
دقت ساعة الجامعة الثالثة عصراً .. فى حين لم تزل تتلكأ هى بين أروقة كلية الآداب.. تتحاشى قدمها الانزلاق نحو قاعة المحاضرات.. حيث يوجد أستاذ الترجمة العلمية...
جلست تحت شجرتها المعهودة إلى جوار سور الجامعة بجانب مبنى الكلية.. تتأمل عن كثب فرشاة الخريف.. وهى تصبغ أوراق الشجر بلونها الباهت.. لتجبرها على السقوط خجلا من هذا اللون الكئيب.. الذى يجلب الفتور للناظرين...
ترقب بمرارة أوراق الشجر.. وهى تتهاوى من على أغصانها الواحدة تلو الأخرى.. دون أن تملك ولو جزءاً ضئيلاً من حق الاعتراض...
كأنها ترى نفسها الظامئة للحب..وروحها المغتربة بين البشر.. فى تلك الأشجار المجردة!
شعرت بحر الدمع يلسع عينيها..حاولت تلافى انبجاسه بالهروب..فتحت كتاب الأدب الإنجليزى.. جالت عيناها بين سطور الأشعار والنصوص الأدبية الرقيقة.. سافر بها الخيال بعيداً...
أفاقت على دقات الساعة من جديد.. تعلن انقضاء نصف ساعة أخرى من عمر الزمن...
نفضت عن ملابسها أوراق الشجر المتساقطة..وهى ترجو لو تأتى لحظة تجنى فيها ثمرة هذا التمرد..ودت لو يعتذر الاستاذ الممل من تلقاء نفسه عن تدريس هذه المادة المهمة وتخشى الرسوب فيها بسببه!
كانت تعلم أن كل هذا مجرد وهم.. وحلم من أحلام اليقظة التى تسكنها أوقات طويلة.. لكنها كانت سعيدة جدا بهذا الوهم!
ظلت تقنع نفسها بأن ثمة تغيير لابد أن يحدث.. كان زملاؤها يمرقون أمامها إلى داخل المبنى فى سرعة ملحوظة..على غير عادتهم أثناء تلك المحاضرة!
دفعها الفضول إلى الدخول مثلهم .. حامت حول القاعة.. لكن دون أدنى نية للدخول.. ينفتح باب القاعة وينغلق أمامها بين الفينة والأخرى.. وهى تزداد إصراراً فى كل مرة على عدم الدخول...
دفعتها زميلة بقوة دون قصد وهى تهرول إلى الداخل.. لكنها مصرة على قرارها لم تزل...
استدارت قاصدة الخروج بسرعة .. استوقفها فجأة صوت جديد على أذنيها.. يدوى فى أرجاء القاعة.. تردد صداه فى أعماقها مرات متتالية.. كأنه يرسخ نبراته فى كل ذره من كيانها.. ويعلن عن أحقيته من تلك اللحظة فى امتلاك قلبها ومشاعرها...
رفعت طرفها نحوه فى ذهول متسائلة..أجابتها كل المفردات المحيطة به أنه...
انبرت بنفس الذهول تفتش عن مكان للجلوس.. تعلو نبضات قلبها فوق كل اللغط المحيط بها ويشوش عليها معظم الوقت إلا أن صوته لم يخطىء طريقه إلى قلبها لحظة...
ظلت هائمة معه بكل ما تملك من شعور..تذوب فى كل كلمة تصدر عنه..حتى وهو يتكلم عن أينشتاين يُخيل إليها أنه يلقى قصيدة تفوق رومانسيتها أشعار إميلى برونتى و تى. إس. إليوت لا مصطلحات علمية جامدة!
انتهت المحاضرة.. وانتهى معها كل ما كان يربطها بذاتها القديمة..التائهة..المعذبة...
لحظات قلبت تاريخها..عادت بها إلى يوم مولدها.. صفحة بيضاء لم يُخط بها حرفا...
ظلت عيناها معلقة به..حتى توارى تماما بين جموع الطلاب الغفيرة.. التى التفت حوله عقب المحاضرة!
مرت الأيام.. وامتلأت الصفحة بالخطوط ..الألوان..الظلال...
بالقلق.. بالانتظار..بالآمال...
بالأفراح.. بالدموع.. بالأحلام...
بالدهشة.. بالألغاز.. بعلامات الاستفهام...
كانت فى كل محاضرة تنتوى البوح له بما ينوء به قلبها.. لكنها كانت تموت خجلا كلما هب النسيم حاملا لها نبأ مقدمه.. فتنزوى فى مكانها المعتاد فى آخر القاعة.. تعيش مع صوته رحلة عشق طويلة.. تعوضها عما تفتقده على أرض الواقع!
شىء واحد كان يطمئنها بأنه سوف يدرى يوما بهذا القلب الذى لم يُخلق إلا لينبض من أجله.. هو ذلك الاهتمام الذى كان يبديه نحوها.. وتحمله لها عيناه.. التى تضبط زاوية رؤيتها صوبها.. مؤكداً مما لا يدع مجالا للشك أنه يشرح لها وحدها.. وابتسامته التى كانت تستقر فى أعماقها حين يطرح سؤالا ويدعوها للإجابة.. حتى يوم أن أعلن عن رقم تليفونه المحمول أثناء المحاضرة.. كان يؤكد الرقم أكثر من مرة وعينه تكاد تنطق أنه لم يكن قاصدا إعطائه لأحد سواها...
كان ينتظر فقط ذلك الضوء الأخضر الذى يمكنه من العبور إلى عالمها دون أدنى حرج..وباتت تحلم بأن يعبر هو من تلقاء نفسه دون أية أضواء أو إشارات...
تسربت المحاضرات من الجدول بسرعة رهيبة.. كما انفرط عقد الأيام دون أن تدرى...
جاءت المحاضرة الأخيرة .. وخطت الكآبة على قسمات وجهها أحزان عميقة.. لا تتصور كيف ستمضى الأيام دون أن تراه وتسمع صوته
" آهٍ لو تُلغى هذه الإجازة الصيفية ..آهٍ لو يطول الشتاء..آهٍ لو يفيد الرجاء!!!" جعلت تحدث نفسها دون أن يشعر أحد...
ومثل كل اللحظات الجميلة فى عمرها مر وقت المحاضرة سريعا.. ظلت آخر كلماته تطن فى أذنها..وقسمات وجهه الحزين ترتسم أمام عينيها وهو يؤكد صادقاً" أنتم دفعة ممتازة.. وفعلا كنت سعيدا بالتدريس لكم.. وكنت أتمنى أن يتكرر هذا فى العام المقبل.. لولا سفرى إلى إنجلترا للعمل بجامعة نيو كاسل هناك....
لم تسمع بقية كلامه.. ظلت هذه الكلمات تتردد بداخلها.. برأسها.. حولها...
دارت الأرض تحت قدميها.. مر شريط الذكريات يتهادى أمام عينيها...
مازال الطلاب يلتفون حوله..يتعالى الضجيج..يفيقها..ينقذها من خجلها...
لملمت شتاتها.. استجمعت شجاعتها التى طالما خذلتها من قبل.. رافضة منها أى تخلٍ أو عذر هذه المرة.. جرت مجنونة إليه...
كان قد لملم أشياءه وشتات روحه المبعثرة التى تأبى الرحيل..والمتشبثة بجنون بذلك الركن الهادىء فى آخر القاعة.. لوَّح حزينا مودعاً الجميع.. وذاب وسط الزحام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق