الثلاثاء، 24 فبراير 2009

أيام فى قلب مارلين - قصة قصيرة



ليلة خريفية كئيبة مثل كل لياليها منذ أن افترقا.. بيد أن هذه الليلة تميزت بشىء جعلها أكثر كآبة وحزنا...
جلست إلى طاولتها .. أوقدت شموعا سبع .. استرخت تماما على مقعدها.. ذابت مع نغمات عشقاها سويا.. داعبت عينها عبرة ..بدت خلفها اللوحة المعلقة قبالتها على الحائط مهتزة باهتة الألوان..تساقطت رغما عنها الدموع ..لملمتها ..احتضن بصرها المرهق اللوحة بقوة..لوحة فريدة لسمكتين رائعتين ..من إبداع حبيبها الفنان التشكيلى..كان قد أهداها لها فى عيدهما الثالث...
شردت طويلا.. تلاشت النغمات الهادئة...أربع سنوات مرت على رحيله ..أربع سنوات بلا عيد هى.. بلا شعور ..بلا حياة...
أربع سنوات يدق الصمت المميت فى كل لحظة أجراس الحنين..تسيل الأحزان من قلبها المذبوح..تغرقها.. تتشبث بخيوط الذكرى.. تحتضن الوهم...
ارتسمت ملامحه الرقيقة أمام عينيها.. لحيته الخفيفة..شاربه المنمق.. شعره الكستنائى الكثيف.. مداعباته الطفولية الجميلة...
تردد صوته الدافىء فى أذنيها..غلفها.. ذوبها..تبخرت..تصاعدت..اخترقت أفق الأيام الجليدية.. استقرت فى حضن الزمن الجميل...
تراءى لها يوم أهداها اللوحة.. ابتسمت..أشارت إلى ساعتها:
- كل هذا تأخير؟!
- سامحينى يا حبيبتى .. فأنا.......
- ادخر مبرراتك وأعذارك.......
- لا.. لا أحتمل رؤية دموعك يا صغيرتى .. أرجوك سامحينى ..لم أقصد إجهاد قلبك الرقيق .. لن أسامح نفسى إن لم تسامحينى...
- تعلم أنى لا أملك إلا أن أسامحك مهما فعلت!
- أعشق حنانك "يا أمى" !
مد يده الحنونة يمسح تلك الدمعات المتناثرة على خديها كحبات اللؤلؤ ..طوق وجهها بكفيه.. مالت يمينا ويساراً تقبل باطن كفيه.. تهمس ذائبة:
- كل سنة وانت طيب ياحبيبى!
- وأنت طيبة يا حبيبتى.. ما أجمل عيدنا .. وما أجمل ورتك البيضياء المعهودة .. بلون قلبك الصافى البرىء...
- بلون أجمل يوم مر بعمرى ..يوم إلتقينا أول مرة...
- أغمضى عينيك.. تماما هكذا.. لحظة .. الآن افتحيهما يا حبيبتى...
- يا إلهى.. ما أروع هذه اللوحة!
- إنها آخر أعمالى..رسمتها خصيصاً لأجلك..انتهيت منها تواً قبل حضورى وهذا سبب تأخرى يا حبيبتى.. وها هى مكتملة بين يديك فى يوم عيدنا كما تمنيت!
- أحبك!
- أحبك أكثر يا ملاكى!!
- مفاجأة رائعة..زوج من أسماك "المارلين" الرومانسية الرقيقة.. هائما فى عالمه البديع ..كم هذا المنظر رائع!
- "العاشقان مارلين" .. هكذا أسميت اللوحة...
- إلى الأبد يا حبيبى .. إلى الأبد يا مارلين!
محفورة تلك الأقصوصة بذاكرتها .. حكاية صياد " هيمنجواى" العجوز التى قرآها سويا منذ فترة وتأثرا بها إلى حد البكاء...
كم كان الصياد حزينا متأثراً وهو يروى قصة أنثى المارلين التى أوقعها فى شركه .. وكيف أن الشريك لم يتخل عنها وظل باقياً بجوارها طوال الوقت.. كم كان مجنوناً عندما فشل فى انقاذها.. كان يقفز عالياً ليراها على سطح المركب.. ثم طفا مهزوما باسطاً زعنفتيه الأرجوانيتين على سطح الماء فى ذل وانكسار!
"وفاء نادر عز بين البشر مثله" ..هكذا قالت يومها.
نظرت إليه...
نظر إليها...
حبيبى مارلين ..حبيبتى مارلين!
إلى الأبد يا حبيبى.. إلى الأبد يا مارلين!
تنبهت من شرودها وهى تردد تلك الجملة الأخيرة..تسلل صوت الموسيقى إلى أذنها من جديد .. بدت الشموع باكية حزينة...
تغمض عينيها.. يعود مع الشمس مارلين.. وأوزوريس.. وشادى الذى كان يلعب على الثلج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق