
كان يومه مشحوناً - كالعادة - بالعمل وحوارات الأصدقاء المملة .. إلى جانب سخافات الحياة التى لا تنتهى .. وأحزانه الجمة التى تحتل أعماقه.. منذ آماد بعيدة وتأبى الجلاء .. عشق بينها وبينه ممتد إلى ما بعد الرحيل .. عشق شكل وجدانه وأعاد صياغة ملامحه من جديد .. بعد إضافة بضعة بصمات أخرى أكثر عمقاً .. تخص سنوات لم تأت بعد .. عشق ساعد فرشاة السنين على العبث بثوابت الألوان والخطوط .. واختزالها فى ذلك اللون الباهت .. الذى زحف حثيثاً إلى مفارقه .. عشق يعصر قلبه ويذيب روحه .. روحه التى دامت تتوق إلى العشق منذ أدرك المعانى .. وعثر على ذاك العالم المخبوء بداخله .. ليكتشف فجأة أن هناك فى الوجود شيئاً رائعاً .. يخصه وحده دون البشر.. يقتبس منه حروف شعره .. فيصوغ ذاته الهائمة التائهة قصائد من طراز فريد .. ذلك الذى ينبض ويمشى على قدمين .. مترنحاً العمرمضى .. وأمضى .. شريد القلب متعبه .. ممزق الأحاسيس والمشاعر .. طريد أمنية بسيطة .. كانت كل شىء ذات يوم .. يقايض بعمره لو تتحقق .. وآهٍ من لو...
ارتسمت صورتها لعينيه المرهقتين .. غلفته نبراتها الدافئة .. تردد همسها خفيضاً بين جنبات قلبه.. مهدهداً طفولته المتوارية تحت عباءة سنوات ثلجية قاحلة.. غالبه النعاس على صدر الذكرى .. هام شوقاً وحنيناً لذاك الأمس!
كانت الوحيدة القادرة على إخراجه من كل هذا الذى يحيط به ويسكنه .. لملم أوراقه ومشاعره المتناثرة فى كل ركن من أركان العمر .. انسلخ من ذلك الروتين اليومى .. الذى حوله إلى آلة صماء مبرمجة .. فاراً ببقايا تلك الأمنية البسيطة.. التى دامت تسكن فطرته منذ أن ترك بلدته الصغيرة .. حاملاً فوق كاهله تسعة وعشرين شتاءً .. باحثاً عن ذاته وهويته .. مكافحاً ثلوج الغربة فى أحضان مدينة بلا قلب .. مودعاً إلى الأبد أزمنة الحنان وبقايا الدفء .. وأشياء كان لها طعم الحب!
أمسك بهاتفه المحمول استعداداً للمغادرة .. ضغطت يده رقم حبيبته تلقائياً دون أن يدرى.. لكنها لم تكن فى انتظاره مثل كل ليلة.. كى يبدآ أمسيتهما الرائعة تحت سماء المدينة .. المتوهجة بأضواء النيون والفلورسنت .. طرقات كثيرة كان من المفترض أن يمرا بها .. شوارع كثيرة كان لابد أن يعبراها إلى الجانب الآخر .. منعطفات عديدة كان يتعين عليهما أن يسلكاها!
يمشى صامتاً محدقاً فى هاتفه الذى أصابه الخرس .. تسائله قسمات الليل الحزينة.. الأضواء.. الطرقات .. ذات السؤال الحائر.. الذى ارتسم فى عيون بائع السجائر المندهشة منذ قليل .. والذى لمحه فى عيون أفراد الأمن بأسفل.. بينما كان خارجاً من المصعد بمفرده.. على غير العادة!
قالت له ذات ليلة "لقد أصبح لى ذكريات جميلة فى تلك الشوارع التى لا أعرفها ولم أمر بها قط..." وقبل أن تكمل كلامها هرول يعدها أن ستمشيها حتماً ومعه هو دون البشر!
هبط درجات النفق ساهماً .. مشى وئيد الخطى إلى مقعده المعتاد فى انتظار المترو.. وبنفس اللاوعى الجميل.. الذى تملكه منذ ألحت به الذكرى .. يخيل إليه أنه يحدثها .. ثم ينظر إلى هؤلاء المستريبين المكدسين على الرصيف المقابل مؤكداً "آه بحب فى التليفون.. فيه مانع؟".. يطن فى أذنيه رجع يعشقه " كفاية جنان بقى ده خامس مترو يفوتك..."
يهمس حانياً دون أن يدرى "ولا يهمك يا عمرى.. فداك ألف مترو".. يعلو الرجع بتوسل ودود " الدنيا برد وده آخر مترو..."
يدندن " يا ادفا احساس شدنى خلانى ادوب " .. تصحح له ما حرفه عامداً من الأغنية الشهيرة " يا أعلى" .. يصر مكرراً " يا ادفا احساس شدنى...".. تبتسم قائلة " افهم من كدا انك مش بردان بجد .. مصدقاك.. عشان خاطرى طيب " .. يستجيب متكاسلاً .. يقدم خطوة ويؤخر أخرى .. حتى يكاد يفوته آخر قطارات الليل!
تنفرج شفتاه بإبتسامة مرهقة وهو يتذكر تلك الليالى الكثيرة .. حين كان يكتشف فجأة أن القطار تخطى محطته.. لحظة أن ينتبه من شروده اللذيذ فيها ومعها .. يجرى مسرعاً إلى الرصيف المقابل.. محاولاً اللحاق بآخر قاطرة .. ليكملا بعدها آخر طقوس الأمسية المعتادة ...
فى هذه اللحظة تحديداً يود لو يصرخ بأعلى صوت .. يود لو يعيد عقارب الزمن إلى الوراء فلا تعبر أيامها.. يود لو يمتلك جناحين فيطير إلى رحابها.. يفرد ذراعيه عن آخرهما.. يضمهما بقوة معانقاً الهواء .. زمن طويل لم يشعر بالدفء .. زمن مرير كئيب لازمه الألم كظله .. يشتاق بجنون إلى همس كان يطوقه .. يربت قلبه الموجوع .. يزيح ذاك الجليد المتراكم فوق كهولته الهشة.. فتنتفض روحه الثلجية .. يحاول اقتلاع قدميه من أرضية الشارع المؤدى إلى بيته دون جدوى .. تسمرت قدماه فى ذات البقعة.. أمام ذلك البناء الفخم الذى لم يكن ضمن أحلامه ذات يوم أن يسكنه .. ربما كان يعبره دونما يلتفت إليه .. لكنه اليوم يود لو يحتضن أسواره العالية .. يقبل تلك الأبواب والشرفات .. يجوب كل الردهات والممرات.. بحثاً عن الحبيبة التى باتت تسكنه.. يجىء سؤالها المعهود "وصلنا فين دلوقت؟" وكالعادة يطلب منها أن تجيب " قولى كدا" فتقول وقد تغيرت نبرتها وخفت إلى حد التلاشى صوتها "قدام القصرالجمهورى"!
بضعة أمتار متبقية.. إلى البيت الذى لن تسكنه أبداً.. تعنى أنها لابد أن تقول وداعاً.. تخبو الضحكات والصخب .. وحثيثاً حثيثاً يخيم هدوء كثيف .. بلون الغربة وطعم الوجع ..على تلك البقعة من الأرض .. أمام القصر الجمهورى.. يرجىء كلاهما قدر ما يمنحه الليل من بقاء.. كلمة الوداع!
فى صمت قاتل وملالة .. وقبل أن يأوى الى كرسيه الخيزرانى .. القابع فى أقصى يمين الشرفة.. ليدخن آخر سجائره.. يحاول أن يتذكر موضع مفتاح الشقة.. بين كل هذا الكم من الأشياء المبعثرة بداخله.. يمرق متململاً الى الداخل .. يمارس طقوساً عادية.. تصدمه فجأة بأنه.. يتعاطى الحياة .. لم يزل!
ارتسمت صورتها لعينيه المرهقتين .. غلفته نبراتها الدافئة .. تردد همسها خفيضاً بين جنبات قلبه.. مهدهداً طفولته المتوارية تحت عباءة سنوات ثلجية قاحلة.. غالبه النعاس على صدر الذكرى .. هام شوقاً وحنيناً لذاك الأمس!
كانت الوحيدة القادرة على إخراجه من كل هذا الذى يحيط به ويسكنه .. لملم أوراقه ومشاعره المتناثرة فى كل ركن من أركان العمر .. انسلخ من ذلك الروتين اليومى .. الذى حوله إلى آلة صماء مبرمجة .. فاراً ببقايا تلك الأمنية البسيطة.. التى دامت تسكن فطرته منذ أن ترك بلدته الصغيرة .. حاملاً فوق كاهله تسعة وعشرين شتاءً .. باحثاً عن ذاته وهويته .. مكافحاً ثلوج الغربة فى أحضان مدينة بلا قلب .. مودعاً إلى الأبد أزمنة الحنان وبقايا الدفء .. وأشياء كان لها طعم الحب!
أمسك بهاتفه المحمول استعداداً للمغادرة .. ضغطت يده رقم حبيبته تلقائياً دون أن يدرى.. لكنها لم تكن فى انتظاره مثل كل ليلة.. كى يبدآ أمسيتهما الرائعة تحت سماء المدينة .. المتوهجة بأضواء النيون والفلورسنت .. طرقات كثيرة كان من المفترض أن يمرا بها .. شوارع كثيرة كان لابد أن يعبراها إلى الجانب الآخر .. منعطفات عديدة كان يتعين عليهما أن يسلكاها!
يمشى صامتاً محدقاً فى هاتفه الذى أصابه الخرس .. تسائله قسمات الليل الحزينة.. الأضواء.. الطرقات .. ذات السؤال الحائر.. الذى ارتسم فى عيون بائع السجائر المندهشة منذ قليل .. والذى لمحه فى عيون أفراد الأمن بأسفل.. بينما كان خارجاً من المصعد بمفرده.. على غير العادة!
قالت له ذات ليلة "لقد أصبح لى ذكريات جميلة فى تلك الشوارع التى لا أعرفها ولم أمر بها قط..." وقبل أن تكمل كلامها هرول يعدها أن ستمشيها حتماً ومعه هو دون البشر!
هبط درجات النفق ساهماً .. مشى وئيد الخطى إلى مقعده المعتاد فى انتظار المترو.. وبنفس اللاوعى الجميل.. الذى تملكه منذ ألحت به الذكرى .. يخيل إليه أنه يحدثها .. ثم ينظر إلى هؤلاء المستريبين المكدسين على الرصيف المقابل مؤكداً "آه بحب فى التليفون.. فيه مانع؟".. يطن فى أذنيه رجع يعشقه " كفاية جنان بقى ده خامس مترو يفوتك..."
يهمس حانياً دون أن يدرى "ولا يهمك يا عمرى.. فداك ألف مترو".. يعلو الرجع بتوسل ودود " الدنيا برد وده آخر مترو..."
يدندن " يا ادفا احساس شدنى خلانى ادوب " .. تصحح له ما حرفه عامداً من الأغنية الشهيرة " يا أعلى" .. يصر مكرراً " يا ادفا احساس شدنى...".. تبتسم قائلة " افهم من كدا انك مش بردان بجد .. مصدقاك.. عشان خاطرى طيب " .. يستجيب متكاسلاً .. يقدم خطوة ويؤخر أخرى .. حتى يكاد يفوته آخر قطارات الليل!
تنفرج شفتاه بإبتسامة مرهقة وهو يتذكر تلك الليالى الكثيرة .. حين كان يكتشف فجأة أن القطار تخطى محطته.. لحظة أن ينتبه من شروده اللذيذ فيها ومعها .. يجرى مسرعاً إلى الرصيف المقابل.. محاولاً اللحاق بآخر قاطرة .. ليكملا بعدها آخر طقوس الأمسية المعتادة ...
فى هذه اللحظة تحديداً يود لو يصرخ بأعلى صوت .. يود لو يعيد عقارب الزمن إلى الوراء فلا تعبر أيامها.. يود لو يمتلك جناحين فيطير إلى رحابها.. يفرد ذراعيه عن آخرهما.. يضمهما بقوة معانقاً الهواء .. زمن طويل لم يشعر بالدفء .. زمن مرير كئيب لازمه الألم كظله .. يشتاق بجنون إلى همس كان يطوقه .. يربت قلبه الموجوع .. يزيح ذاك الجليد المتراكم فوق كهولته الهشة.. فتنتفض روحه الثلجية .. يحاول اقتلاع قدميه من أرضية الشارع المؤدى إلى بيته دون جدوى .. تسمرت قدماه فى ذات البقعة.. أمام ذلك البناء الفخم الذى لم يكن ضمن أحلامه ذات يوم أن يسكنه .. ربما كان يعبره دونما يلتفت إليه .. لكنه اليوم يود لو يحتضن أسواره العالية .. يقبل تلك الأبواب والشرفات .. يجوب كل الردهات والممرات.. بحثاً عن الحبيبة التى باتت تسكنه.. يجىء سؤالها المعهود "وصلنا فين دلوقت؟" وكالعادة يطلب منها أن تجيب " قولى كدا" فتقول وقد تغيرت نبرتها وخفت إلى حد التلاشى صوتها "قدام القصرالجمهورى"!
بضعة أمتار متبقية.. إلى البيت الذى لن تسكنه أبداً.. تعنى أنها لابد أن تقول وداعاً.. تخبو الضحكات والصخب .. وحثيثاً حثيثاً يخيم هدوء كثيف .. بلون الغربة وطعم الوجع ..على تلك البقعة من الأرض .. أمام القصر الجمهورى.. يرجىء كلاهما قدر ما يمنحه الليل من بقاء.. كلمة الوداع!
فى صمت قاتل وملالة .. وقبل أن يأوى الى كرسيه الخيزرانى .. القابع فى أقصى يمين الشرفة.. ليدخن آخر سجائره.. يحاول أن يتذكر موضع مفتاح الشقة.. بين كل هذا الكم من الأشياء المبعثرة بداخله.. يمرق متململاً الى الداخل .. يمارس طقوساً عادية.. تصدمه فجأة بأنه.. يتعاطى الحياة .. لم يزل!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق