أسوار عالية كئيبة..وأسلاك شائكة.. تحيط بها من كل جانب...
أبواب حديدية ضخمة.. تجتازها الواحد تلو الآخر.. بعد معاناة وعذاب...
أسئلة بالية تصفع سمعها فى كل خطوة.. بنادق وحراس شاخصين كالأصنام على كل باب...
عربات كبيرة مرعبة تروح وتغدو بهياكل بشرية محطمة.. سيدات ضلتهن الأنوثة.. فاستقرت بهن الحال سجانات.. أو شبه فى سجن الرجال.. رتب كثيرة ومتنوعة..عالم قائم بذاته...
فى قاع هذا العالم السحيق ..وبعيدا عن العيون يكمن السر.. أناس آخرون - ليسوا بالضرورة مذنبين- وحياة أخرى...
هنا فى هذا العالم الغريب يقبع أخوها سجين الرأى .. وفى مكتب مأمور السجن كانت الزيارة هذه المرة...
كالعادة ترصد حركاتهما وسكناتهما عيون مرئية وخفية.. تقطع حوارهما بين اللحظة والأخرى أصوات أميرية أجشة.. يشوش وقع الأحذية الثقيلة على فرحتهما .. تفسد الوجوه الثلجية .. والأجساد المحنطة .. المنتشرة حولهما معنى اللقاء...
فجأة.. تلاشى كل الاضطراب والهرج.. تسرب كل الموجودين من أمام عينيها.. لم يبق سوى مشهد واحد فقط عالقا ببصرها...
رجل بهى الطلعة..عظيم الهيبة يدخل المكتب.. يبدو فى زيه الأنيق .. وخطواته الدبلوماسية الرشيقة.. ووجهه البشوش الأبيض ذو العينان الخضراوان.. المبتسم على الدوام فى عزة وكبرياء فوق كل منصب أو سلطة...
هب كل من بالغرفة واقفا لحظة دخوله وأولهم مأمور السجن ذاته.. صافحه الجميع بحرارة شديدة .. تنم عن احترام وافر.. يرقى فوق كل اللوائح والروتين...
شد على يد أخيها بحب وحنان الأب متسائلا عن أحواله حيث لم يره أمس.. صافحها بنفس الود....
انصرف الرجل تاركا أفكارها تموج فى بعضها البعض.. تملكها شعور قوى بأنها رأته قبل ذلك وتعرفه بالقطع.. متى وأين؟ لا تدرى.. كل ما تدريه هو أنها على يقين من أنها تعرفه معرفة جيدة وحسب...
بينما أفكارها متناثرة مرهقة .. حسمت ذاكرتها الموقف وبقسوة شديدة " لا أتذكره".. فى الوقت ذاته ترسل الأعماق نداءً مدويا ومتصلا.. ترجمه اللسان فى صورة همس " أعرفه.. قطعا أعرفه"...
همست فى أذن أخيها:
من يكون هذا الرجل؟ أهو وزير؟ أم دبلوماسى كبير؟! أشعر أننى أعرفه ورأيته من قبل لكن أين؟ لست أدرى!!
بادرها بابتسامة حزينة ومرارة لا تعهدها فيه إلا عندما يتحدث عن ظلم أو جحود:
هذا الرجل كان ملحقاً سياسيا لسفارتنا فى بريطانيا من مدة ليست بالبعيدة جدا...
ثم أردف بنبرة أكثر مرارة:
ولقد قدم للوطن ما لم يقدمه غيره.. لكنه الآن محكوم عليه بالمؤبد خمسة وعشرون عاما.. والجريمة - تخيلى ـ عشق الوطن!!
إنه الرجل الذى هزَّ عرش صهيون ولعب بعقول أحفاد العم سام...
لكنه لا يرتدى ملابس السجن ..فهل هذا مباح؟" تساءلت مندهشة..."
وأجابها بهدوء: ليس هذا لكل المساجين بالطبع.. فقط المعتقلين السياسيين وسجناء الرأى لهم أن يرتدوا زيا مخالفا على أن يكون هذا وديا بعيدا عن القوانين.. وبخاصة من هم فى منزلته وقدره.. ولقد رأيت الحفاوة التى استقبل بها من الجميع...
الآن تذكرت..همست بصوت عال ..إنه هو .. لابد أنه هو بالفعل..هو الذى قرأت عنه فى تلك القصاصة القديمة ..التى وقعت فى يدى عن طريق المصادفة ..والتى لا أعلم إلى الآن إلى أية صحيفة كانت تنتمى؟
لم يكن مكتوبا عنه الكثير ..لكنى عكست الكلمات وقلبت الأحرف.. فكانت مرادفاتها أكبر من كل ما يمكن أن يقال عن إنسان..اكتشفت من خلال ترجمة الرموز المخبؤة وراء الكلمات الجافة والمعكوسة بطلا حرا..على عكس ما تريد الكلمات تصويره.. بطلا أضاف إلى قاموس الوطنية مفردات جديدة.. نبيلة وراقية...
وبدهشة تفوق دهشته لانعكاس الأوضاع وانقلاب الموازيين علق مبتسما: كنت صغيرة جدا.. وجميل أن يستوعب عقلك كل هذه المعانى وقتها...
أما أنا فأعرفه منذ زمن بعيد.. كنت مبهورا به لكنى لم أقابله إلا هنا.. كأن الله أراد أن يجعل لحياتى قيمة ومعنى بهذا اللقاء.. وأيا كان المكان لا يهم.. الأهم أننا التقينا.. أكثر من ثلاثة أشهر قضيناها هنا معا..اقتربت منه أكثر وأكثر.. أحببته أكثر وأكثر..عشت معه أحلامه وآماله ومخاوفه..أفراحه وأحزانه.. ضعفه الإنسانى فى لحظات الحنين إلى الأهل والأحبة.. حكى لى عن بغضه الشديد للصهاينة.. وقسمه الغليظ على تطهير أرض مصر من جواسيسهم.. كلمنى عن رفاقه المخلصين.. الذين حملوا أرواحهم على أكفهم فداءً للوطن...
علت شفتاها ابتسامة متمردة ثم أسرعت قائلة: سنوات طويلة مرت بالفعل.. أكثر من عشر سنوات.. كنت صغيرة حقا .. لكنى أحسست لحظتها أنه فارس من زمن جميل .. غريب عن زماننا.. مثالٌ عز على الزمان أن يجود بمثله.. كانت ملامحه توحى بالصدق.. وتجبر الجميع على احترام صاحبها.. وتقديس قضيته رغم ما كان مكتوبا من زيف إلى جوار الصورة...
"بل أحد عشر عاما إلا أياما قليلة" همس بصوت يكاد يصل إلى حد الخفوت.. ثم ارتفع الصوت قليلا مكملا: قضاها هنا خلف القضبان.. بعيدا عن كل ما يمت للحياة بصلة.. قابع هو فى هذا العالم الذى لم أكن أتصور أنه بهذه القسوة والضراوة.. منذ ذلك اليوم الذى قرأت تاريخه على قصاصتك .. لم يكن خائنا ولا سارقاً .. وإنما عاشقا وغيورا على وطنه وقومه وعروبته...
قطع كلامهما صوت عسكرى غليظ " الزيارة انتهت".
توالت الزيارات بعدها.. وكل زيارة تضيف إلى رصيد ذلك البطل صفحة مضيئة جديدة..فى ذاكرتها...
ومرت الأيام والأسابيع.. وأفرج عن الأخ المعتقل...
كان حزنه لحصوله على البراءة فى النقض.. وخروجه من السجن أشد كثيرا من يوم دخوله.
خرج مشروخا مما رآه فى هذا العالم من هياكل بشرية محطمة ..شائهة وضائعة.. ومنهزمة.. يحتل هذا الفارس المكانة الأولى فى فكره وقلبه...
كتب وكتب.. سجل بأمانة وصدق شهادته أمام الله والضمير..أزاح ستار الاهمال واللاإنسانية عن أشخاص سلبت الآدمية والكرامة خلف تلك الأسوار البشعة...
تمادى فى سرد القصص والحكايات ..فرغ أخيرا للوفاء الأعظم .. قصة العشق الكبير..والعاشق المتيم لثرى هذا الوطن.. وكان قد اعتزم أن يجمع نضاله وبطولاته فى كتاب...
وبين الأمنية والواقع.. ما أقسى الحدث.. جاء حزينا دامعا..سكت طويلا.. بكى كثيرا...
احتضن هديته له يوم خروجه " الأقصى الجريح" مكبلا بالأغلال.. يصرخ .. ينزف.. يعاتب كل العرب...
تحفة فريدة صنعها بيديه من الخشب المفرغ " الأركيت" لتكون رسالة من بعده لكل عربى حر!!
تأملها بعيونه الغرقى فى الدموع ..وهو يدعو القناديل الكهربائية الصغيرة الرابضة بداخلها وراء تلك الألوان الصافية بلون قلب مبتكرها أن تتوحد وتتوهج لتودع الفنان الرقيق الذى أبدعها ..الفارس النبيل.. عاشق مصر بلا حدود.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق