الثلاثاء، 24 فبراير 2009

النبوءة - قصة قصيرة


قالت لها العرافة: إياك ويوم الأربعاء .. ندت عنها آهة مكتومة .. ودمعة رثاء على شىء كان...
طفت على سطح الذاكرة خيالات حزينة " يوم الأربعاء" همست دون أن تدرى...
تذكرت " كذب المنجمون ولو صدفوا"...
عادت أذنها تلتقط كلام العرافة من جديد " عمر مديد .. مديد" .. تحسست صدرها مكان القلب .. تذكرت مرضها الخطير.. ابتسمت .. همهمت" كذب المنجمون"...
نظرت فى عمق عينيها الذابلتين " حزن عميد .. جرح عتيد .. سوء حظ غالب "...
أرخت طرفها مؤمنة على الكلام .. غابت فى الزمان البعيد...
"لكن الحزن راحل .. والعكس زائل.. ولم الشمل بإذن الله عاجل"...
ابتسمت: " الحزن راحل؟!!" .. ترددت الجملة بين جوانحها مرات فى صمت ودهشة...
" ولكن إياك .. إياك ويوم الأربعاء" يرتفع الصوت محذراً من جديد.
غدت كل أيامى الأربعاء .. تأخرت ياسيدتى التنبؤات.. حدثتها نفسها سراً ...
" نصيبك من تريدين .. حتى ولو بعد حين .. أو حتى أحايين" يعود الصوت خفيضاً حانياً...
ضغطت قلبها الموجوع براحة يدها اليسرى .. تقطعت أنفاسها .. كادت تغيب.. دلكت القلب المهترىء ألماً برفق ..عادت إليه بعض الحياة وكانت على شفا الغروب شمسها...
ارتسمت فى عينيها النجلاوين صورة لجسد مسجى فى كفن ..وشت بها تلك الدموع المتحجرة .. لحظة إعلان عجزها عن المقاومة .. وتحمل ذلك اللهيب المتقد فى مقلتيها...
بات السر منكشفاً عارياً .. " مات الحبيب يا بلهاء" تدحرجت دمعة " ومت ألف مرة " دمعات "وألف أربعاء"...
لا تدرى وهى على فراش الموت لم عبرت ذاكرتها تلك الكلمات.. ولم ملأت مخيلتها صورة تلك الغجرية ذات الرداء الأسود والوشم المنمنم على الذقن حين التقتها على شاطىء البحر منذ شهور؟!!
لا تدرى لم تريد رؤيتها الآن.. الآن تحديداً .. الآن؟!!
الآن فقط تيقنت أنها عاشت كل هذا العمر المديد .. المديد...
الآن فقط تشعرأنها عاشت طويلاً طويلاً.. حتى هرمت.. حتى تعاطت كل أوجاع الحياة...
شاخ قلبها منذ زمن بعيد لاتذكره.. كسر آلاف المرات.. جف نبضه الدافىء .. غاضت فيه الدماء...
رأسها ثقيل ..ثقيل.. لايقوى جسدها النحيل على حمله .. كأنها تحمل فوق كاهلها ألف عام...
الآن فقط أدركت المعنى المخبوء خلف النبرات المشفقة.. لكنها تجاهد لتبتسم...
الآن فقط يستعد الحزن العميد للرحيل الأبدى...
الآن يندمل الجرح العتيد...
الآن.. الآن حقاً يزول العكس...
" نصيبك من تريدين " تضحك .. تصرخ ..آااااااااه...
تفيق من إغماءة قصيرة " حتى ولو بعد حين".
ينكشف الكفن من فوق الجسد المسجى بعينيها .. تنبسط أسارير الوجه الجامد كقطعة صلصال شكلت منذ آلاف السنين .. تتمرد أخيراً قطعة الصلصال .. تحتج على جمودها .. خرسها .. موتها...
الآن .. الآن فقط سُمح لها أن تراه بعيداً عن الكفن .. بعد كل هذه الدهور الطوال..تتحسسه عيناها بلهفة كل هذا العمر المديد .. المديد...
تومىء إليه " لن تبقى وحيداً يا حلم السنين"!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق