
عاصفة ثلجية تجتاح رأسها.. تدمر كل ما يعترض طريقها من أفكار سوى فكرة واحدة...
عادت تلك الفكرة تضرب رأسها من جديد .. تهدم كل ما توهمته من إمكانية التعايش مع تلك الهوامش البشرية الغريبة.. المصلوبة تحت شعار " إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه" ...
تقتلع من الجذور فكرة ترويض ذلك المتخلف المتحجر "عبد الروتين" .. أو حتى القيام بدور الطبيب النفسى الذى يخلصه من عقدة البيروقراطية اللعينة التى تعصف بكل تقدم أو إبداع...
وقت طويل مر دون أن تعبر خلدها تلك الهواجس ولو مجرد عبور لدرجة ظنت معها أنها شفيت منها وتلاشت من داخلها تماماً.. تنبهت على صوت مكدود فى غير افتعال لهيكل بشرى مطحون...
" أيوه يا عم حسن" ردت فى فتور.
أخبرها الهيكل البشرى بأن الناظر يريد محادثتها ثم انصرف.. ذهبت متململة إلى ذاك المتعجرف محدث النعمة " فرقع لوز" كما تسميه بينها وبين زميلاتها.. والذى اقترب من خدش العقد السادس من عمره دون أن يدرك لوجوده معنى أو غاية سوى أن يصبح ناظراً لأية مدرسة والسلام ولو فى بلاد تركب الأفيال...
" ناظر لمدرسة ثانوية للبنات؟ لمَ لم تكن ناظرة؟ هل خلت الدنيا من السيدات الجديرات بهذا المنصب؟ غريب أمر هؤلاء المسئولين!" تمتمت فى نفسها وهى تطرق بان حجرته فى تثاقل.
بدا لها للوهلة الأولى أن فى جعبته بضعة أوامر من أوامره السخيفة التى لا تنتهى .. والتى لا تنم إلا عن نقص بالغ فى شخصيته التى تشك فى وجودها أصلاً...
كانت قد اعتادت منه هذا الموشح من يوم لآخر منذ أن أتى إلى المدرسة ناظراً قبل أسبوعين.. فمرة يشطب عليها فى الحضور.. ومرة يشعرها أنه صنع لها معروفاً فظيعاً بترك الخانة خالية خمس دقائق كاملة فى انتظار توقيعها .. ومرة.. ومرة...
تركته يكمل قصيدته العصماء فى عشق الروتين حتى لا يموت كمداً أو يطق له عرق.. انشغلت دون قصد بتأمل قسمات وجهه المكور العبوس.. المكفهر دائماً وكأن كارثة لحقت به قبل مجيئه...
انعكست على عينيها بوضوح صورة محددة المعالم لذلك الوجه الغريب..جعلت تُحدق مشدوهة فى عمق عينيه الباهتتين كعيني سمكة ميتة.. وتتأمل على مهل ذلك الحول الشديد بهما.. قالوا لها إنه ميراثه العظيم عن أبيه وجده.. لم تكن تشغل بالها بشئ من ذلك كله قبل الآن...
لم تدر سبباً لكل هذا الجهد الذى تبذله فى تأمل تلك الملامح الخشنة.. لكنها تمادت فى تأملها بلا روية.. جعل بصرها يجوس خلالها قسمات وجهه المتخم باللحم.. أخذت تدقق النظر وتمحص جيداً دون أن تنطق بكلمة.. حركت ناظريها إلى زاوية أكثر اتساعاً بنظرة شملت كل تضاريس جسده البدين المترهل...
ظلت تراقب انحدار الأحرف من على شفته السفلى المتدلية قليلاً وهو يحاول أن يلملمها جاهداً حتى لا يبدو منظره أكثر إضحاكاً وبخاصة أن الموقف لا يحتمل أدنى هزل.. لكنه يفشل دائماً فى تثبيت لسانه أثناء نطقه لحرف السين أو الصاد...
"خلاث يا أبلة؟ خلاث؟" عاد صوته يوقظ سمعها من جديد.
وبنفس طريقة نطقه رددت نهلة كلمة " خلاص" ثم انصرفت...
مضت إلى حجرة المدرسات وكلمة "خلاص" التى قالها الناظر وهو يرفع طرف لسانه ليلتصق بأسنانه الأمامية العليا تكاد تميتها من الضحك...
بدأت هستيريا الضحك الداخلى تتلاشى وعادت الكلمة تتردد فى أعماق كيانها من جديد بنطقها ومعناها الصحيحين...
جلست تصحح كراسات الفصل وهى تردد مع إغلاق كل كراسة هذه الكلمة.. قطع عليها خلاصاتها دخول زميلتها مايسة مدرسة العلوم تردد نفس الكلمة مستشيطة غضباً...
عادت نهلة بعدما هدأت من روع زميلتها الثائرة لحديثها الداخلى مع نفسى وكلمة خلاص التى صارت تتردد بداخلها وحولها تعلو فوق كل الكلمات وتمحو ما سواها من قاموس اللغة...
أخرجت ورقة من درج مكتبها لتكتب فى الحال طلب نقل إلى مدرسة أخرى تكلل بالقبول من وكيل الوزارة...
جالت عيناها فى كل ركنٍ من أركان المكان وهى تجمع متعلقاتها من المكتب استعدادا للرحيل..
خرجت مسرعة قبل أن ينمحى لون ابتسامتها المفتعلة الفاترة.. المرسومة بالكاد على وجهها.. إذا ما انطلق سيل الدموع المحتبس وراء ذاك البريق الذى يحشو حدقتيها .. فهى لا تكره شيئاً فى الوجود كما تكره الوداع والفراق...
قضت ليلتها تفكر فى المكان الذى كان.. والمكان الذى سيكون بحلول صباح الغد.. متعبة هى حائرة منذ عودتها .. هل تسرعت؟ وهل كان يجب عليها تحمل جهل وغباء هذا الفرقع لوز ووكيله السماوى؟ وهى التى فرت من المدرسة السابقة هرباً من الروتين والعقول الضحلة.. ولكن من أدراها أنها ستستريح فى المدرسة الجديدة؟ وإلامَ ستظل تهرب من مدرسة إلى أخرى؟ وهل ستجد ما تنشده فى يوم من الآيام ؟ أم ستقضى عمرها هاربة وتائهة بين المدارس؟!
نفضت عن مخيلتها كل هذه الحيرة .. حاولت جاهدة استجداء النوم .. وفى الصباح مضت إلى مدرستها الجديدة...
وداخل الفناء الواسع للمدرسة وقفت حائرة.. تنقب عيناها عن مرشد يهديها إلى غرفة السيد المدير ...
فجأة انعكست على عينيها مع أشعة الشمس الفضية صورة لوجه سيدة كأنما تعرفها..استدعت الغائب من بقايا ذكريات ليست بالبعيدة جداً.. حقاً إنها هى .. الوجه المستدير.. البشرة السمراء التى تُفصح للعالم أجمع أنها بنت النيل والشمس وسبعة آلاف سنة حضارة.. العينان الواسعتان اللامعتان.. الحزن القديم المستتر ببريق ابتسامة هادئة تزين عينيها التى تشبه عيون المها على الدوام...
فلطالما راود نهلة الإحساس منذ ان رأ تها أول مرة بأنها ملكة فرعونية من الزمن البعيد.. فقط لم يكن لديها تلك الشعرات البيض التى تتسلل دون حياء من تحت الحجاب الذى يحيط بملامحها الهادئة الطيبة...
" أبلة مجيدة" قالت بفرح طفولى وهى تهرول إليها فى جنون كأنها وجدت أخيراً شيئاً عزيزاً كان قد ضاع منها منذ زمن بعيد.. تبادلا السلام والقبلات والسؤال عن تفاصيل الحياة وأحوال الأيام...
سبع سنوات مرت على آخر لقاء بينهما.. كانت وقتها على وشك الترقية لمدرس أول بينما تخطو نهلة أولى خطواتها على طريق التدريس..علمت نهلة أن الترقية المنتظرة قد أتت والتى تليها أيضاً.. فقد أصبحت أبلة مجيدة وكيل أول هذه المدرسة...
" صحيح يا نهلة .. إنها سبع سنوات طوال وليست سبعة أيام.. أم تحسبين ان كل الناس لا يبالون بمرور السنين وكر الزمن مثلك" تمتمت نهلة فى نفسها سراً.
شبكتا أيدهما بطريقة طفولية تعشقها نهلة منذ أن كانتا تعملان فى مدرسة واحدة لمدة عام قبل أن يفترقا...
" مس نهلة .. مدرسة اللغة الإنجليزية الجديدة يا حضرة الناظر .. مازالت تستكمل دراستها العليا" قدمتها أبلة مجيدة.
" يعنى لن يشكو أولياء الأمور من ضعف مستوى البنات فى اللغة بعد ذلك" ثم مالت إلى أذنه هامسة.
كانت نهلة مشغولة بكل ما تملك من شعور بكم البلاهة الرهيب الذى يكسو وجه الناظر.. ذلك الوجه الصفراوى وهو يمحلق مشدها غير عابئ بأى شئ .. وضحكاته المتقطعة التى تشبه تلك الضحكات المميزة فى إعلان الحبن الشهير...
نظرت إلى أبلة مجيدة فى دهشة كأنها تسألها كيف يصلح أن يتقلد هذا المنصب مثل هذا الرجل الغريب.. وأجابتها بنظرة عادية وابتسامة مبهمة التفاصيل "كل شىء جائز فى بلدنا .. إنه بلد العجائب".
وعلى بُعد خطوة واحدة من باب حجرة السكرتارية المجاورة تسمرت قدماها بالأرض.. وضعت أصبعها فى أذنها.. رجتها عدة مرات حتى تتأكد من صحة استقبالها.. مازال نفس الصوت يقذف بألفاظه السوقية فى وجه مسئولة شئون الطالبات.. فى حين خرست هى وكأنها قطعة جماد ملتصقة بالدولاب الذى تقف إلى جواره.
صعقت نهلة بمكانها.. كأنها أخطأت العنوان .. فليس من المعقول أن تكون هذه مدرسة ومثل الناعق الذى اصطدمت به خارجاً مطوحاً بيده فى الهواء من قادتها...
جلست إلى جوار سوسن مسئولة شئون العاملين والتى بدت مبتسمة بصورة طبيعية جداً ولا يعلو ملامحها أى ضيق أو ضجر وكأن شيئاً لم يكن.. رحبت بها جدا وأبدت إعجابها الشديد وحبها الربانى لها منذ اللحظة الأولى وكذلك سماح التى كان موجهاً إليها النفير دويه منذ قليل.. كانت تشعر بصدقهما وطيبتهما لكنها لم تستطع أن تخفى دهشتها...
" الأستاذ ده كان بيزعق كدا ليه؟" قالت فى عفوية.
" دا وكيل المدرسة..هو كدا دايماً واحنا بنريح روحنا ونسكت" قالتا فى صوت واحد.
" اسمحولى يا جماعة دى سلبية.. بقى الكتكوت الغرقان ده يرعبكم كدا" قالت محاولة الحذر من جرح شعورهما.
" البنات مسمينوه الخنفسة المقلوبة" مالت عليها سوسن يغالبها الضحك وهى أم لإحدى الطالبات بالمدرسة.
" فعلا يا مدام سوسن.. دا أكتر وصف ينطبق عليه.. أنا لاحظت فعلاً إنه حاجه تشبه كدا.. لكن الوصف دا ما أسعفنيش.. البنات دول ملاعين بشكل!" قالت وهى تضحك حتى دمعت عيناها.
كان ضعيف البنية.. يداه ورجلاه نحيفتان.. يطوح بيديه فى الهواء وهو يتكلم.. جسده مشدود إلى الوراء دائماً حتى وهو يمشى.. يُخيل للرائى أنه مقلوباً على ظهره.. مثل الخنفساء وهى مقلوبة بالفعل...
" من فرقع لوز للخنفسة يا قلبى لا تحزن!" همست فى نفسها.
انضمت إليهن الإخصائية الاجتماعية التى دخلت فى التو ومعها زميلة أخرى.. جلس الجميع فى مرح يتبادلن القفشات المضحكة...
" أروح أمضى بقى عشان أمشى الساعة بقت واحدة.. ولو انى هتحرم من قاعدتكم الحلوة دى لكن ملحوقة" قالت نهلة وهى تهم بالقيام.
" اقعدى .. اقعدى .. لسة بدرى .. بدل ما الخنفسة المقلوبة يقولك كلمة " همست سوسن وهى تمسك بيدها لتجلسها مرة أخرى .
" وهو ماله.. امال الناظر شغلته ايه؟" قالت نهلة مندهشة.
" الناظر؟ دا من عباد الله الخالصين" قالت سوسن وهى تمد عنقها ورأسها لأعلى .
ربطت نهلة بين الكثافة التى تعلو وجه الناظر وبين كلام سوسن وبين ما سمعته من هذا الناعق وكيله الثانى فى مكتب السكرتارية.. التقطت كشكول التحضير وشنطة يدها من فوق مكتب سوسن.. لوحت خارجة رغم التحذير المشدد.. لطم سمعها نفس الزئير لنفس الناعق وهو يعترض طريقها ناظراً فى ساعته.. مُعلماً إياها أنه باق ساعة وعشر دقائق على ميعاد الانصراف.. ولم يفلح معه لطفها فى إخباره بأنها ليس لديها حصة وستظل هذه المدة جالسة بدون داع...
" الشغل شغل يا أبلة.. دى مواعيد عمل رسمية" قال بفظاظة.
" فرقع لوز آخر" تمتمت فى نفسها.
حاولت لفت نظره إلى أنه اليوم الأول لها بالمدرسة ويجب عليه ألا يظهر لها بشاعته هكذا من البداية.. لكنه أصر على فظاظته وغبائه...
" جو تو هيل" قالت نهلة وقد فقدت السيطرة على أعصابها.. تركته وهو يبرطم مزهواً بنفسه لأنه استطاع أن يلتقط الكلمة الأخيرة من كلماتها بوضوح...
" هيل ولا مش هيل " ردد الكلمة مرارا وتكراراً منتشياً.. أخيراً تكلم الإنجليزية بطلاقة.. هكذا اعتقد...
" مال هذا الأبله .. كأنه اخترع الذرة بنطقه لهذه الكلمة البسيطة.. فماذا لو علم ترجمة الجملة؟ هل كان سينتشى كما هو الآن؟ " قالت مندهشة.
تركته يغط فى جهله وفرحته بإجادته للغة أخيراً وبالجملة التى تعنى بالعربية " اذهب إلى الجحيم" أو " اخبط راسك فى الحيط" بلغته هو...
وفى مكتب الناظر وقفت تستأذنه للتوقيع فى دفتر الحضور والانصراف القابع أمامه على المكتب.. سكت الناظر كعادته عندما يُسأل ولو حتى أتفه الأسئلة.. غرق فى حيرته المعتادة فى غياب وكيله الثانى وموجهه للهلاك.. ظل صامتا مشوشاً...
" من فضلك أريد التوقيع" قالت مندهشة مرة أخرى .
تبسم بنفس البلاهة الكثيفة.. اتسعت ابتسامته.. ضحك ضحكاته المتقطعة إياها...
عادت العاصفة الثلجية تجتاح رأسها من جديد.. تدور الأرض تحت قدميها.. تتأرجح فى عينيها الأشياء .. تتلاشى ملامح الوجه الصفراوى المعكوسة على ناظريها .. تُمحى.. يجثم الضباب على المكان...
جذبت القلم الأحمر من يده .. داسته بهستيريا تحت كعب حذائها .. سحقته .. فتته...
قفزت كالقطة ممسكة بالدفتر.. ظلت توقع.. وتوقع.. وتوقع...
توقفت فجأة.. مزقت جميع الصفحات .. كورتها.. ألقتها بقوة فى وجه الناظر ووكيله الذى حضر تواً.. وهى تهتف كمن يقود مسيرة ضد ممارسات حكومة غبية "لا حشرات بعد اليوم .. لا حشرات بعد اليوم .. لا حشرات بعد اليوم".
عادت تلك الفكرة تضرب رأسها من جديد .. تهدم كل ما توهمته من إمكانية التعايش مع تلك الهوامش البشرية الغريبة.. المصلوبة تحت شعار " إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه" ...
تقتلع من الجذور فكرة ترويض ذلك المتخلف المتحجر "عبد الروتين" .. أو حتى القيام بدور الطبيب النفسى الذى يخلصه من عقدة البيروقراطية اللعينة التى تعصف بكل تقدم أو إبداع...
وقت طويل مر دون أن تعبر خلدها تلك الهواجس ولو مجرد عبور لدرجة ظنت معها أنها شفيت منها وتلاشت من داخلها تماماً.. تنبهت على صوت مكدود فى غير افتعال لهيكل بشرى مطحون...
" أيوه يا عم حسن" ردت فى فتور.
أخبرها الهيكل البشرى بأن الناظر يريد محادثتها ثم انصرف.. ذهبت متململة إلى ذاك المتعجرف محدث النعمة " فرقع لوز" كما تسميه بينها وبين زميلاتها.. والذى اقترب من خدش العقد السادس من عمره دون أن يدرك لوجوده معنى أو غاية سوى أن يصبح ناظراً لأية مدرسة والسلام ولو فى بلاد تركب الأفيال...
" ناظر لمدرسة ثانوية للبنات؟ لمَ لم تكن ناظرة؟ هل خلت الدنيا من السيدات الجديرات بهذا المنصب؟ غريب أمر هؤلاء المسئولين!" تمتمت فى نفسها وهى تطرق بان حجرته فى تثاقل.
بدا لها للوهلة الأولى أن فى جعبته بضعة أوامر من أوامره السخيفة التى لا تنتهى .. والتى لا تنم إلا عن نقص بالغ فى شخصيته التى تشك فى وجودها أصلاً...
كانت قد اعتادت منه هذا الموشح من يوم لآخر منذ أن أتى إلى المدرسة ناظراً قبل أسبوعين.. فمرة يشطب عليها فى الحضور.. ومرة يشعرها أنه صنع لها معروفاً فظيعاً بترك الخانة خالية خمس دقائق كاملة فى انتظار توقيعها .. ومرة.. ومرة...
تركته يكمل قصيدته العصماء فى عشق الروتين حتى لا يموت كمداً أو يطق له عرق.. انشغلت دون قصد بتأمل قسمات وجهه المكور العبوس.. المكفهر دائماً وكأن كارثة لحقت به قبل مجيئه...
انعكست على عينيها بوضوح صورة محددة المعالم لذلك الوجه الغريب..جعلت تُحدق مشدوهة فى عمق عينيه الباهتتين كعيني سمكة ميتة.. وتتأمل على مهل ذلك الحول الشديد بهما.. قالوا لها إنه ميراثه العظيم عن أبيه وجده.. لم تكن تشغل بالها بشئ من ذلك كله قبل الآن...
لم تدر سبباً لكل هذا الجهد الذى تبذله فى تأمل تلك الملامح الخشنة.. لكنها تمادت فى تأملها بلا روية.. جعل بصرها يجوس خلالها قسمات وجهه المتخم باللحم.. أخذت تدقق النظر وتمحص جيداً دون أن تنطق بكلمة.. حركت ناظريها إلى زاوية أكثر اتساعاً بنظرة شملت كل تضاريس جسده البدين المترهل...
ظلت تراقب انحدار الأحرف من على شفته السفلى المتدلية قليلاً وهو يحاول أن يلملمها جاهداً حتى لا يبدو منظره أكثر إضحاكاً وبخاصة أن الموقف لا يحتمل أدنى هزل.. لكنه يفشل دائماً فى تثبيت لسانه أثناء نطقه لحرف السين أو الصاد...
"خلاث يا أبلة؟ خلاث؟" عاد صوته يوقظ سمعها من جديد.
وبنفس طريقة نطقه رددت نهلة كلمة " خلاص" ثم انصرفت...
مضت إلى حجرة المدرسات وكلمة "خلاص" التى قالها الناظر وهو يرفع طرف لسانه ليلتصق بأسنانه الأمامية العليا تكاد تميتها من الضحك...
بدأت هستيريا الضحك الداخلى تتلاشى وعادت الكلمة تتردد فى أعماق كيانها من جديد بنطقها ومعناها الصحيحين...
جلست تصحح كراسات الفصل وهى تردد مع إغلاق كل كراسة هذه الكلمة.. قطع عليها خلاصاتها دخول زميلتها مايسة مدرسة العلوم تردد نفس الكلمة مستشيطة غضباً...
عادت نهلة بعدما هدأت من روع زميلتها الثائرة لحديثها الداخلى مع نفسى وكلمة خلاص التى صارت تتردد بداخلها وحولها تعلو فوق كل الكلمات وتمحو ما سواها من قاموس اللغة...
أخرجت ورقة من درج مكتبها لتكتب فى الحال طلب نقل إلى مدرسة أخرى تكلل بالقبول من وكيل الوزارة...
جالت عيناها فى كل ركنٍ من أركان المكان وهى تجمع متعلقاتها من المكتب استعدادا للرحيل..
خرجت مسرعة قبل أن ينمحى لون ابتسامتها المفتعلة الفاترة.. المرسومة بالكاد على وجهها.. إذا ما انطلق سيل الدموع المحتبس وراء ذاك البريق الذى يحشو حدقتيها .. فهى لا تكره شيئاً فى الوجود كما تكره الوداع والفراق...
قضت ليلتها تفكر فى المكان الذى كان.. والمكان الذى سيكون بحلول صباح الغد.. متعبة هى حائرة منذ عودتها .. هل تسرعت؟ وهل كان يجب عليها تحمل جهل وغباء هذا الفرقع لوز ووكيله السماوى؟ وهى التى فرت من المدرسة السابقة هرباً من الروتين والعقول الضحلة.. ولكن من أدراها أنها ستستريح فى المدرسة الجديدة؟ وإلامَ ستظل تهرب من مدرسة إلى أخرى؟ وهل ستجد ما تنشده فى يوم من الآيام ؟ أم ستقضى عمرها هاربة وتائهة بين المدارس؟!
نفضت عن مخيلتها كل هذه الحيرة .. حاولت جاهدة استجداء النوم .. وفى الصباح مضت إلى مدرستها الجديدة...
وداخل الفناء الواسع للمدرسة وقفت حائرة.. تنقب عيناها عن مرشد يهديها إلى غرفة السيد المدير ...
فجأة انعكست على عينيها مع أشعة الشمس الفضية صورة لوجه سيدة كأنما تعرفها..استدعت الغائب من بقايا ذكريات ليست بالبعيدة جداً.. حقاً إنها هى .. الوجه المستدير.. البشرة السمراء التى تُفصح للعالم أجمع أنها بنت النيل والشمس وسبعة آلاف سنة حضارة.. العينان الواسعتان اللامعتان.. الحزن القديم المستتر ببريق ابتسامة هادئة تزين عينيها التى تشبه عيون المها على الدوام...
فلطالما راود نهلة الإحساس منذ ان رأ تها أول مرة بأنها ملكة فرعونية من الزمن البعيد.. فقط لم يكن لديها تلك الشعرات البيض التى تتسلل دون حياء من تحت الحجاب الذى يحيط بملامحها الهادئة الطيبة...
" أبلة مجيدة" قالت بفرح طفولى وهى تهرول إليها فى جنون كأنها وجدت أخيراً شيئاً عزيزاً كان قد ضاع منها منذ زمن بعيد.. تبادلا السلام والقبلات والسؤال عن تفاصيل الحياة وأحوال الأيام...
سبع سنوات مرت على آخر لقاء بينهما.. كانت وقتها على وشك الترقية لمدرس أول بينما تخطو نهلة أولى خطواتها على طريق التدريس..علمت نهلة أن الترقية المنتظرة قد أتت والتى تليها أيضاً.. فقد أصبحت أبلة مجيدة وكيل أول هذه المدرسة...
" صحيح يا نهلة .. إنها سبع سنوات طوال وليست سبعة أيام.. أم تحسبين ان كل الناس لا يبالون بمرور السنين وكر الزمن مثلك" تمتمت نهلة فى نفسها سراً.
شبكتا أيدهما بطريقة طفولية تعشقها نهلة منذ أن كانتا تعملان فى مدرسة واحدة لمدة عام قبل أن يفترقا...
" مس نهلة .. مدرسة اللغة الإنجليزية الجديدة يا حضرة الناظر .. مازالت تستكمل دراستها العليا" قدمتها أبلة مجيدة.
" يعنى لن يشكو أولياء الأمور من ضعف مستوى البنات فى اللغة بعد ذلك" ثم مالت إلى أذنه هامسة.
كانت نهلة مشغولة بكل ما تملك من شعور بكم البلاهة الرهيب الذى يكسو وجه الناظر.. ذلك الوجه الصفراوى وهو يمحلق مشدها غير عابئ بأى شئ .. وضحكاته المتقطعة التى تشبه تلك الضحكات المميزة فى إعلان الحبن الشهير...
نظرت إلى أبلة مجيدة فى دهشة كأنها تسألها كيف يصلح أن يتقلد هذا المنصب مثل هذا الرجل الغريب.. وأجابتها بنظرة عادية وابتسامة مبهمة التفاصيل "كل شىء جائز فى بلدنا .. إنه بلد العجائب".
وعلى بُعد خطوة واحدة من باب حجرة السكرتارية المجاورة تسمرت قدماها بالأرض.. وضعت أصبعها فى أذنها.. رجتها عدة مرات حتى تتأكد من صحة استقبالها.. مازال نفس الصوت يقذف بألفاظه السوقية فى وجه مسئولة شئون الطالبات.. فى حين خرست هى وكأنها قطعة جماد ملتصقة بالدولاب الذى تقف إلى جواره.
صعقت نهلة بمكانها.. كأنها أخطأت العنوان .. فليس من المعقول أن تكون هذه مدرسة ومثل الناعق الذى اصطدمت به خارجاً مطوحاً بيده فى الهواء من قادتها...
جلست إلى جوار سوسن مسئولة شئون العاملين والتى بدت مبتسمة بصورة طبيعية جداً ولا يعلو ملامحها أى ضيق أو ضجر وكأن شيئاً لم يكن.. رحبت بها جدا وأبدت إعجابها الشديد وحبها الربانى لها منذ اللحظة الأولى وكذلك سماح التى كان موجهاً إليها النفير دويه منذ قليل.. كانت تشعر بصدقهما وطيبتهما لكنها لم تستطع أن تخفى دهشتها...
" الأستاذ ده كان بيزعق كدا ليه؟" قالت فى عفوية.
" دا وكيل المدرسة..هو كدا دايماً واحنا بنريح روحنا ونسكت" قالتا فى صوت واحد.
" اسمحولى يا جماعة دى سلبية.. بقى الكتكوت الغرقان ده يرعبكم كدا" قالت محاولة الحذر من جرح شعورهما.
" البنات مسمينوه الخنفسة المقلوبة" مالت عليها سوسن يغالبها الضحك وهى أم لإحدى الطالبات بالمدرسة.
" فعلا يا مدام سوسن.. دا أكتر وصف ينطبق عليه.. أنا لاحظت فعلاً إنه حاجه تشبه كدا.. لكن الوصف دا ما أسعفنيش.. البنات دول ملاعين بشكل!" قالت وهى تضحك حتى دمعت عيناها.
كان ضعيف البنية.. يداه ورجلاه نحيفتان.. يطوح بيديه فى الهواء وهو يتكلم.. جسده مشدود إلى الوراء دائماً حتى وهو يمشى.. يُخيل للرائى أنه مقلوباً على ظهره.. مثل الخنفساء وهى مقلوبة بالفعل...
" من فرقع لوز للخنفسة يا قلبى لا تحزن!" همست فى نفسها.
انضمت إليهن الإخصائية الاجتماعية التى دخلت فى التو ومعها زميلة أخرى.. جلس الجميع فى مرح يتبادلن القفشات المضحكة...
" أروح أمضى بقى عشان أمشى الساعة بقت واحدة.. ولو انى هتحرم من قاعدتكم الحلوة دى لكن ملحوقة" قالت نهلة وهى تهم بالقيام.
" اقعدى .. اقعدى .. لسة بدرى .. بدل ما الخنفسة المقلوبة يقولك كلمة " همست سوسن وهى تمسك بيدها لتجلسها مرة أخرى .
" وهو ماله.. امال الناظر شغلته ايه؟" قالت نهلة مندهشة.
" الناظر؟ دا من عباد الله الخالصين" قالت سوسن وهى تمد عنقها ورأسها لأعلى .
ربطت نهلة بين الكثافة التى تعلو وجه الناظر وبين كلام سوسن وبين ما سمعته من هذا الناعق وكيله الثانى فى مكتب السكرتارية.. التقطت كشكول التحضير وشنطة يدها من فوق مكتب سوسن.. لوحت خارجة رغم التحذير المشدد.. لطم سمعها نفس الزئير لنفس الناعق وهو يعترض طريقها ناظراً فى ساعته.. مُعلماً إياها أنه باق ساعة وعشر دقائق على ميعاد الانصراف.. ولم يفلح معه لطفها فى إخباره بأنها ليس لديها حصة وستظل هذه المدة جالسة بدون داع...
" الشغل شغل يا أبلة.. دى مواعيد عمل رسمية" قال بفظاظة.
" فرقع لوز آخر" تمتمت فى نفسها.
حاولت لفت نظره إلى أنه اليوم الأول لها بالمدرسة ويجب عليه ألا يظهر لها بشاعته هكذا من البداية.. لكنه أصر على فظاظته وغبائه...
" جو تو هيل" قالت نهلة وقد فقدت السيطرة على أعصابها.. تركته وهو يبرطم مزهواً بنفسه لأنه استطاع أن يلتقط الكلمة الأخيرة من كلماتها بوضوح...
" هيل ولا مش هيل " ردد الكلمة مرارا وتكراراً منتشياً.. أخيراً تكلم الإنجليزية بطلاقة.. هكذا اعتقد...
" مال هذا الأبله .. كأنه اخترع الذرة بنطقه لهذه الكلمة البسيطة.. فماذا لو علم ترجمة الجملة؟ هل كان سينتشى كما هو الآن؟ " قالت مندهشة.
تركته يغط فى جهله وفرحته بإجادته للغة أخيراً وبالجملة التى تعنى بالعربية " اذهب إلى الجحيم" أو " اخبط راسك فى الحيط" بلغته هو...
وفى مكتب الناظر وقفت تستأذنه للتوقيع فى دفتر الحضور والانصراف القابع أمامه على المكتب.. سكت الناظر كعادته عندما يُسأل ولو حتى أتفه الأسئلة.. غرق فى حيرته المعتادة فى غياب وكيله الثانى وموجهه للهلاك.. ظل صامتا مشوشاً...
" من فضلك أريد التوقيع" قالت مندهشة مرة أخرى .
تبسم بنفس البلاهة الكثيفة.. اتسعت ابتسامته.. ضحك ضحكاته المتقطعة إياها...
عادت العاصفة الثلجية تجتاح رأسها من جديد.. تدور الأرض تحت قدميها.. تتأرجح فى عينيها الأشياء .. تتلاشى ملامح الوجه الصفراوى المعكوسة على ناظريها .. تُمحى.. يجثم الضباب على المكان...
جذبت القلم الأحمر من يده .. داسته بهستيريا تحت كعب حذائها .. سحقته .. فتته...
قفزت كالقطة ممسكة بالدفتر.. ظلت توقع.. وتوقع.. وتوقع...
توقفت فجأة.. مزقت جميع الصفحات .. كورتها.. ألقتها بقوة فى وجه الناظر ووكيله الذى حضر تواً.. وهى تهتف كمن يقود مسيرة ضد ممارسات حكومة غبية "لا حشرات بعد اليوم .. لا حشرات بعد اليوم .. لا حشرات بعد اليوم".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق