الأربعاء، 5 أغسطس 2009

محضر إشغال حياة - قصة قصيرة



ترددت بين جنبات قلبه كلمات.. كان قد نسيها منذ أمد بعيد.. لحظة أن أخبره السجَّان بالعفو..
كلمات اعتصرت لها روحه يوم اقتياده إلى غياهب المجهول..
" لم أذنب" تذكر صيحاته التى كانت ترج قاعة المحكمة...
"اسكت" تذكر أيضاً الصيحات المضادة...
حكمت المحكمة بالمؤبد خمسة وعشرين عاماً...
" برىء" يصيح فى جنون...
" امنع الكلام" تتوعده الأصوات الغليظة بالويل والثبور.. وعظائم الأمور...
" مظلوم" ترتج قاعة المحكمة...
"برييييييييييييييء" يدوى الصوت فى آذان الكون...
أكل عليه الدهر وشرب.. أضناه الأنين والألم واعتصرته الحيرة والتساؤلات...
اليوم فقط سمحوا له بالكلام.. بل أكثر من ذلك بكثير.. بشئ لم يعد يحلم به.. أعطوه تأشيرة خروج إلى العالم الواسع من جديد.. اليوم؟ اليوم؟!
ما أبعد الأمس عن اليوم.. وما أبعد اليوم عن الأمس.. بُعدٌ يمتد طويلاً كأنه اللانهاية .. وما بين أوائل الشباب النضير الغض والآمال العريضات وورود الحب .. وبين الوقوف منكسراً على أعتاب الشيخوخة يحاول يائساً إحياء الروح والقلب.. مرحلة عمرية اختُزلت .. وأمنيات عزيزات بلا ذنب سُحقت......
بالأمس البعيد فارق صديقاً وحبيبة.. وأناساً كثيرين كان يعرفهم...
واليوم.. هل هم فى شوقٍ إليه كما يذوب هو شوقاً إليهم؟ هل مازالوا يذكرونه أصلاً؟!
فكر أين يذهب؟ ودون تردد قادته قدماه إلى صفوة أيام عمره ومهد صباه...
" أنا ابراهيم يا معلمة .. ألا تذكرينى؟!" قال بنصف ابتسامة أسعفته بها ذاكرته من الزمان الجميل متوهماً أنه مازال بالإمكان استرجاع بعض أوقاته الصافية...
" ابراهيم .. اسماعيل.. كله زى بعضه" ردت المعلمة نوسة بلا مبالاة وضجر...
" عندك حق.. سنين طويلة فاتت.. عمر تانى!" قال متحسراً على سنوات عمره التى أهدرت وراء القضبان ثمناً لجريمة لم يرتكبها وضاعت أدراج الرياح...
بحثت المعلمة نوسة فى ذاكرتها طويلاً دون جدوى.. فجأة هزت رأسها " ظننتهم أعدموك!" قالتها دون اكتراث...
" اليوم فقط خرجت" قال منتوياً أن يروى لها بقية القصة...
وقبل أن يكمل كلامه أشاحت بوجهها غير عابئة.. وجعلت ترتب فى أشياء عن يسارها أصابتها الفوضى...
تغيرت المعلمة نوسة.. تغضن الوجه النضير..علت قسماته تكشيرة عتيقة كأن عمرها ألف عام.. جف لطفها.. غاض كرمها.. وراح إلى غير رجعة ودها.. لم تعزم عليه بكوب شاى.. ولا بسيجارة كما كانت تفعل فى الماضى.. زمان كانت حبوبة.. بشوشة لطيفة...
" رجعت إلى هنا وجدتهم هدموا البيت.. لم يعد له أثر.. ونهبوا ما فيه" همس مهزوماً...
" لم يكن لديك شىء يطمع فيه أحد.. كراكيب وهلاهيل قديمة.. وصندوق صغير حفظته عندى.. مقفول كما هو ولا أعرف ما به" قالت ولم تزل غير مهتمة أو عابئة...
تهلل وجهه فرحاً.. وانبسطت قسماته التى دامت كئيبة منقبضة منذ أن ابتلعته ظلمات السجن.. تحسس شعره الناعم الذى وخطه المشيب وتطاير معظمه مع السنين...
" عندك بالفعل؟!" همس مبتسما غير مصدق.. ثم تاه فى الزمان البعيد...
"هيييه .. روحت فين يا أخينا؟!" أشاحت فى وجهه صائحة...
وبينما كانت تهم بإحضار الصندوق من مكمنه فى باطن الأرض بأحد أركان الكشك الخشبى العتيق استحلفها أن تبقيه لديها بضعة أيام أخرى .. حتى يستقر فى مكان وسيأتى ليأخده شاكراً تفضلها بحفظه...
" كفياك رغى بقى.. يلا روح لحال سبيلك.. صدعتنى" قالت ضجرة منفعلة...
تغير كل شىء.. مبان جديدة.. وجوه جديدة.. تاهت قدماه على الطرقات التى طالما عانقتها فى ليالى القمر.. وتحت رذاذ المطر..لا يصدق عينيه لم يزل.....
لم يعد للقمر مكان فى سماء تلك الكتل الخرسانية العالية .. تغير كل شىء..هو وحده الذى لم يتغير...
تمهَّل أمام البناء الجديد الجاثم على صدر بيته القديم.. طوب وأعمده خرسانية.. حزن على أشياءه المدفونة تحته.. تذكر حبه الأول .. وقصتة الوردية مع حبيبته.. هل دفنوها أيضاً؟!
أخذ يهرول بلا هدى هارباً من ذكرياته التى باتت تكتم أنفاسه وتكاد تخنقه.. يدوس فى كل خطوة حلماً وردياً من أحلام زمانه الأول...
اختفى من سماء عمره القمر.. كما اختفى من سماء القرية.. طُمس الفناء الواسع .. الذى طالما لعب فيه الكرة مع رفقاء عمره.. ذُبحت شجرة الفل الكبيرة التى كانت تلقى بظلالها على أحلامهم الجميلة.. سُحقت أغصانها النضيرة وانمحى وسط سواد القلوب والأيام بياض زهورها البهية وتسربت عبر ثنايا العدم عبيرها مع روائح الزمن الجميل......
ضاع كل شئ.. تغير كل شئ.. هو وحده الذى لم يتغير.....
تبدلت ضحكة المعلمة نوسة.. تحول صوتها المجلجل إلى واهن ملول.. انقلبت سحنتها ..عبوسة هى مكفهرة على الدوام.. اليوم هى غريبة جداً.. كأنه لم يعرفها من قبل.. وكأنها لم تعرفه يوماً...
عشق الفلسفة منذ أن درسها فى المرحلة الثانوية.. فكأنما وجد ضالته فى تلك المادة العجيبة.. عكف على تفاصيلها وتفوق فيها...
لم يكن محمود رفيق عمره مقتنعاً بأفكاره أو مؤيداً لها فى يوم من الأيام.. لكنه كان يحترمه جداً.. ويقدر طبيعته النقية المتطلعة إلى كل ما هو راقٍ ونبيل.. وهو الذى أطلق عليه لقب سقراط الذى ذاع بعد ذلك.. لدرجة أن الجميع نسى اسمه الحقيقى ...
كان صعباً جداً علي محمود مواصلة الحياة بدونه.. لكنه واصلها على أية حال.. ومع كر السنين نسى تماماً أن هناك خلف القضبان سقراط.. كان يقاسمه الهواء الذى يتنفسه ذات يوم.....
بيد أن السجين بات يعُد اللحظات.. ويخط من دمه على جدران الزنزانة.. من أجل هذا اليوم الذى خرج فيه ولم يتذكره أحد أو يعيره اهتماماً.. من أول المعلمة نوسة التى نسيته تماماً وعاملته بجفاء وغلظة.. إلى بيته الذى تنكرت له أساساته القديمة المدكوكة تحت ذلك البناء الكالح.. والقمر الذى هجر سماء القرية التى كانت صافية مثل قلوب أهلها الذين كانوا...
" تزوجت الحبيبة" قال له محمود فى الزيارة الوحيدة التى تذكره بها ثم غاب بعدها الى الأبد.....
لم يكن ضمن أحلامه أن يجدها فى انتظاره.. أو حتى تتذكره بدعوة عابرة لحضور زفاف ابنتها الكبرى بعد يومين...
فقط قنع بالمرور بالديار.. والوقوف بالأطلال.. واسترجاع تلك الأيام الخوالى .. التى تيقن الآن فقط أنها لن تعود......
ولن يُصدم غداً عندما يفاجأ بأقاربه وقد حرروا له محضر إشغال حياة وطالبوا بإزالة أنقاضه من على وجه الأرض وإخلاء الحيز الذى يشغله هذا الهيكل فى حياتهم والمتخم بمثاليات بالية لا مكان لها بينهم ولا فى زمنهم من حال الأصل .......
ضاع كل شىء.. تغير كل شىء .. هو وحده الذى لم يتغير.. وصندوق تذكاراته الذى أنقذته المعلمة نوسة فى نوبة شهامة ندمت عليها بمرور الوقت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق