
استشاط مدير المستشفى العام غضباً وزعق بأعلى صوت.. بمجرد أن أخبره المواطن الشاب أنه مضرب عن الطعام ولجأ إلى المستشفى طلباً للرعاية الطبية بعد أن تدهورت حالته...
" بلاش كلام فارغ.. مفيش حاجة اسمها اضراب هنا.. انت فاكر نفسك فين .. فى امريكا .. اطلع برة" صاح فى وجهه عابساً.
ورغم غضب المدير وثورته العارمة رفض المواطن الخروج من المستشفى وتمسك بحقه الدستورى الذى يعرفه جيداً.. وما كان من المدير إلا أن أمر عمال المستشفى فحملوا المواطن الشاب وألقوا به إلى الشارع...
بعد أيام قلائل وبعد أن ازدادت صحته تدهوراً عاد نفس المواطن مطالباً بذات الحق الدستورى مدعماً بخطاب من جهة معنية بدخوله المستشفى رغم أنف المدير وجوقته...
وفى العنبر الوحيد بقسم الباطنة قبع المواطن ما يقرب من الشهر مواصلا إضرابه عن الطعام.. شاب هو لم يتجاوز السابعة والعشرين من العمر...
بدا للطبيبة الشابة لحظة مرورها به فى أول يوم عمل لها بالمستشفى أطلال إنسان.. كأنه يحمل فوق كاهله سبعين خريفا.. هيكل خائر القوى.. شاحب الوجه.. زائغ العينين...
لم يكن ذلك الشاب لحظتها إلا صورة مجسدة لليأس فى أبشع صوره.. تكشف لها بكل صراحة كم أن هذا الزمان ردىء وكم أناسه عاجزون...
لم يكن سهلاً عليها أبداً رؤية إنسان على حافة الفناء ولا تملك مساعدته إلا ببعض الكلمات المستهلكة البالية.. والتى اعتاد الجميع ترديدها فى مثل هذه المواقف...
" امال فين المحاليل؟" خرجت عن صمتها متسائلة.
" هو رافض تماماً" ردت الممرضة الواقفة إلى جوارها.
" يبدو ان الحكاية اكبر من أى تصور" تمتمت الطبيبة فى نفسها.
وبصعوبة بالغة كادت معها أن تُسكته إشفاقاً عليه.. لولا أنها تتحرق شوقاً لسماع تلك الحكاية التى أوصلته إلى هذا المصير المجهول بدأ الشاب يسرد قصته...
وبعد لحظات صمت قصيرة كأنه يتيقن من أنه يعيش كابوساً فى نومه أم أحداثاً تجرى على أرض الواقع جعل الشاب يستكمل الحكاية...
كل ذنبه انه صدق كلام المسئولين عن الاهتمام بالشباب والقروض الميسرة والمشروعات الصغيرة.. كل ذنبه أنه حلم وشرع بكل جسارة فى تحقيق حلمه.. آمن بالشعارات الوردية التى لا يملون ترديدها على الدوام...
تململ الشاب المنهك فى رقدته.. انقلب على جنبه قليلا ليريح ظهره الذى أوشك على التقرح من طول الرقاد.. ندت عنه آهه خافته ثم أخذ نفساً عميقاً من الهواء وعاد لكلامه المؤلم وهمسه الخفيض الذى يشق القلب ويدمى الروح...
تخرج فى الجامعة بتفوق لكنه لم ينتظر فى طابور العاطلين يندب حظه.. أوينقب بإبرة على وظيفة ميرى قد لا تأتى إلى الممات.. حصل على قرض وبدأ المشوار وأقام مشروعه الصغير.. حلمه القديم.. الجميل...
" وفشل المشروع" قاطعته محاولة استنتاج بقية القصة.
"ياريت كنت قلت انى استاهل اللى بيحصل لى" قال متألماً.
الغريب حقاً أن المشروع نجح وأثمر وعاد عليه وعلى أسرته بالخير الوفير.
" والمشكلة؟!" تساءلت الطبيبة متعجبة.
هو نفسه لا يعرف ما المشكلة.. غير أنه فوجىء منذ شهرين بصدور حكم نهائى بالحبس ضده بدعوى أنه غير منتظم فى السداد...
" تعثرت؟" قالت مستفسرة.
" بالطبع لا.. فالمشروع زى ما قلت ناجح والحمد لله.. وأنا منتظم فى سداد الاقساط والفوايد فى مواعيدها تماماً" قال مؤكداً.
الأغرب من هذا كله أنه ضامن لزميل له وهو منتظم أيضاً فى السداد .. فلو انه غير منتظم فى السداد فهل كانوا قبلوا ضمانته لغيره؟
" شىء محير جداً" قالت مندهشة وهمت لأن تقول "وغبى جداً" فطالعت فى عمق حدقتيه بقية الحكاية منقوشة بوضوح فأضافت " ولا يمكن السكوت عليه".
لم يسكت بالفعل.. حمل قضيته وطاف بها على كل الجهات المسئولة .. وكانت صدمته شديدة من كم التجاهل والإهمال الذى لاقاه هو وقضيته...
اكتشف فجأة وكأنه كان لا يدرى أن التصريحات التى يطلقها المسئولون هنا وهناك.. بمناسبة ومن دون ماهى إلا مجرد فقعات إعلامية وكلام ليل مدهون بالزبد.. وأنهم لا يجيدون سوى تحطيم آمال الشباب وإفشالهم.. مسكين أفاق متأخراً جداً...
صمت مجهداً ثم ترحم على والده الذى رحل وترك له أمانة فى عنقه.. أسرة كبيرة العدد لها متطلباتها التى لا تنتهى...
تلفتت الطبيبة الشابة يمنة ويسرة مشيرة بيدها تُلملم الجمع الذى تفرق لحظة دخولها مفسحين لها المكان...
جاءت على استحياء تلك السيدة التى كانت تجلس عن يمينه قبل قليل.. أقبلت بوجهها البائس وقد خط الحزن على جبينها الندى ما شاء.. وقورة هى تبدو فى الخمسين من عمرها بليلة عيناها لم تزل...
ومن أقصى اليسار أقبلت رويدا تلك الشابة التى لم تتجاوز العشرين من عمرها.. تكاد تموت هلعاً من القادم.. ينفطر قلبها على هذا الزوج الشاب الذى قد يصبح بين لحظة وأخرى فى عداد الموتى.. تحمل بين ذراعيها كيان شفاف.. طفلة هشة لم تتجاوز عامها الأول تنظر فى كل اتجاه وتصرخ كأنها تستشرف المصير المحتوم الكامن فى الغيب...
سريعاً سريعاً لملمت الطبيبة الشابة مشاعرها الممزقة وكتمت جراحها الدامية .. وبينما تهم بالانصراف بادرها بعد أن استراح قليلا وبنبرة تكاد تكون ضائعة شاكراً لها تعاطفها ومشاعرها الطيبة.. ورجاها أن تسامحه على رفضه طلبها بإنهاء الإضراب أو على الأقل يسمح لهم بأن يضعوا له المحاليل.. مؤكداً أنه لن يحيد عن إضرابه حتى الموت.. أو يسمعونه ويصححوا هذا الخطأ الذى دمره ودمر أسرته...
تركت المكان وبعينيها صورة مجسمة لتلك الأسرة التى تقف على حافة الانهيار.. تدمى قلبها تلك المشاعر المذبوحة فى قلوب أفرادها...
" أن تتوه هوية الإنسان على أرضه بين أهله ورفاقه.. أن تُسحق حقوقه تحت أقدام السلبية و اللامبالاة.. ان تُهدر آدميته ويُجبر على الاستسلام للذل والهوان.. أن توأد أحلامه ويُساق رغمه إلى الضياع.. أن يفقد الإيمان بجدوى الحياة ويختار الموت حلا لمشاكله وهمومه" جعلت تلك الكلمات تُزلزل أعماقها...
" فذلك وليس غيره هو الاغتراب فى الوطن.. وتلك عينها علامات الزمان الردىء!".. أردفت محترقة الوجدان.. بينما تفكر جدياً كيف تساعد هذا الشاب الذى قد يصبح قبل حتى أن تفرغ من تفكيرها مجرد ذكرى لشاب كان يوماً يحيا ويعمل ويحلم على أرض هذا الوطن.
" بلاش كلام فارغ.. مفيش حاجة اسمها اضراب هنا.. انت فاكر نفسك فين .. فى امريكا .. اطلع برة" صاح فى وجهه عابساً.
ورغم غضب المدير وثورته العارمة رفض المواطن الخروج من المستشفى وتمسك بحقه الدستورى الذى يعرفه جيداً.. وما كان من المدير إلا أن أمر عمال المستشفى فحملوا المواطن الشاب وألقوا به إلى الشارع...
بعد أيام قلائل وبعد أن ازدادت صحته تدهوراً عاد نفس المواطن مطالباً بذات الحق الدستورى مدعماً بخطاب من جهة معنية بدخوله المستشفى رغم أنف المدير وجوقته...
وفى العنبر الوحيد بقسم الباطنة قبع المواطن ما يقرب من الشهر مواصلا إضرابه عن الطعام.. شاب هو لم يتجاوز السابعة والعشرين من العمر...
بدا للطبيبة الشابة لحظة مرورها به فى أول يوم عمل لها بالمستشفى أطلال إنسان.. كأنه يحمل فوق كاهله سبعين خريفا.. هيكل خائر القوى.. شاحب الوجه.. زائغ العينين...
لم يكن ذلك الشاب لحظتها إلا صورة مجسدة لليأس فى أبشع صوره.. تكشف لها بكل صراحة كم أن هذا الزمان ردىء وكم أناسه عاجزون...
لم يكن سهلاً عليها أبداً رؤية إنسان على حافة الفناء ولا تملك مساعدته إلا ببعض الكلمات المستهلكة البالية.. والتى اعتاد الجميع ترديدها فى مثل هذه المواقف...
" امال فين المحاليل؟" خرجت عن صمتها متسائلة.
" هو رافض تماماً" ردت الممرضة الواقفة إلى جوارها.
" يبدو ان الحكاية اكبر من أى تصور" تمتمت الطبيبة فى نفسها.
وبصعوبة بالغة كادت معها أن تُسكته إشفاقاً عليه.. لولا أنها تتحرق شوقاً لسماع تلك الحكاية التى أوصلته إلى هذا المصير المجهول بدأ الشاب يسرد قصته...
وبعد لحظات صمت قصيرة كأنه يتيقن من أنه يعيش كابوساً فى نومه أم أحداثاً تجرى على أرض الواقع جعل الشاب يستكمل الحكاية...
كل ذنبه انه صدق كلام المسئولين عن الاهتمام بالشباب والقروض الميسرة والمشروعات الصغيرة.. كل ذنبه أنه حلم وشرع بكل جسارة فى تحقيق حلمه.. آمن بالشعارات الوردية التى لا يملون ترديدها على الدوام...
تململ الشاب المنهك فى رقدته.. انقلب على جنبه قليلا ليريح ظهره الذى أوشك على التقرح من طول الرقاد.. ندت عنه آهه خافته ثم أخذ نفساً عميقاً من الهواء وعاد لكلامه المؤلم وهمسه الخفيض الذى يشق القلب ويدمى الروح...
تخرج فى الجامعة بتفوق لكنه لم ينتظر فى طابور العاطلين يندب حظه.. أوينقب بإبرة على وظيفة ميرى قد لا تأتى إلى الممات.. حصل على قرض وبدأ المشوار وأقام مشروعه الصغير.. حلمه القديم.. الجميل...
" وفشل المشروع" قاطعته محاولة استنتاج بقية القصة.
"ياريت كنت قلت انى استاهل اللى بيحصل لى" قال متألماً.
الغريب حقاً أن المشروع نجح وأثمر وعاد عليه وعلى أسرته بالخير الوفير.
" والمشكلة؟!" تساءلت الطبيبة متعجبة.
هو نفسه لا يعرف ما المشكلة.. غير أنه فوجىء منذ شهرين بصدور حكم نهائى بالحبس ضده بدعوى أنه غير منتظم فى السداد...
" تعثرت؟" قالت مستفسرة.
" بالطبع لا.. فالمشروع زى ما قلت ناجح والحمد لله.. وأنا منتظم فى سداد الاقساط والفوايد فى مواعيدها تماماً" قال مؤكداً.
الأغرب من هذا كله أنه ضامن لزميل له وهو منتظم أيضاً فى السداد .. فلو انه غير منتظم فى السداد فهل كانوا قبلوا ضمانته لغيره؟
" شىء محير جداً" قالت مندهشة وهمت لأن تقول "وغبى جداً" فطالعت فى عمق حدقتيه بقية الحكاية منقوشة بوضوح فأضافت " ولا يمكن السكوت عليه".
لم يسكت بالفعل.. حمل قضيته وطاف بها على كل الجهات المسئولة .. وكانت صدمته شديدة من كم التجاهل والإهمال الذى لاقاه هو وقضيته...
اكتشف فجأة وكأنه كان لا يدرى أن التصريحات التى يطلقها المسئولون هنا وهناك.. بمناسبة ومن دون ماهى إلا مجرد فقعات إعلامية وكلام ليل مدهون بالزبد.. وأنهم لا يجيدون سوى تحطيم آمال الشباب وإفشالهم.. مسكين أفاق متأخراً جداً...
صمت مجهداً ثم ترحم على والده الذى رحل وترك له أمانة فى عنقه.. أسرة كبيرة العدد لها متطلباتها التى لا تنتهى...
تلفتت الطبيبة الشابة يمنة ويسرة مشيرة بيدها تُلملم الجمع الذى تفرق لحظة دخولها مفسحين لها المكان...
جاءت على استحياء تلك السيدة التى كانت تجلس عن يمينه قبل قليل.. أقبلت بوجهها البائس وقد خط الحزن على جبينها الندى ما شاء.. وقورة هى تبدو فى الخمسين من عمرها بليلة عيناها لم تزل...
ومن أقصى اليسار أقبلت رويدا تلك الشابة التى لم تتجاوز العشرين من عمرها.. تكاد تموت هلعاً من القادم.. ينفطر قلبها على هذا الزوج الشاب الذى قد يصبح بين لحظة وأخرى فى عداد الموتى.. تحمل بين ذراعيها كيان شفاف.. طفلة هشة لم تتجاوز عامها الأول تنظر فى كل اتجاه وتصرخ كأنها تستشرف المصير المحتوم الكامن فى الغيب...
سريعاً سريعاً لملمت الطبيبة الشابة مشاعرها الممزقة وكتمت جراحها الدامية .. وبينما تهم بالانصراف بادرها بعد أن استراح قليلا وبنبرة تكاد تكون ضائعة شاكراً لها تعاطفها ومشاعرها الطيبة.. ورجاها أن تسامحه على رفضه طلبها بإنهاء الإضراب أو على الأقل يسمح لهم بأن يضعوا له المحاليل.. مؤكداً أنه لن يحيد عن إضرابه حتى الموت.. أو يسمعونه ويصححوا هذا الخطأ الذى دمره ودمر أسرته...
تركت المكان وبعينيها صورة مجسمة لتلك الأسرة التى تقف على حافة الانهيار.. تدمى قلبها تلك المشاعر المذبوحة فى قلوب أفرادها...
" أن تتوه هوية الإنسان على أرضه بين أهله ورفاقه.. أن تُسحق حقوقه تحت أقدام السلبية و اللامبالاة.. ان تُهدر آدميته ويُجبر على الاستسلام للذل والهوان.. أن توأد أحلامه ويُساق رغمه إلى الضياع.. أن يفقد الإيمان بجدوى الحياة ويختار الموت حلا لمشاكله وهمومه" جعلت تلك الكلمات تُزلزل أعماقها...
" فذلك وليس غيره هو الاغتراب فى الوطن.. وتلك عينها علامات الزمان الردىء!".. أردفت محترقة الوجدان.. بينما تفكر جدياً كيف تساعد هذا الشاب الذى قد يصبح قبل حتى أن تفرغ من تفكيرها مجرد ذكرى لشاب كان يوماً يحيا ويعمل ويحلم على أرض هذا الوطن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق