لنا ولا وزناً نحن لا نريدك فلدينا من الرجال المسيحين المعتدلين المحترمين من نجلهم ونحترم كلمتهم وآرائهم وأفكارهم البناءة السمحة فأين أنت من د. ميلاد حنا ذلك الرجل المحترم الذى لا ينطق الا بحكمة ولا يكتب الا بعقل وموضوعية وكلنا نذكر مقاله الدائم فى جريدة الشعب وما أدراك ما جريدة الشعب وإن كنت تجهلها أقول لك أنها كانت الناطقة بلسان حزب العمل وما وراء ذلك من خلفيات إسلامية ولم يكن متعصبا ولا متطرفاً وأيضا القس ابراهيم عبد السيد ولامست هذا عن قرب ودراية تامة منذ كنت طالبة وحتى قبل دراستى الجامعية اندمجت فى الحقل الصحفى وشرفت ومازال يشرفنى انتمائى لجريدة الشعب التى احتضنتى وشهدت بداياتى الصحفية ومهما عملت فى أماكن أخرى وندعو ان تعود قريبا إن شاء الله.. كذلك الراحل العظيم د. يونان لبيب رزق وهوغنى عن التعريف وكم بكى عليه تلامذته وقالت لى واحدة منهم يومها وهى مسلمة وكانت تغط فى بكاء عميق كأن أباها مات للمرة الثانية.. والاستاذ الفاضل جمال أسعد ذلك الرجل الرائع الصادق مع نفسه ومع الآخرين كم هو موضوعى وحيادى ومخلص وغيرهم فالنماذج كثيرة والأمثلة متعددة.....
موريس صادق أقول لك أيضاً هراء هذا الذى تقول وتفعل على عكس مايؤكده الواقع وجاء به نبى الله عيسى الذى تؤمن به وأقرته رسالته السماوية المقدسة, فالقرآن هو كلام الله الذى تعهد بحفظه إلى يوم الدين حيث قال تبارك وتعالى" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" والذكر هو القرآن, وقال أيضاً عز من قائل "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه", وقال أيضاً " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون", والإسلام هو دين الحق "إن الدين عند الله الإسلام" فهو الجامع والخاتم لكل الأديان بشهادة وبشارة التوراة والإنجيل, والنبى محمد هو خاتم رسل الله وأنبيائه وجاء هادياً ومبشراً ونذيراً ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم, والمسلمون لم يأتوا غزاه ولكنهم أتوا فاتحين وبين أيديهم كل الخير والفلاح, المسلمون ليسوا إرهابيين قطعاً ولا العرب قبائل بربرية همجية متعطشة للدماء, فلم تزل وصية الفاروق عمر بن الخطاب وهو من هو فى التقى والورع والذى بلغ عدله الآفاق ترن فى آذان الكون وهو يوصى جنده تحت إمرة عمرو بن العاص وهم يتأهبون لفتح مصر بألا يروعوا طفلاً أو إمرأة أو شيخاً وألا يقطعوا شجرة.. فهل هذه أخلاق إرهابيين؟!!
الإسلام فى حقيقته دين وسطية يحرم الإرهاب ويجرم فاعله, والمسلمون لا يكرهون الأقباط قطعاً حيث من شروط تمام الإيمان لدى المسلم هو الإيمان بالرسل أجمعين, ونحن المسلمون جميعاً نؤمن بعيسى نبياً مرسلاً عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, ومن الخطر اللعب على هذا الوتر الحساس, وتر العقيدة التى لاتقبل شكاً أوتحريفاً, فديننا الحنيف يحضنا على التسامح والتراحم مع البشر بصفة عامة ومع النصارى على وجه الخصوص من خلال قرآن يتلى الى قيام الساعة حيث قال رب العزة جل وعلا "... ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون" صدق الله العظيم.
موريس صادق الأقباط والمسلمون يعيشون على أرض مصر منذ عهود بعيدة فى سلام وترابط ولقد عايشت ذلك زمناً حيث كان لأبى رحمه الله صديق مسيحى, كنت فى سنوات طفولتى الأولى أعتقد أنه شقيق والدى لشدة ترابطهما, وعندما كبرت قليلاً أدركت أن هناك صلات أخرى بنفس قوة صلة الدم وربما أقوى بكثير كالتى كانت بين والدى وصديقه المسيحى, الذى كان أو المشاركين لنا فى كل أحزاننا قبل أفراحنا وكل مناسباتنا الدينية, لدرجة أننى لم أكن أتيقن من ثبوت رؤية هلال رمضان أو العيد إلا عندما يتصل بنا عمو سمير مهنئاً, وكذلك كان أبى معه على الدوام فلم أشعر يوماً بأدنى فارق بينهما!
موريس صادق الذى حملت إحدى رسائله عنوان "أمريكا العظيمة" اختلف معك شكلا وموضوعا فى كل شىء وبخاصة على عظمة أمريكا تلك , فالعظيم لا يبيد الشعوب ولا يغتصب الأرض والحقوق, العظيم لا ينتهك الحرمات ولا ينهب التارخ والثروات, ثم إن أمريكا بجلالة قدرها عمرها لا يتجاوز المائتى عام وهذه مدة لا تذكر فى عمر الأمم والشعوب إذا ماقورنت بدولة كمصر مثلاً صاحبة أقدم الحضارات الإنسانية على الاطلاق والتاريخ الممتد إلى عصور سحيقة فى حين لم يكن لأمريكا هذه وجود حتى فى رحم الغيب!!
موريس صادق أنا على يقين تام من أن الأخوة الأقباط فى مصر لا يوافقونك على هذا الذى تدعيه, فالنسيج المصرى متين ومتشابك يستحيل تمزيقة أو اختراقه ولا وجود لتلك الفتنة الطائفية المزعومة التى يشعل فتيلها بين الحين والآخر شرذمة من المأجورين عملاء الشيطان أعداء الوطنً, وقى الله مصرنا الحبيبة شرهم ورد كيدهم فى نحورهم, ولن ينالوا خيراً إن شاء الله!
موريس صادق لفظتك مصر منذ سنوات فكن فى حالك ودع مصر وشأنها ودع أهلها مسلميها ومسيحيوها وشأنهم واتق الله إن كان لك رباً تعرفه.....
وأخيراً موريس صادق ورغم انفك انت وأذنابك نقول من كل قلوبنا إنا لله وإنا إليه راجعون والبقاء لله وندعو الله العلى القدير أن يلهم أسرة مبارك الصبر والسلوان.....

الخميس، 14 مايو 2009

مش نادمانة


ايوا سببت ليا
جرح وحيرة وألم
وقد ما أثر فيا
صدقنى مفيش ندم
بصدق وبامانة
صدقنى مش نادمانة
دا حال الناس معانا
فيهم نتصدم
انا مش ملاك يا صاحبى
أكيد قولتلك
ولا بيطلب قلبى
منك تكون ملك
مقدرتش كمان
حتى تكون انسان
لكن رغم اللى كان
صدقنى مفيش ندم
بصدق وبامانة
صدقنى مش نادمانة
دا حال الناس معانا
فيهم نتصدم
علمتنى حقيقى
ما آمن لبشر
ومهما شفت ف طريقى
أكدِّب النظر
معنديش قلب تانى
يتحمل جرح تانى
من مخلوق انانى
للإحساس عدم
لكن مش نادمانة
بصدق وبأمانة
دا حال الناس معانا
فيهم نتصدم

رباعيات


يا طير يا عالي

في الســــــما
طظ فيك

ما تفتكرشي ربنا
مصطــــــــــــــــفيك

برضـــــــــــك بتاكل دود
و للطين تعًًًًودً

تمـــــــص فيه يا حلو
و يمص فيــــــــــــــك

عجبي !!!

الأربعاء، 13 مايو 2009

نشرة أخبار زحل


شيئاً شيئاً تهدأ العاصفة الترابية التى يثيريها يومياً فى نفس الموعد عامل النظافة الأرعن.. والتى تزحف حثيثاً إلى فناء المدرسة الإبتدائية المجاورة للمنطقة المكلف بنظافتها...
ينظر خلال النوافذ العريضة ذات القضبان الحديدية للفصول وحجرات الإدارة.. ربما ليطمئن على وصول شىء من عاصفته لهؤلاء القابعين خلف الجدران.. الناعمين فى اعتقاده بآدميتهم دونه...
" كلنا ولاد تسعة يا بشر" يقولها ثم يختفى عبر دوامة التراب والورق المتطاير.
اليوم بدت العاصفة شديدة جداً.. فاليوم خماسينى مترب ولا يبدو لعواصفه المتلاحقة هدوء.. الشمس محتجبة خلف سحابات ضبابية باهتة.. صوراً مصفرة كالحة تنعكس على العيون للفراغات وواجهات المبانى كوجه مريض يتشبث عبثاً بالحياة...
شجرة على حافة الرصيف أمام المدرسة.. تتمايل أغصانها يمنة ويسرة بشدة مع الريح.. تتشبث باستماتة بأوراقها الغضة النضيرة...
هناك على البعد من الجانب الأيسر تتهادى أصوات طالبات المدرسة الإعدادية جميلة منغمة من حجرة الموسيقى.. وفى الخلف عمارات شاهقة متراصة فى صفوف...
بالداخل حديقة المدرسة الصغيرة بأقصى اليمين.. تتراقص شجيرات الكوكيا الرائعة زهواً .. فى حين تُقبل أعواد الورد البلدى الأرض ثم تنهض متثاقلة أو مسرعة حسب سرعة الرياح وبطئها .. وترنو بصيلات النرجس متخابثة إلى زهور الياسمين.. بينما يوشوش القرنفل البنفسج ملياً كأن سراً أبدياً بينما يخشيان إذاعته بين الزهور.. فى حين تتهادى وسط الجميع مشاية مزروعة بالنجيل الأخضر المائل إلى زرقة تنتهى إلى شجرة فل كبيرة جداً بحجم قلب الأم...
تتناثر هنا وهناك على امتداد الحديقة الصغيرة بعض شجيرات الليمون والبرتقال والجوافة وشجرة مانجو وحيدة تُرى أعشاش الطيور خلال أغصانها العالية...
على البوابة الرئيسية للمبنى تقف سيدة فى العقد الرابع من عمرها تضيف البقع البنية الداكنة المنتشرة على وجهها الضامر شديد الاسمرار بضعة سنوات أخرى إلى سنها الحقيقى.. تكاد تنفجر عروق خضراء منتفخة تكون ما يشبة الخريطة الجغرافية على ظهر كفيها.. تتطاير ملابسها فى اتجاه الريح الواقفة فى مواجهتها وقد كشفت عن ركبتين سمراوين مدببتين فانكفأت تضغط ملابسها المتطايرة براحتيها النحيفتين وتسأل عن حجرة المدير...
الأستاذة "شمس" قدمها المدير لأول مدرس ساقته الأقدار إليهما...
" زميلة جديدة" أضاف مستدركاً ثم ساد الصمت للحظات.
" حرام عليك يا حضرة المدير.. دى كوكب زحل" تمتم بها من تحت أضراسه مدرس التربية الرياضية ثم رفع صوته مرحباً بالزميلة الجديدة بكلمات يوحى إيقاعها بأنها تُقال فى سرادق عزاء.. واستدار مسرعاً نحو أى اتجاه يمكنه من الخروج فى أقرب لحظة.. وابتلعته طرقة جانبية فلم يعد يُرى مطلقاً ولا يُسمع لوقع أقدامه صدى...
" حاسب يا كابتن حازم" صاحت مدرسة اللغة الإنجليزية وهى تنتحى جانباً بسرعة خاطفة من أمام تلك الجرافة البشرية التى تجتاح كل ما يصادفها...
" آسف.. آسف يا مس هبة" قالها الكابتن الجرافة مدرس التربية الرياضية وهو يلتفت كثيراً إلى الوراء...
" فيه ايه يا كابتن؟" سألت هبة بفضول كعادتها.
"هه؟" رد حازم وهو يلتفت إلى الخلف نحو الطرقة المؤدية إلى حجرة المدير.. دارت عيناه فى كل اتجاه ثم شرع من دون اشتئذان فى مد الخطى...
كررت هبة سؤالها كثيراً وهو يتمتم دون تركيز مشيراً عليها فى النهاية أن تكمل سيرها إلى منتهاه وسوف تكتشف بنفسها...
" لست على ما يرام أبداً.. بعد إذنك" قالت هبة ثم واصلت سيرها إلى حجرة المدير.
" مس هبة.. تيك كير" استدارات على بُعد عدة خطوات على هذا التحذير الذى مصدره كابتن حازم بالطبع.
" كوكب زحل" أردف بخفوت وهو يطوق فمه بكفيه.
" أيوا كدا ارجع لطبيعتك.. أصل الجد مش لايق عليك خالص" قالت هبة ثم مضت فى طريقها.. ترتسم على وجهها بقايا ضحكات طفولية رائقة.. لكنها تلاشت فى لحظة بمجرد أن دخلت مكتب المدير...
" كوكب زحل.. أه يا لئيم.. دلوقت بس فهمت" تمتمت فى سرها وران صمت مفاجىء.
" عندك حق والله يا حازم.. مفيش شىء مريح ابداً فى الست دى" أردفت فى سرها وهى تهرول فى ذات الطرقة التى مرق خلالها حازم منذ قليل...
تنتهى الطرقة فى الاتجاه المعاكس بحجرة التدبير المنزلى التى نادراً ما تُفتح.. وإلى جوارها حجرة التربية الفنية التى يُسمع فيها لغط كثيف للتلاميذ يغطى على همس الأستاذة أمل مدرسة المادة وكابتن حازم الواقف فى مقابلتها على الباب حين وصلت هبة مشوشة.. اندمج ثلاثتهم فى الحوار ناسين تماماً أنها حصة مثل كل الحصص لابد أن تؤدى بمنتهى الجدية والنظام...
" بعد الحصة يا أساتذة.. أجلوا هذا المؤتمر إلى الفسحة" قال مشرف اليوم الأستاذ عبد المنعم مدرس اللغة العربية أثناء مروره بالطرقة...
على السلم الخرسانى الداخلى لمبنى المدرسة وفى الطرقات يتكدس التلاميذ مهللين وصائحين.. يصعب المروق فى تلك الأثناء من بين هؤلاء الآدميين الصغار.. وقبل أن يحاول اختراق تجمعاتهم أحد المدرسين يتحتم عليه ان يشرع عصاه إلى الأمام ليُحدث فاصلاً ضيقاً بين هذه الأجساد المتلاحمة...
طاولة مستطيلة كبيرة تتوسط الغرفة الضيقة تحف بها المقاعد الخيزرانية.. وفى الزوايا عدة دواليب صاج لحفظ الكراسات والوسائل التعليمية...
على رأس الطاولة جلست هبة وعلى يمينها أمل ولم يُر الفراغ المفترض وجوده بين الفم الهامس والأذن المنصتة.. فبدت هبة كأنها تقضم أذن زميلتها وصديقتها الحميمة...
" اللهم اجعله خير.. يا ترى بتنمو على مين" جاء صوت مجهد متقطع الأنفاس من أقصى الطاولة مشغولة صاحبته بترتيب كراسات تلاميذها وتسويتها استعداداً لتصحيحها...
" أبلة سعاد.. أبلة سعاد ..خبر بمليون جنيه" قالت هبة.
" خير يا رب" قالت ابلة سعاد وهى تهز رأسها يميناً ويساراً.
" خير طبعاً يا أبلة .. هو احنا بنجيب غير كل خير" قالت أمل.
دعت الأستاذة سعاد مدرسة الحساب وهى تعتدل فى جلستها وتمسك بأولى الكراسات أن يمد الله فى عمرها حتى تراهما مثلها.. ثم تحسست بطنها المنتفخ ككرة الماء الكبيرة وهى تؤكد لهما أنه عندما تتزوجا لن يكون لديهما وقت لهذه النميمة.. فالزوج المناكف والأولاد لن يمهلوهما فرصة حتى للأكل"...
" وهو فيه حد زيك انت يا قمر.. يا أحن وأجمل أبلة سعاد فى الدنيا" قالت هبة وهى ترسل لها قبلة فى الهواء.
"ربنا يسعدكم يا بنات.. دى أيامكم عيشوها" ردت أبلة سعاد مبتسمة.
" ولكن خبر ايه؟" أردفت متسائلة كأنها قد نسيت.
" لا.. لابد تشوفى بنفسك" قالت هبة بخبث لذيذ.
" آه منك يا هبة .. اكيد عريس جديد" قالت منهمكة فى تصحيح كراساتها.
" ودا خبر يساوى حاجة.. قديمة" أكدت هبة.. بينما انكفأت أبلة سعاد على إحدى كراساتها وهى تتمتم ضيقاً من أولياء الأمور الذين يتركون العبء كله على المدرس.. ولم ترفع رأسها مرة أخرى إلا مع صوت جرس الحصة الذى طن معه صوت غريب على أسماعها يستأذن للجلوس...
رحبت بها أبلة سعاد مجدداً عندما علمت أنها زميلة جديدة ومدرسة حساب أيضاً.. فها هى الإدارة قد استجابت أخيراً لحاجة المدرسة الملحة.. فليس غيرها هنا والعبء ثقيل عليها جداً...
" وأنا زى ما انت شايفة كدا حملى تقيل" أردفت ممازحة وهى تتحسس بطنها المنتفخ.
نهضت أبلة سعاد لحصتها فى تثاقل كأنما تجرجر أعضاءها من كل ركن.. تبدو الطرقات والسلالم خالية تماماً إلا من بعض التلاميذ القلائل.. يمرقون الواحد تلو الآخر فى خفة.. أو تثاقل حسب درجة نباهة التلميذ وحبه لتحصيل العلم.. منهم من تأخر فى اللعب بالفناء أو باغته الجرس وهو بدورة المياه لم يزل .. أو كان من هؤلاء الذين يفضلون أن يكونوا آخر الداخلين إلى الفصل وحبذا لو لم يدخله أصلاً...
سريعاً تدحرجت أبلة سعاد قاصدة فصل ثالثة أول.. وفى عقبها قامت هبة.
" مش خبر بمليون جنيه والنبى؟" مالت على أذنها هبة لحظة مرورها بها فى الطرقة قبل أن تسبقها إلى فصل رابعة أول المجاور...
همست أبلة سعاد بدعاء الاستغفار وهى تستأنف خطوها كالسلحفاة بتلك الصعوبة التى تجدها كل الحوامل فى شهرهن التاسع...
بدت هبة مبتسمة كعادتها حين قرصتها أبلة سعاد لحظة وصولها الفصل وهى تخبرها أنها سوف تذهب إلى جهنم لو لم تمسك لسانها هذا عن الناس...
" آه منك يا هبة.. جميلة وقلبك أبيض.. بس لسانك عاوز قطعه" قالت أبلة سعاد بحرقة.
ليه بس يا أبلة .. أنا عملت حاجة؟" قالت هبة فى براءة مفتعلة.
" يا هبة يا بنتى ..ادخلى فصلك وشوفى شغلك.. وقصى لسانك عن الناس.. فكما تدين تدان" قالتها أبلة سعاد ناصحة من كل قلبها ثم توجهت إلى داخل الفصل.. بينما بقيت هبة واقفة بباب الفصل تتمنى فى نفسها لو أن كل البشر أصبحوا فى طيبة ونقاء قلب أبلة سعاد.
" رايح فين يا كابتن.. والأولاد دول" قالت هبة التى مازالت واقفة بباب الفصل.
" الحوش طبعا يا مس" قال الكابتن بينما لم يتوقف.
" فى الجو دا.. انت اتجننت يا حازم ولا ايه؟" تمتمت هبة فى نفسها ثم أغلقت باب الفصل خلفها.
زادت كآبة الطقس بالخارج .. وتسربت بعض الرياح الباردة المتربة إلى داخل الفصول والحجرات رغم إحكام غلق النوافذ الزجاجية.. وبدت الرؤية غير واضحة تماماً...
يعود حازم بتلاميذه يجرون أزيال الهزيمة فقد انتصر ذلك الجو البشع على رغباتهم الجامحة فى لعب.. كان حازم لديه بعض الأخبار عن الزميلة الجديدة.. وكانت هبة تنتظر مرور وقت الحصة بصبر نافد لسماع تلك الأخبار...
تصفع ورقة مكورة النافذة الزجاجية المغلقة فتحدث صوتاً عالياً يشبه الفرقعة.. تفغر هبة فاها وتضربه بكفها فزعاً.. ويضحك حازم الذى ذم أكتافه لحظه سماع الصوت وأعادهما على الفور...
" قولى بقى .. ايه الاخبار؟" قالت فى شغف.
" وصلنى بيان مفصل .. شوفى يا سيدتى" وجعل حازم يتلو بيانه...
" ياخبر إسود !" همست هبة ثم غابت عن الإدراك.
رأى حازم ان ينبهها لسماع تلك المعلومة الأخيرة والتى تخص مسقط رأسها وأهلها الذين يقتلون القتيل ويمشون فى جنازته...
ترتعد هبة حقيقة وترجو حازم أن يغلق فمه إلى الأبد ملقية بكل فضولها إلى الجحيم رافضة المزيد من المعلومات حتى التى بخصوص سبب نقلها إلى هنا كما أخبرها حازم.. لم تعد تريد سماع شئ على الإطلاق.. فهى رغم بشاشتها وحبها للمزاح والضحك أخشى ما تخشاه هو الأقاويل والوقوع فريسة لمثل هذه الشخصيات الموتورة...
وتمر أمانى مدرسة الموسيقى مع الريح المتربة تضع منديلاً ورقياً على فيها وبعض وجهها تتقى به التراب.. وتستوقفها هبة لتأخذها معها بعيداً...
" خلصتو نميمة خلاص؟" تقول أمانى مازحة.. بينما تصمت هبة على غير العادة .. ووجهها البشوش دائماً غدا مكفهراً كئيباً كسحابة شتوية قاتمة.. تدرك أمانى أنه لابد هناك شيئاَ أعظم من كل سخافات حازم هو الذى جعلها تبدو هكذا.. وقد عرفت السر...
تتأبط أمانى ذراع هبة.. تسيران سوياً صوب حجرة الموسيقى بينما يدوى صوت رعيد كانفجار هائل.. يكيل اللعنات والشتائم القبيحة على رأس مسئولى الإدارة التعليمية والوزير وأبلة سعاد وعائلتها إلى الجد العاشر وربما التاسع عشر...
" أبلة سعاد.. أبلة سعاد!" تصرخ هبة وأمانى فى صوت واحد.
" دلوقت بس عرفت سبب النقل يا حازم" تمتمت هبة فى نفسها.
تكدس الجميع فى مكان الانفجار الصوتى والمرأة " المعلمة" تطوح بكلتا يديها فى الهواء وتتلفظ
بعباراتها القبيحة الخادشة للحياء لم تزل...
" الإسعاف يا جماعة.. الإسعاف بسرعة" صاحت أمل باكية.
تنكب هبة تقبل وجه ويد أبلة سعاد الغائبة عن الوعى وهى تصيح فى هستيريا متسائلة عما حدث.. تحتضنها أمانى وهى تربت على ظهرها هامسة " بل لم يحدث شىء على الاطلاق" وترفع يدها بمنديل ورقى تجفف دموعها الغزيرة...
تهدأ العاصفة الترابية بالخارج شيئاً.. وتدير الدنيا للناس وجهاً آخر من أوجهها العديدة المقرفة.. ترعد وتبرق كأنما تهدد البشر بمزيد من الأوجاع .. ويُسمع لسيول المطر صوت يشبه لسع سياط حامية على ظهر عبد آبق.

الثلاثاء، 12 مايو 2009

ادينــــــــــــا نعلمـــــــــــــه


من العتاب الجارح
يا قلبى ارحمه
ما دام نقدر نسامح
ادينا نعلمه
بُعدك دا والغياب
لا سؤال ولا جواب
هو أكبر عتاب
لقلب تقدمه
مش خوف عليه يا قلبى
أبداً من الألم
ولا أمل فى قلبه
يعيش لحظة ندم
لكن كلى أمانى
ينسى يكون أنانى
لو صادف قلب تانى
وفكَّر يظلمه
وبعدك دا والغياب
لا سؤال ولا جواب
هو اكبر عتاب
لقلب تقدمه
يفيد بإيه عتاب
ولا يفيد ندم
لقلب زيك انتا
يا قلبى اتظلم
ياما يا قلبى الهروب
كان للأحزان غروب
وكتير ريَّح قلوب
من هم بتحمله
يبقى ليه العتاب
يا قلبى والعذاب
مادام ناوى الغياب
ومنك
تحرمه
دا بُعدك دا والغياب
لا سؤال ولا جواب
هو أكبر عتاب
لقلب تقدمه

رباعيات


أوقـــــات أفوق
و يحل عني غبــــــــــايا

واشعر كأني فهمت
كل الخبايـــــــــــا

و افتح شفايفي
علشــــــان اقول الدرر

ما أقولش غير
حبة غزل في الصبايــــا

عجبي !!!

السبت، 9 مايو 2009

وصايا حكيم لابنه


بني
لكي تكون ملكا مهابا بين الناس ..
إياك أن تتكلم في الأشياء
إلا بعد أن تتأكد من صحة المصدر

وإذا جاءك أحد بنبأ فتبين قبل أن تتهور...
وإياك والشائعة

لا تصدق كل ما يقال ولا نصف ما تبصر ..
وإذا ابتلاك الله بعدو
قاومه بالإحسان إليه .. ادفع بالتي هي أحسن ..فإن العداوة تنقلب حباً
و إذا أردت أن تكتشف صديقاً .. سافر معه ..
ففي السفر .. ينكشف الإنسان ..يذوب المظهر ..
وينكشف المخبر ! ولماذا سمي السفر سفراً ؟؟؟
إلا لأنه عن الأخلاق والطبائع يُسفر
وإذا هاجمك الناس وأنت على حق
أو قذعوك بالنقد فافرح ..إنهم يقولون لك .. أنت ناجح ومؤثر
فالكلب الميت.. لا يُركل
ولا يُرمى إلا الشجر المثمر !
بني
عندما تنتقد أحداً .. فبعين النحل تعود أن تبصر
ولا تنظر للناس بعين ذباب .. فتقع على ما هو مستقذر !
نم باكراً يا بني .. فالبركة في الرزق صباحاً
وأخاف أن يفوتك رزق الرحمن .. لأنك.. تسهر !
وسأحكي لك قصه المعزة والذئب حتى لا تأمن من يمكر ..
وحينما يثق بك أحد فإياك ثم إياك أن تغدر
سأذهب بك لعرين الأسد .. وسأعلمك أن الأسد لم يصبح ملكاً للغابة لأنه يزأر!
ولكن لأنه .. عزيز النفس ! لا يقع على فريسة غيره
مهما كان جائعاً .. يتضور
لا تسرق جهد غيرك .. فتتجور !
سأذهب بك للحرباء .. حتى تشاهد بنفسك حيلتها !
فهي تلون جلدها بلون المكان .. لتعلم أن مثلها نسخ ... تتكرر !
وأن هناك منافقين .. وهناك أناس بكل لباس تتدثر
وبدعوى الخير .. تتستر !
تعود يا بني .. أن تشكر
اشكر الله !يكفي أنك تمشي
وتسمع .. وتبصر !
أشكر الله وأشكر الناس .. فالله يزيد الشاكرين
والناس تحب الشخص الذي عندما تبذل له .. يقدر
اكتشفت يا بني .. أن أعظم فضيلة في الحياة.. الصدق
وأن الكذب وإن نجى .. فالصدق أخلق !
بمن كان مثلك!
بني ...وفر لنفسك بديلاً لكل شيء ... استعد لأي أمر !
حتى لا تتوسل لنذل .. يذل ويحقر !
واستفد من كل الفرص
لأن الفرص التي تأتي الآن .. قد لا تتكرر !
لا تتشكى ولا تتذمر
أريدك متفائلاً .. مقبلاً على الحياة
اهرب من اليائسين والمتشائمين
وإياك أن تجلس مع رجل يتطير !
لا تتشمت ولا تفرح بمصيبة غيرك
و إياك أن تسخر من شكل أحد
فالمرء لم يخلق نفسه
ففي سخريتك .. أنت في الحقيقة تسخر
من صنع الذي أبدع وخلق وصور
لا تفضح عيوب الناس .. فيفضحك الله في دارك
فالله الساتر .. يحب من يستر !
ولا تظلم أحداً ..وإذا دعتك قدرتك على ظلم الناس
فتذكر أن الله هو الأقدر !
وإذا شعرت بالقسوة يوماً
فامسح على رأس يتيم ..ولسوف تدهش
كيف للمسح أن يمسح القسوة من القلب .. فيتفطر
لا تجادل .. في الجدل .. كلا الطرفين يخسر !
فإذا انهزمنا فقد خسرنا كبرياءنا نحن !
وإذا فزنا فلقد خسرنا .. الشخص الآخر
.قد انهزمنا كلنا .. الذي انتصر .. والذي ظن أنه لم يُنصر !
لا تكن أحادي الرأي .. فمن الجميل أن تؤثر وتتأثر
لكن إياك أن تذوب في رأي الآخرين ...
وإذا شعرت بأن رأيك .. مع الحق ..فاثبت عليه ولا تتأثر !
تستطيع يا بني أن تغير قناعات الناس .
وأن تستحوذ على قلوب الناس وهي لا تشعر !
ليس بالسحر ولا بالشعوذة
فبابتسامتك .. وعذوبة لفظك ...تستطيع بهما أن تسحر !!
ابتسم ...
فسبحان من جعل الابتسامة في ديننا.. (عبادة) وعليها نؤجر !
في الصين ….. إن لم تبتسم لن يسمحوا لك أن تفتح متجر
إن لم تجد من يبتسم لك .. ابتسم له أنت !
فإذا كان ثغرك بالبسمة يفتر ... بسرعة .. تتفتح لك القلوب لتعبر !!
وحينما يقع في قلب الناس نحوك شك
دافع عن نفسك .. وضح .. برر
لا تكن فضولياً تدس أنفك في كل أمر ...
تقف مع من وقف إذا الجمهور تجمهر !!

بني ..ترفع عن هذا .. إنه يسوءني هذا المنظر !!
لا تحزن يا بني على ما في الحياة !
فما خلقنا فيها إلا لنمتحن ونبتلى ..حتى يرانا الله .. هل نصبر ؟؟؟
لذلك ....هون عليك ...ولا تتكدر
وتأكد بأن الفرج قريب
فإذا اشتد سواد السحب .. فعما قليل ستمطر !!
لا تبك على الماضي .. فيكفي أنه مضى
فمن العبث أن نمسك نشارة الخشب ... وننشر !!
أنظر للغد .. استعد .. شمّر !!
كن عزيزاً .. وبنفسك افخر !
فكما ترى نفسك سيراك الآخرون
فإياك لنفسك يوماً أن تحقر !
فأنت تكبر حينما تريد أن تكبر
وأنت فقط من يقرر أن يصغر
وإذا أردت إصلاح الكون برمته .. سأقول لك ...لا.... أرجوك !
لا نريد أن نفقد الشر
تخيل أن الكون من غير غشاشين ؟ومن غير كذابين ...
كيف سيعيش الشرفاء ؟؟
ومن أين نجني الحسنات؟؟
وكيف سنكون نحن ...
الأميز والأشهر