الثلاثاء، 24 فبراير 2009

يناير الحزين - قصة قصيرة


منتصف يناير..الجو غائم قاتم..كل شىء يوحى بالكآبة..السماء توشك أن تمطر...
تنقر حبات المطر نافذتها المغلقة برتابة وبطء..نقراتها المنتظمة تشبه تكات ساعة الحائط العتيقة.. المعلقة هناك فى الردهة إلى جوار صورة جدها فى البيت الكبير...
تعربد الامطار بالخارج.. يتلاشى الصوت المنغم.. تموج الدنيا فى ضجيج مرعب...
رويدا رويدا يهدأ المطر.. تتوسل الدنيا الغارقة إلى الغمام الكثيف الضارب على وجه الكون أن يعتق الشمس من أسره دون جدوى...
كأنه اليوم الأول لميلاد الأرض.. أو هو اليوم الأخير ...
اخترق بصرها النافذة الزجاجية المغلقة.. مستقرا على سطح البحر.. القابع هناك على البعد.. الثائر بعنف احتجاجا على هذا الطقس الردىء...
تراجع البصر فجأة محتضنا الشاطىء بشوق جارف.. هنا على الرمال لأول مرة التقيا ..وهنا أيضا منذ سنوات طوال كان وفى مثل هذا اليوم كان الوداع.. هنا كان العمر الجميل .. والبيت الصغير المختبىء بعيدا عن الموج وأقدام العابثين..هنا كان الحب الكبير...
تجتاحها الذكرى..تزلزلها..تلملم عبراتها وأفكارها المارقة .. ترتدى معطفها التركوازى بلون السماء أيام كانت صافية.. تهرول مجنونة إلى الشاطىء ...
تطرق عيناها دامعة" أهٍ يا أنا .. كم جلسنا هنا.. كم لعبنا.. ضحكنا.. بكينا.. كم رددت الريح أشعارنا"...
تجول عيناها البليلتين فى كل اتجاه " آهٍ يا أنا .. كل الشهور أصبحت حزينة ..كل الأيام صارت منتصف يناير.. شاه وجه الحياة"...
على الرمال وحيدة حزينة..غريبة..تناديه..تطل صورته ..ينزاح ركام السنين..تبكى..سراب..سراب...
تعود يقتلها الأسى.. تطارد عيناها الدامعتان السفن على امتداد الرؤية فى البحر الغاضب والتى تبدو على البعد كعلب الثقاب الصغيرة عساها تطمئنها عليه...
تمر السفن مارقة دون أن ترسو فى ميناءها الحزين...
ينصهر الوقت فى بوتقة الدموع.. تتنبه على دوى الرعد القادم من أعماق السماء.. تنكمش فزعا.. ترتعد.. تصرخ مختنقة "غربة.. وهم..ضياع"...
يردد الصدى حولها.. ضياع .. ضياع.. ضياع...
تعصف رياح يناير بدموعها.. تتطاير متناثرة على الرمال البعيدة..تختلط بدموع السماء المنتحبة...
يضرب المساء بخيمته السوداء على الكون.. تنطفىء الرؤية.. تتحسس قدمها طريق العودة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق