شيئاً شيئاً تهدأ العاصفة الترابية التى يثيريها يومياً فى نفس الموعد عامل النظافة الأرعن.. والتى تزحف حثيثاً إلى فناء المدرسة الإبتدائية المجاورة للمنطقة المكلف بنظافتها...
ينظر خلال النوافذ العريضة ذات القضبان الحديدية للفصول وحجرات الإدارة.. ربما ليطمئن على وصول شىء من عاصفته لهؤلاء القابعين خلف الجدران.. الناعمين فى اعتقاده بآدميتهم دونه...
" كلنا ولاد تسعة يا بشر" يقولها ثم يختفى عبر دوامة التراب والورق المتطاير.
اليوم بدت العاصفة شديدة جداً.. فاليوم خماسينى مترب ولا يبدو لعواصفه المتلاحقة هدوء.. الشمس محتجبة خلف سحابات ضبابية باهتة.. صوراً مصفرة كالحة تنعكس على العيون للفراغات وواجهات المبانى كوجه مريض يتشبث عبثاً بالحياة...
شجرة على حافة الرصيف أمام المدرسة.. تتمايل أغصانها يمنة ويسرة بشدة مع الريح.. تتشبث باستماتة بأوراقها الغضة النضيرة...
هناك على البعد من الجانب الأيسر تتهادى أصوات طالبات المدرسة الإعدادية جميلة منغمة من حجرة الموسيقى.. وفى الخلف عمارات شاهقة متراصة فى صفوف...
بالداخل حديقة المدرسة الصغيرة بأقصى اليمين.. تتراقص شجيرات الكوكيا الرائعة زهواً .. فى حين تُقبل أعواد الورد البلدى الأرض ثم تنهض متثاقلة أو مسرعة حسب سرعة الرياح وبطئها .. وترنو بصيلات النرجس متخابثة إلى زهور الياسمين.. بينما يوشوش القرنفل البنفسج ملياً كأن سراً أبدياً بينما يخشيان إذاعته بين الزهور.. فى حين تتهادى وسط الجميع مشاية مزروعة بالنجيل الأخضر المائل إلى زرقة تنتهى إلى شجرة فل كبيرة جداً بحجم قلب الأم...
تتناثر هنا وهناك على امتداد الحديقة الصغيرة بعض شجيرات الليمون والبرتقال والجوافة وشجرة مانجو وحيدة تُرى أعشاش الطيور خلال أغصانها العالية...
على البوابة الرئيسية للمبنى تقف سيدة فى العقد الرابع من عمرها تضيف البقع البنية الداكنة المنتشرة على وجهها الضامر شديد الاسمرار بضعة سنوات أخرى إلى سنها الحقيقى.. تكاد تنفجر عروق خضراء منتفخة تكون ما يشبة الخريطة الجغرافية على ظهر كفيها.. تتطاير ملابسها فى اتجاه الريح الواقفة فى مواجهتها وقد كشفت عن ركبتين سمراوين مدببتين فانكفأت تضغط ملابسها المتطايرة براحتيها النحيفتين وتسأل عن حجرة المدير...
الأستاذة "شمس" قدمها المدير لأول مدرس ساقته الأقدار إليهما...
" زميلة جديدة" أضاف مستدركاً ثم ساد الصمت للحظات.
" حرام عليك يا حضرة المدير.. دى كوكب زحل" تمتم بها من تحت أضراسه مدرس التربية الرياضية ثم رفع صوته مرحباً بالزميلة الجديدة بكلمات يوحى إيقاعها بأنها تُقال فى سرادق عزاء.. واستدار مسرعاً نحو أى اتجاه يمكنه من الخروج فى أقرب لحظة.. وابتلعته طرقة جانبية فلم يعد يُرى مطلقاً ولا يُسمع لوقع أقدامه صدى...
" حاسب يا كابتن حازم" صاحت مدرسة اللغة الإنجليزية وهى تنتحى جانباً بسرعة خاطفة من أمام تلك الجرافة البشرية التى تجتاح كل ما يصادفها...
" آسف.. آسف يا مس هبة" قالها الكابتن الجرافة مدرس التربية الرياضية وهو يلتفت كثيراً إلى الوراء...
" فيه ايه يا كابتن؟" سألت هبة بفضول كعادتها.
"هه؟" رد حازم وهو يلتفت إلى الخلف نحو الطرقة المؤدية إلى حجرة المدير.. دارت عيناه فى كل اتجاه ثم شرع من دون اشتئذان فى مد الخطى...
كررت هبة سؤالها كثيراً وهو يتمتم دون تركيز مشيراً عليها فى النهاية أن تكمل سيرها إلى منتهاه وسوف تكتشف بنفسها...
" لست على ما يرام أبداً.. بعد إذنك" قالت هبة ثم واصلت سيرها إلى حجرة المدير.
" مس هبة.. تيك كير" استدارات على بُعد عدة خطوات على هذا التحذير الذى مصدره كابتن حازم بالطبع.
" كوكب زحل" أردف بخفوت وهو يطوق فمه بكفيه.
" أيوا كدا ارجع لطبيعتك.. أصل الجد مش لايق عليك خالص" قالت هبة ثم مضت فى طريقها.. ترتسم على وجهها بقايا ضحكات طفولية رائقة.. لكنها تلاشت فى لحظة بمجرد أن دخلت مكتب المدير...
" كوكب زحل.. أه يا لئيم.. دلوقت بس فهمت" تمتمت فى سرها وران صمت مفاجىء.
" عندك حق والله يا حازم.. مفيش شىء مريح ابداً فى الست دى" أردفت فى سرها وهى تهرول فى ذات الطرقة التى مرق خلالها حازم منذ قليل...
تنتهى الطرقة فى الاتجاه المعاكس بحجرة التدبير المنزلى التى نادراً ما تُفتح.. وإلى جوارها حجرة التربية الفنية التى يُسمع فيها لغط كثيف للتلاميذ يغطى على همس الأستاذة أمل مدرسة المادة وكابتن حازم الواقف فى مقابلتها على الباب حين وصلت هبة مشوشة.. اندمج ثلاثتهم فى الحوار ناسين تماماً أنها حصة مثل كل الحصص لابد أن تؤدى بمنتهى الجدية والنظام...
" بعد الحصة يا أساتذة.. أجلوا هذا المؤتمر إلى الفسحة" قال مشرف اليوم الأستاذ عبد المنعم مدرس اللغة العربية أثناء مروره بالطرقة...
على السلم الخرسانى الداخلى لمبنى المدرسة وفى الطرقات يتكدس التلاميذ مهللين وصائحين.. يصعب المروق فى تلك الأثناء من بين هؤلاء الآدميين الصغار.. وقبل أن يحاول اختراق تجمعاتهم أحد المدرسين يتحتم عليه ان يشرع عصاه إلى الأمام ليُحدث فاصلاً ضيقاً بين هذه الأجساد المتلاحمة...
طاولة مستطيلة كبيرة تتوسط الغرفة الضيقة تحف بها المقاعد الخيزرانية.. وفى الزوايا عدة دواليب صاج لحفظ الكراسات والوسائل التعليمية...
على رأس الطاولة جلست هبة وعلى يمينها أمل ولم يُر الفراغ المفترض وجوده بين الفم الهامس والأذن المنصتة.. فبدت هبة كأنها تقضم أذن زميلتها وصديقتها الحميمة...
" اللهم اجعله خير.. يا ترى بتنمو على مين" جاء صوت مجهد متقطع الأنفاس من أقصى الطاولة مشغولة صاحبته بترتيب كراسات تلاميذها وتسويتها استعداداً لتصحيحها...
" أبلة سعاد.. أبلة سعاد ..خبر بمليون جنيه" قالت هبة.
" خير يا رب" قالت ابلة سعاد وهى تهز رأسها يميناً ويساراً.
" خير طبعاً يا أبلة .. هو احنا بنجيب غير كل خير" قالت أمل.
دعت الأستاذة سعاد مدرسة الحساب وهى تعتدل فى جلستها وتمسك بأولى الكراسات أن يمد الله فى عمرها حتى تراهما مثلها.. ثم تحسست بطنها المنتفخ ككرة الماء الكبيرة وهى تؤكد لهما أنه عندما تتزوجا لن يكون لديهما وقت لهذه النميمة.. فالزوج المناكف والأولاد لن يمهلوهما فرصة حتى للأكل"...
" وهو فيه حد زيك انت يا قمر.. يا أحن وأجمل أبلة سعاد فى الدنيا" قالت هبة وهى ترسل لها قبلة فى الهواء.
"ربنا يسعدكم يا بنات.. دى أيامكم عيشوها" ردت أبلة سعاد مبتسمة.
" ولكن خبر ايه؟" أردفت متسائلة كأنها قد نسيت.
" لا.. لابد تشوفى بنفسك" قالت هبة بخبث لذيذ.
" آه منك يا هبة .. اكيد عريس جديد" قالت منهمكة فى تصحيح كراساتها.
" ودا خبر يساوى حاجة.. قديمة" أكدت هبة.. بينما انكفأت أبلة سعاد على إحدى كراساتها وهى تتمتم ضيقاً من أولياء الأمور الذين يتركون العبء كله على المدرس.. ولم ترفع رأسها مرة أخرى إلا مع صوت جرس الحصة الذى طن معه صوت غريب على أسماعها يستأذن للجلوس...
رحبت بها أبلة سعاد مجدداً عندما علمت أنها زميلة جديدة ومدرسة حساب أيضاً.. فها هى الإدارة قد استجابت أخيراً لحاجة المدرسة الملحة.. فليس غيرها هنا والعبء ثقيل عليها جداً...
" وأنا زى ما انت شايفة كدا حملى تقيل" أردفت ممازحة وهى تتحسس بطنها المنتفخ.
نهضت أبلة سعاد لحصتها فى تثاقل كأنما تجرجر أعضاءها من كل ركن.. تبدو الطرقات والسلالم خالية تماماً إلا من بعض التلاميذ القلائل.. يمرقون الواحد تلو الآخر فى خفة.. أو تثاقل حسب درجة نباهة التلميذ وحبه لتحصيل العلم.. منهم من تأخر فى اللعب بالفناء أو باغته الجرس وهو بدورة المياه لم يزل .. أو كان من هؤلاء الذين يفضلون أن يكونوا آخر الداخلين إلى الفصل وحبذا لو لم يدخله أصلاً...
سريعاً تدحرجت أبلة سعاد قاصدة فصل ثالثة أول.. وفى عقبها قامت هبة.
" مش خبر بمليون جنيه والنبى؟" مالت على أذنها هبة لحظة مرورها بها فى الطرقة قبل أن تسبقها إلى فصل رابعة أول المجاور...
همست أبلة سعاد بدعاء الاستغفار وهى تستأنف خطوها كالسلحفاة بتلك الصعوبة التى تجدها كل الحوامل فى شهرهن التاسع...
بدت هبة مبتسمة كعادتها حين قرصتها أبلة سعاد لحظة وصولها الفصل وهى تخبرها أنها سوف تذهب إلى جهنم لو لم تمسك لسانها هذا عن الناس...
" آه منك يا هبة.. جميلة وقلبك أبيض.. بس لسانك عاوز قطعه" قالت أبلة سعاد بحرقة.
ليه بس يا أبلة .. أنا عملت حاجة؟" قالت هبة فى براءة مفتعلة.
" يا هبة يا بنتى ..ادخلى فصلك وشوفى شغلك.. وقصى لسانك عن الناس.. فكما تدين تدان" قالتها أبلة سعاد ناصحة من كل قلبها ثم توجهت إلى داخل الفصل.. بينما بقيت هبة واقفة بباب الفصل تتمنى فى نفسها لو أن كل البشر أصبحوا فى طيبة ونقاء قلب أبلة سعاد.
" رايح فين يا كابتن.. والأولاد دول" قالت هبة التى مازالت واقفة بباب الفصل.
" الحوش طبعا يا مس" قال الكابتن بينما لم يتوقف.
" فى الجو دا.. انت اتجننت يا حازم ولا ايه؟" تمتمت هبة فى نفسها ثم أغلقت باب الفصل خلفها.
زادت كآبة الطقس بالخارج .. وتسربت بعض الرياح الباردة المتربة إلى داخل الفصول والحجرات رغم إحكام غلق النوافذ الزجاجية.. وبدت الرؤية غير واضحة تماماً...
يعود حازم بتلاميذه يجرون أزيال الهزيمة فقد انتصر ذلك الجو البشع على رغباتهم الجامحة فى لعب.. كان حازم لديه بعض الأخبار عن الزميلة الجديدة.. وكانت هبة تنتظر مرور وقت الحصة بصبر نافد لسماع تلك الأخبار...
تصفع ورقة مكورة النافذة الزجاجية المغلقة فتحدث صوتاً عالياً يشبه الفرقعة.. تفغر هبة فاها وتضربه بكفها فزعاً.. ويضحك حازم الذى ذم أكتافه لحظه سماع الصوت وأعادهما على الفور...
" قولى بقى .. ايه الاخبار؟" قالت فى شغف.
" وصلنى بيان مفصل .. شوفى يا سيدتى" وجعل حازم يتلو بيانه...
" ياخبر إسود !" همست هبة ثم غابت عن الإدراك.
رأى حازم ان ينبهها لسماع تلك المعلومة الأخيرة والتى تخص مسقط رأسها وأهلها الذين يقتلون القتيل ويمشون فى جنازته...
ترتعد هبة حقيقة وترجو حازم أن يغلق فمه إلى الأبد ملقية بكل فضولها إلى الجحيم رافضة المزيد من المعلومات حتى التى بخصوص سبب نقلها إلى هنا كما أخبرها حازم.. لم تعد تريد سماع شئ على الإطلاق.. فهى رغم بشاشتها وحبها للمزاح والضحك أخشى ما تخشاه هو الأقاويل والوقوع فريسة لمثل هذه الشخصيات الموتورة...
وتمر أمانى مدرسة الموسيقى مع الريح المتربة تضع منديلاً ورقياً على فيها وبعض وجهها تتقى به التراب.. وتستوقفها هبة لتأخذها معها بعيداً...
" خلصتو نميمة خلاص؟" تقول أمانى مازحة.. بينما تصمت هبة على غير العادة .. ووجهها البشوش دائماً غدا مكفهراً كئيباً كسحابة شتوية قاتمة.. تدرك أمانى أنه لابد هناك شيئاَ أعظم من كل سخافات حازم هو الذى جعلها تبدو هكذا.. وقد عرفت السر...
تتأبط أمانى ذراع هبة.. تسيران سوياً صوب حجرة الموسيقى بينما يدوى صوت رعيد كانفجار هائل.. يكيل اللعنات والشتائم القبيحة على رأس مسئولى الإدارة التعليمية والوزير وأبلة سعاد وعائلتها إلى الجد العاشر وربما التاسع عشر...
" أبلة سعاد.. أبلة سعاد!" تصرخ هبة وأمانى فى صوت واحد.
" دلوقت بس عرفت سبب النقل يا حازم" تمتمت هبة فى نفسها.
تكدس الجميع فى مكان الانفجار الصوتى والمرأة " المعلمة" تطوح بكلتا يديها فى الهواء وتتلفظ
بعباراتها القبيحة الخادشة للحياء لم تزل...
" الإسعاف يا جماعة.. الإسعاف بسرعة" صاحت أمل باكية.
تنكب هبة تقبل وجه ويد أبلة سعاد الغائبة عن الوعى وهى تصيح فى هستيريا متسائلة عما حدث.. تحتضنها أمانى وهى تربت على ظهرها هامسة " بل لم يحدث شىء على الاطلاق" وترفع يدها بمنديل ورقى تجفف دموعها الغزيرة...
تهدأ العاصفة الترابية بالخارج شيئاً.. وتدير الدنيا للناس وجهاً آخر من أوجهها العديدة المقرفة.. ترعد وتبرق كأنما تهدد البشر بمزيد من الأوجاع .. ويُسمع لسيول المطر صوت يشبه لسع سياط حامية على ظهر عبد آبق.
ينظر خلال النوافذ العريضة ذات القضبان الحديدية للفصول وحجرات الإدارة.. ربما ليطمئن على وصول شىء من عاصفته لهؤلاء القابعين خلف الجدران.. الناعمين فى اعتقاده بآدميتهم دونه...
" كلنا ولاد تسعة يا بشر" يقولها ثم يختفى عبر دوامة التراب والورق المتطاير.
اليوم بدت العاصفة شديدة جداً.. فاليوم خماسينى مترب ولا يبدو لعواصفه المتلاحقة هدوء.. الشمس محتجبة خلف سحابات ضبابية باهتة.. صوراً مصفرة كالحة تنعكس على العيون للفراغات وواجهات المبانى كوجه مريض يتشبث عبثاً بالحياة...
شجرة على حافة الرصيف أمام المدرسة.. تتمايل أغصانها يمنة ويسرة بشدة مع الريح.. تتشبث باستماتة بأوراقها الغضة النضيرة...
هناك على البعد من الجانب الأيسر تتهادى أصوات طالبات المدرسة الإعدادية جميلة منغمة من حجرة الموسيقى.. وفى الخلف عمارات شاهقة متراصة فى صفوف...
بالداخل حديقة المدرسة الصغيرة بأقصى اليمين.. تتراقص شجيرات الكوكيا الرائعة زهواً .. فى حين تُقبل أعواد الورد البلدى الأرض ثم تنهض متثاقلة أو مسرعة حسب سرعة الرياح وبطئها .. وترنو بصيلات النرجس متخابثة إلى زهور الياسمين.. بينما يوشوش القرنفل البنفسج ملياً كأن سراً أبدياً بينما يخشيان إذاعته بين الزهور.. فى حين تتهادى وسط الجميع مشاية مزروعة بالنجيل الأخضر المائل إلى زرقة تنتهى إلى شجرة فل كبيرة جداً بحجم قلب الأم...
تتناثر هنا وهناك على امتداد الحديقة الصغيرة بعض شجيرات الليمون والبرتقال والجوافة وشجرة مانجو وحيدة تُرى أعشاش الطيور خلال أغصانها العالية...
على البوابة الرئيسية للمبنى تقف سيدة فى العقد الرابع من عمرها تضيف البقع البنية الداكنة المنتشرة على وجهها الضامر شديد الاسمرار بضعة سنوات أخرى إلى سنها الحقيقى.. تكاد تنفجر عروق خضراء منتفخة تكون ما يشبة الخريطة الجغرافية على ظهر كفيها.. تتطاير ملابسها فى اتجاه الريح الواقفة فى مواجهتها وقد كشفت عن ركبتين سمراوين مدببتين فانكفأت تضغط ملابسها المتطايرة براحتيها النحيفتين وتسأل عن حجرة المدير...
الأستاذة "شمس" قدمها المدير لأول مدرس ساقته الأقدار إليهما...
" زميلة جديدة" أضاف مستدركاً ثم ساد الصمت للحظات.
" حرام عليك يا حضرة المدير.. دى كوكب زحل" تمتم بها من تحت أضراسه مدرس التربية الرياضية ثم رفع صوته مرحباً بالزميلة الجديدة بكلمات يوحى إيقاعها بأنها تُقال فى سرادق عزاء.. واستدار مسرعاً نحو أى اتجاه يمكنه من الخروج فى أقرب لحظة.. وابتلعته طرقة جانبية فلم يعد يُرى مطلقاً ولا يُسمع لوقع أقدامه صدى...
" حاسب يا كابتن حازم" صاحت مدرسة اللغة الإنجليزية وهى تنتحى جانباً بسرعة خاطفة من أمام تلك الجرافة البشرية التى تجتاح كل ما يصادفها...
" آسف.. آسف يا مس هبة" قالها الكابتن الجرافة مدرس التربية الرياضية وهو يلتفت كثيراً إلى الوراء...
" فيه ايه يا كابتن؟" سألت هبة بفضول كعادتها.
"هه؟" رد حازم وهو يلتفت إلى الخلف نحو الطرقة المؤدية إلى حجرة المدير.. دارت عيناه فى كل اتجاه ثم شرع من دون اشتئذان فى مد الخطى...
كررت هبة سؤالها كثيراً وهو يتمتم دون تركيز مشيراً عليها فى النهاية أن تكمل سيرها إلى منتهاه وسوف تكتشف بنفسها...
" لست على ما يرام أبداً.. بعد إذنك" قالت هبة ثم واصلت سيرها إلى حجرة المدير.
" مس هبة.. تيك كير" استدارات على بُعد عدة خطوات على هذا التحذير الذى مصدره كابتن حازم بالطبع.
" كوكب زحل" أردف بخفوت وهو يطوق فمه بكفيه.
" أيوا كدا ارجع لطبيعتك.. أصل الجد مش لايق عليك خالص" قالت هبة ثم مضت فى طريقها.. ترتسم على وجهها بقايا ضحكات طفولية رائقة.. لكنها تلاشت فى لحظة بمجرد أن دخلت مكتب المدير...
" كوكب زحل.. أه يا لئيم.. دلوقت بس فهمت" تمتمت فى سرها وران صمت مفاجىء.
" عندك حق والله يا حازم.. مفيش شىء مريح ابداً فى الست دى" أردفت فى سرها وهى تهرول فى ذات الطرقة التى مرق خلالها حازم منذ قليل...
تنتهى الطرقة فى الاتجاه المعاكس بحجرة التدبير المنزلى التى نادراً ما تُفتح.. وإلى جوارها حجرة التربية الفنية التى يُسمع فيها لغط كثيف للتلاميذ يغطى على همس الأستاذة أمل مدرسة المادة وكابتن حازم الواقف فى مقابلتها على الباب حين وصلت هبة مشوشة.. اندمج ثلاثتهم فى الحوار ناسين تماماً أنها حصة مثل كل الحصص لابد أن تؤدى بمنتهى الجدية والنظام...
" بعد الحصة يا أساتذة.. أجلوا هذا المؤتمر إلى الفسحة" قال مشرف اليوم الأستاذ عبد المنعم مدرس اللغة العربية أثناء مروره بالطرقة...
على السلم الخرسانى الداخلى لمبنى المدرسة وفى الطرقات يتكدس التلاميذ مهللين وصائحين.. يصعب المروق فى تلك الأثناء من بين هؤلاء الآدميين الصغار.. وقبل أن يحاول اختراق تجمعاتهم أحد المدرسين يتحتم عليه ان يشرع عصاه إلى الأمام ليُحدث فاصلاً ضيقاً بين هذه الأجساد المتلاحمة...
طاولة مستطيلة كبيرة تتوسط الغرفة الضيقة تحف بها المقاعد الخيزرانية.. وفى الزوايا عدة دواليب صاج لحفظ الكراسات والوسائل التعليمية...
على رأس الطاولة جلست هبة وعلى يمينها أمل ولم يُر الفراغ المفترض وجوده بين الفم الهامس والأذن المنصتة.. فبدت هبة كأنها تقضم أذن زميلتها وصديقتها الحميمة...
" اللهم اجعله خير.. يا ترى بتنمو على مين" جاء صوت مجهد متقطع الأنفاس من أقصى الطاولة مشغولة صاحبته بترتيب كراسات تلاميذها وتسويتها استعداداً لتصحيحها...
" أبلة سعاد.. أبلة سعاد ..خبر بمليون جنيه" قالت هبة.
" خير يا رب" قالت ابلة سعاد وهى تهز رأسها يميناً ويساراً.
" خير طبعاً يا أبلة .. هو احنا بنجيب غير كل خير" قالت أمل.
دعت الأستاذة سعاد مدرسة الحساب وهى تعتدل فى جلستها وتمسك بأولى الكراسات أن يمد الله فى عمرها حتى تراهما مثلها.. ثم تحسست بطنها المنتفخ ككرة الماء الكبيرة وهى تؤكد لهما أنه عندما تتزوجا لن يكون لديهما وقت لهذه النميمة.. فالزوج المناكف والأولاد لن يمهلوهما فرصة حتى للأكل"...
" وهو فيه حد زيك انت يا قمر.. يا أحن وأجمل أبلة سعاد فى الدنيا" قالت هبة وهى ترسل لها قبلة فى الهواء.
"ربنا يسعدكم يا بنات.. دى أيامكم عيشوها" ردت أبلة سعاد مبتسمة.
" ولكن خبر ايه؟" أردفت متسائلة كأنها قد نسيت.
" لا.. لابد تشوفى بنفسك" قالت هبة بخبث لذيذ.
" آه منك يا هبة .. اكيد عريس جديد" قالت منهمكة فى تصحيح كراساتها.
" ودا خبر يساوى حاجة.. قديمة" أكدت هبة.. بينما انكفأت أبلة سعاد على إحدى كراساتها وهى تتمتم ضيقاً من أولياء الأمور الذين يتركون العبء كله على المدرس.. ولم ترفع رأسها مرة أخرى إلا مع صوت جرس الحصة الذى طن معه صوت غريب على أسماعها يستأذن للجلوس...
رحبت بها أبلة سعاد مجدداً عندما علمت أنها زميلة جديدة ومدرسة حساب أيضاً.. فها هى الإدارة قد استجابت أخيراً لحاجة المدرسة الملحة.. فليس غيرها هنا والعبء ثقيل عليها جداً...
" وأنا زى ما انت شايفة كدا حملى تقيل" أردفت ممازحة وهى تتحسس بطنها المنتفخ.
نهضت أبلة سعاد لحصتها فى تثاقل كأنما تجرجر أعضاءها من كل ركن.. تبدو الطرقات والسلالم خالية تماماً إلا من بعض التلاميذ القلائل.. يمرقون الواحد تلو الآخر فى خفة.. أو تثاقل حسب درجة نباهة التلميذ وحبه لتحصيل العلم.. منهم من تأخر فى اللعب بالفناء أو باغته الجرس وهو بدورة المياه لم يزل .. أو كان من هؤلاء الذين يفضلون أن يكونوا آخر الداخلين إلى الفصل وحبذا لو لم يدخله أصلاً...
سريعاً تدحرجت أبلة سعاد قاصدة فصل ثالثة أول.. وفى عقبها قامت هبة.
" مش خبر بمليون جنيه والنبى؟" مالت على أذنها هبة لحظة مرورها بها فى الطرقة قبل أن تسبقها إلى فصل رابعة أول المجاور...
همست أبلة سعاد بدعاء الاستغفار وهى تستأنف خطوها كالسلحفاة بتلك الصعوبة التى تجدها كل الحوامل فى شهرهن التاسع...
بدت هبة مبتسمة كعادتها حين قرصتها أبلة سعاد لحظة وصولها الفصل وهى تخبرها أنها سوف تذهب إلى جهنم لو لم تمسك لسانها هذا عن الناس...
" آه منك يا هبة.. جميلة وقلبك أبيض.. بس لسانك عاوز قطعه" قالت أبلة سعاد بحرقة.
ليه بس يا أبلة .. أنا عملت حاجة؟" قالت هبة فى براءة مفتعلة.
" يا هبة يا بنتى ..ادخلى فصلك وشوفى شغلك.. وقصى لسانك عن الناس.. فكما تدين تدان" قالتها أبلة سعاد ناصحة من كل قلبها ثم توجهت إلى داخل الفصل.. بينما بقيت هبة واقفة بباب الفصل تتمنى فى نفسها لو أن كل البشر أصبحوا فى طيبة ونقاء قلب أبلة سعاد.
" رايح فين يا كابتن.. والأولاد دول" قالت هبة التى مازالت واقفة بباب الفصل.
" الحوش طبعا يا مس" قال الكابتن بينما لم يتوقف.
" فى الجو دا.. انت اتجننت يا حازم ولا ايه؟" تمتمت هبة فى نفسها ثم أغلقت باب الفصل خلفها.
زادت كآبة الطقس بالخارج .. وتسربت بعض الرياح الباردة المتربة إلى داخل الفصول والحجرات رغم إحكام غلق النوافذ الزجاجية.. وبدت الرؤية غير واضحة تماماً...
يعود حازم بتلاميذه يجرون أزيال الهزيمة فقد انتصر ذلك الجو البشع على رغباتهم الجامحة فى لعب.. كان حازم لديه بعض الأخبار عن الزميلة الجديدة.. وكانت هبة تنتظر مرور وقت الحصة بصبر نافد لسماع تلك الأخبار...
تصفع ورقة مكورة النافذة الزجاجية المغلقة فتحدث صوتاً عالياً يشبه الفرقعة.. تفغر هبة فاها وتضربه بكفها فزعاً.. ويضحك حازم الذى ذم أكتافه لحظه سماع الصوت وأعادهما على الفور...
" قولى بقى .. ايه الاخبار؟" قالت فى شغف.
" وصلنى بيان مفصل .. شوفى يا سيدتى" وجعل حازم يتلو بيانه...
" ياخبر إسود !" همست هبة ثم غابت عن الإدراك.
رأى حازم ان ينبهها لسماع تلك المعلومة الأخيرة والتى تخص مسقط رأسها وأهلها الذين يقتلون القتيل ويمشون فى جنازته...
ترتعد هبة حقيقة وترجو حازم أن يغلق فمه إلى الأبد ملقية بكل فضولها إلى الجحيم رافضة المزيد من المعلومات حتى التى بخصوص سبب نقلها إلى هنا كما أخبرها حازم.. لم تعد تريد سماع شئ على الإطلاق.. فهى رغم بشاشتها وحبها للمزاح والضحك أخشى ما تخشاه هو الأقاويل والوقوع فريسة لمثل هذه الشخصيات الموتورة...
وتمر أمانى مدرسة الموسيقى مع الريح المتربة تضع منديلاً ورقياً على فيها وبعض وجهها تتقى به التراب.. وتستوقفها هبة لتأخذها معها بعيداً...
" خلصتو نميمة خلاص؟" تقول أمانى مازحة.. بينما تصمت هبة على غير العادة .. ووجهها البشوش دائماً غدا مكفهراً كئيباً كسحابة شتوية قاتمة.. تدرك أمانى أنه لابد هناك شيئاَ أعظم من كل سخافات حازم هو الذى جعلها تبدو هكذا.. وقد عرفت السر...
تتأبط أمانى ذراع هبة.. تسيران سوياً صوب حجرة الموسيقى بينما يدوى صوت رعيد كانفجار هائل.. يكيل اللعنات والشتائم القبيحة على رأس مسئولى الإدارة التعليمية والوزير وأبلة سعاد وعائلتها إلى الجد العاشر وربما التاسع عشر...
" أبلة سعاد.. أبلة سعاد!" تصرخ هبة وأمانى فى صوت واحد.
" دلوقت بس عرفت سبب النقل يا حازم" تمتمت هبة فى نفسها.
تكدس الجميع فى مكان الانفجار الصوتى والمرأة " المعلمة" تطوح بكلتا يديها فى الهواء وتتلفظ
بعباراتها القبيحة الخادشة للحياء لم تزل...
" الإسعاف يا جماعة.. الإسعاف بسرعة" صاحت أمل باكية.
تنكب هبة تقبل وجه ويد أبلة سعاد الغائبة عن الوعى وهى تصيح فى هستيريا متسائلة عما حدث.. تحتضنها أمانى وهى تربت على ظهرها هامسة " بل لم يحدث شىء على الاطلاق" وترفع يدها بمنديل ورقى تجفف دموعها الغزيرة...
تهدأ العاصفة الترابية بالخارج شيئاً.. وتدير الدنيا للناس وجهاً آخر من أوجهها العديدة المقرفة.. ترعد وتبرق كأنما تهدد البشر بمزيد من الأوجاع .. ويُسمع لسيول المطر صوت يشبه لسع سياط حامية على ظهر عبد آبق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق