الأربعاء، 25 فبراير 2009

مسيرة الخراف - قصة قصيرة


نظر إلى الأفق البعيد نظرته المعتادة .. والتى تتكرر بين الفينة والأخرى منذ أن مالت الشمس نحو المغرب وجعلت تلملم أشعتها من الكون استعدادا للرحيل..هز رأسة كمن عقد عزمًا ما.. جعل يجهز نفسه للعودة إلى القرية البعيدة.. صاح صيحاته المرعبة فانتظم الجمع فى التو صفوفا كطوابير المدرسة.. أو كتلك الممدة فى قلب الشوارع أمام المجمعات الاستهلاكية...
فى طرفة عين كان الجمع يسير خلفه فى سرعة منتظمة.. يكاد الرائى يحسبهم فرقة عسكرية تؤدى تدريباتها بكل دقة...
زمن طويل علمهم الخنوع والانصياع لكل الأوامر دون نقاش.. زمن طويل تدرب فيه الكبار على الطاعة العمياء.. وتربى الصغار على محاكاة هؤلاء الكبار...
درج الجميع فى كنفه جبناء متخاذلين.. دمى يحركها كيف يشاء.. تأكل ..تشرب.. تنام.. تذبح...
تدق الصفوف الأرض بأقدامها.. تتطاير ذرات التراب.. تغلف ماتبقى من ومضات الشمس الواهنة فتختنق آخر أنفاس النهار.. تسير الصفوف فى انتظامها دون تغير وهو فى غطرسته لا يلتفت إلى الخلف مرة بينما لا يجرؤ أحد على التباطؤ أو الشذوذ...
ثغاء مكتوم تحت سحابات أرجوانية شاحبة على امتداد الطريق إلى القرية البعيدة.. تجد الصفوف رغم تعبها.. تضغط الأرض متحاملة حتى لا تختل سرعتها أو تمس الفوضى انتظامها.. تسير فى خطها المستقيم.. أشبه بالآلات المبرمجة.. ثغاء مكتوم.. قلب فاتر .. سير بلا حماس...
يكاد الليل البهيم الذى جثم على أنفاس الكون يقبض أرواحهم ومازالت هناك بضعة أميال إلى القرية البعيدة.. الطريق تطول وتطول على الصفوف المتعبة التى أنهكها طول المسير.. يمر الموكب المنتظم بشجرة الجميز الضخمة على حافة الطريق.. يلوح الهيكل الضخم فى الظلام كأشباح الأساطير اليونانية القديمة...
لم يلتفت أى منهم كما لم يلتفت هو.. مضى الجميع بلا هوادة فى خطه المستقيم وصفوفه المنتظمة بينما لا يجرؤ أحد على التباطؤ أو الشذوذ...
ها أخيراً المدينة الكبيرة.. وها هى الطريق الأسفلتية التى يعبرونها فى الذهاب والإياب.. أشعلت أنوار السيارات العالية سماء الليل البهيم فتراجع الظلام مؤقتا.. انعكست على المرايا الجانبية للسيارات صورة متحركة للصفوف منتظمة مسرعة.. مد عنقه زهوا بنفسه وقبضته الحديدية عليهم...
سيارة مسرعة تأتى من الخلف.. تطلق صفاراتها المعروفة.. تنتحى كل السيارات تفسح لها الطريق..بينما الصفوف ثابتة متشبثة بمكانها تأبى إلا أن تمضى فى خطها المستقيم وسرعتها المنتظمة.. دوى الصفير فى آذان الكون.. لم يلتفت هو ولم تفسح الصفوف.. السيارة تصفر وتصفر.. نزل السائق.. طوح بيديه هنا وهناك وهم سائرون فى طريقهم دون اكتراث.. صاح "معى طفل يموت" .. لم يلتفت ولم يفسحوا.. زعق فى كل اتجاه.. لم يلتفت ولم يفسحوا.. عاد السائق إلى سيارته.. أمسك بعجلة القيادة.. داس بكل قوته.. جعل يدهسهم الواحد تلوالآخر .. لم يلتفت ولم يفسحوا ...
كم واحد مات؟ كثيرون؟ ثلثهم؟ نصفهم؟ كلهم؟ لايهم...
المهم أنهم لم يشقوا عصا الطاعة!!!
عبر بما تبقى من صفوفة تلك الطريق الأسفلتية.. لم يلتفت والصفوف تسير خلفه فى خطها المستقيم وسرعتها المنتظمة بينما لا يجرؤ أحد على التباطؤ أو الشذوذ...
صعد الدرج بينما تناثرات الخراف التى هدها التعب على أرضية الفناء الواسع المسور بأسلاك شائكة تكاد تطاول السماء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق