الاثنين، 23 فبراير 2009

حبيتك بالخريف - قصة قصيرة


سنوات طويلة مضت.. ولم تزل على ضلالها القديم .. لحظة أن تلمح آخر شعاع للشمس يتكسر على أرضية حجرتها استعداداً للرحيل..تهرول مجنونة إلى شجرة الساسابان العتيقة.. القابعة على حافة النهر..هناك بعيداً عن حماقات المارة وسخافاتهم.
تغيب عن الوجود ملياً .. تحدث حبيباً لم تسطع الأيام على مرارتها وقسوتها أن تقنعها بأن غيابه ماله من إياب.
تسافر عبر سنين الذكرى .. تنفرج شفتاها الحزينتان بإبتسامة صافية لا تطاوعها إلا فى هذه البقعة من الأرض.. تحت ظلال هذه الشجرة الحنونة.
تزداد الانفراجة كثيراً ويُسمع لضحكاتها المتتالية رنيناً حلواً منغماً .. تدندن " شايف البحر شو كبييير.. كبر البحر بحبك.. شايف السما شو بعيييدة.. بعد السما بحبك" ..يشاركها الغناء بصوت مرتفع .. يبتكران من صدفة لقائمها الأول أغنية جديدة على وزن رائعة شهيرة لصاحبة الصوت الملائكى الذى يعشقانه .. يصدحان فى نفس اللحظة هائمين " حبيتك بالخريف " .. تملأ صدرها بالهواء.. تغمض عينيها الغائمتين على تلك الذكريات التى تسكنها سكنى الجان وتجرى فى عروقها مجرى الدم .
تبتل الأرض تحت قدميها دون أن تدرى حين أمطرت عيناها والدنيا المختنقة بالبكاء منذ قليل وأعلنتا تضامنها خلسة.
كائن شتوى هى .. تعشق السير تحت رذاذ المطر .. وتلك السحابات البادية .. السابحة فى لجين السماء.. تداعب خد الشمس فى عليائها .. وتحجب عن القمر جهل الأغبياء .. مثلها هو تماماً كائن شتوى.....
كائن شتوى ليلىّ .. يُستد لُ عليه بقدوم المساء.. تحتفل بمولدها من تشرين إلى نيسان.. مثلها هو تماماً كائن شتوى ليلىّ.....
الرياح تعصف بأوراق الشجر المتساقطة .. تصفع وجهها بشدة ..تفيق على حقيقة مؤكدة .. أنها هاهنا وحيدة وأنه غائب عن عالمها سرمداً.. تشعر بالبرودة تتسلل إلى عظامها .. تضع يديها فى جيبىّ المعطف.. تشعر بدفء عارض .. تجوب عيناها الأفق .. تستقر عند مفترق الطرق....
تطل من ذاكرتها صورته وهو يتوارى مع النهار.. وخيوط الشمس تراوده المغيب معها.. وتجذبه من عالمها بقوة.. والعتمة حثيثاً تمحو بصمات خطاه من بؤرة اللقاء.
تذكر تلك الكلمات الأخيرة.. النظرات..العبرات.. الشفق..الأفول .. الحب المصلوب هاهنا.. الحياة المقبرة تحت أقدام هذه الشجرة...
تحدق فى الأفق البعيد الدامية قسماته.. تنعكس على مقلتيها دوائر أرجوانية باهتة.. هى كل ما استطاعت رؤيتها الضبابية التقاطه.. تطن الريح فى أذنيها برجع ترنيمتها الحزينة " كنا نتلاقى من عشية.. ونقعد على الجسر العتيق" .. تموج عيناها " تنزل على السهل الضباب .. تمحى المدى وتمحى الطريق" .. تغيم الرؤية " ما حدا يعرف بمطرحنا غير السما وورق تشرين" .. تمطر عيناها من جديد " ويقولى بحبك انا بحبك .. يهرب فينا الغيم الحزين".. تغوص فى عمق اللقاء بينما تمطر سحابات مقلتيها بلا انقطاع.
الجو البارد الذى شرع فى البكاء قبل قليل أوشكت رياحه أن تعصف بها مع حبات المطر المتطايرة بعيداً.. لابد أن تمضى قبل أن تغرق الدنيا...
تتحسس عطره يفوح من بعيد .. تظنه قادماً .. يدب فى أعماقها شعور .. تنساب فى عروقها حياة.. تتجمد سنوات البعد .. تذوب .. تتلاشى .. تعود إلى البداية.. تسبح فى نهر الدموع...
يلوِّح كف النهار مودعاً.. يصافح عينها وجه المساء .. تدرك أن اليوم مثل كل يوم .. تأتى لتودع واحداً من أيامها ليس إلا...
الموتى مجرد ذكريات...
الموتى يسكنون الحكايات...
الموتى لا يعودون..لايعودون..لايعودون...
تمضى طريدة الذكرى .. شريدة القلب .. تطن فى أذنيها كلمات غبية.. تمضى..تجلد أعماقها.. تمضى .. تذيب روحها .. تمضى .. وتمضى.. وتمضى...
لا تدرى متى ولا أين تحط بها الخطى...
لا تعى غير أنه فارق ويوماً .. سيعود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق