
الرياح تعصف بأوراق الشجر.. وبقايا مناديل ورقية.. خلَّفها على الرصيف غير الحريصين على نظافة مدينتهم...
الغمام الكثيف القاتم يغطى لجة السماء.. إلا فراغات قليلة شاحبة.. حتى إنه لم يدرِ برحيل الشمس المحتجبة .. إلا عندما ترامى إلى مسامعه آذان المغرب...
كان يمضى بلا هدى..أو هدف محدد.. إلا أنه يعشق كورنيش النيل وبخاصة فى هذا الوقت من النهار.. يسترق بعض الوقت المشحون بالعمل على الدوام .. يمارس هواية غريبة.. مثله تماماً.. لكنها أثيره لديه منذ زمن طويل .. وبمجرد خروجه من مكتبه ينعزل كليةً عن أى شىء وكل شىء يذكره بالعمل.. فقط هذا الوقت لممارسة هوايته الوحيدة.. الشرود مشياً...
لم تشغله حالة الجو غير المستقرة طوال اليوم.. والتى أسفرت عن يوم سىء جدا بكل المقاييس.. وبوادرها التى تنبىء بليلة ليلاء.. مطيرة.. قارسة...
إلا أنه تذكر للحظة زجاج نافذة غرفة نومه المكسور.. وكان لا يتذكر ذلك إلا عندما يأوى إلى فراشه فى الهزيع الأخير من الليل .. فيسب استهتاره ويلعن فوضويته.. وهو يحكم إلصاق ورقة الجريدة على الجزء المكسور...
انقضى الشهر الأخير من الشتاء الماضى .. وهو يفعل ذلك كل ليلة.. ويقسم أن أول شىء يفعله فى الصباح .. هو استبدال هذا الزجاج المكسور...
ويعود إلى فراشه فى الهزيع الأخير من الليل.. يسب استهتاره ويلعن فوضويته.. وهو يحكم إلصاق ورقة الجريدة على الجزء المكسور...
لا يدرى لمَ يتجسد أمام عينيه هذا المشهد الآن.. لكنه ضحك بفتور.. وتجاوزه سريعاً إلى لاشىء...
فجأة فُتح باب سيارة فارهة.. كانت قد أبطأت منذ لحظات.. دُفع بقوة داخلها بين رجلين عملاقين.. وأمام مبنى يعرفه جيداً توقفت السيارة.. حمله الرجلين من الجانبين بنفس القوة التى دفعاه بها داخل السيارة...
وفى مكتب تشبه ديكوراته السحر.. ويقارب جوه تلك العوالم الأسطورية ..التى يسمع عنها فى حكايات ألف ليلة وليلة.. وجد نفسه فى مواجهة معه...
تقدم إليه صاحب هذا الهيل والهيلمان بضع خطوات.. تاركاً من فوره مجلسه على مكتبه الوثير.. بدا مبتسماً " أهلاً بالصحفى الهمام" قالها ماداً يده للمصافحة...
- لا أضع يدى فى يد وضعت فى يد الصهاينة
- سياسة يا أبو صلاح
- آسف يا سيادة النائب!
" مد يدك يا رجل .. لا تكن صعيدياً " قالها النائب ممازحاً.. لكن الصحفى صعيدى الأصل ظل مصراً على عدم المصافحة...
" أهون علىّ قطع يدى من أن توضع فى يدك " قالها جاداً مقطباً .. ثم أردف بنبرة أكثر جدية وصرامة " ندخل فى الموضوع أفضل"...
كظم النائب غيظه.. وحجب زفرةً كادت تخرج رغماً عنه.. قال مراوغاً:
- لا موضوع ولا غيره.. فقط أردت أن أراك يا رجل
- بهذه الطريقة؟!
- دعوتك مراراً ولم تُجب.. قلت أداعبك
- مداعبة مقبولة .. أية أوامر أخرى ؟!
- لمَ كل هذه الحدة يا أبو صلاح؟ علمى عنك أنك لطيف ومرح.
- فى أى شىء إلا مبادئى وحق وطنى يا سيادة النائب
جعل النائب يحكم لجام غضبه .. ويكبح جماح ضجره.. حتى لا يفسد المقابلة .. النى قد تسفر عن هدنة ولو مؤقتة.. يكتشف من خلالها مدخلاً لهذا الصحفى.. الذى ينبش تحت أقدامه:
- مبادؤك على العين والراس .. كل الحكاية أننى أود مساعدتك للحصول على شقة فخمة.. تليق بمكانتك يا بطل...
يصمت صلاح برهة ظنها النائب تفكيراً فى العرض.. ولم يهتم صلاح بما يدور فى خلده.. تذكر محاولاته السابقة لرشوته بشتى السبل...
اهترأت أحذية الوسطاء فاعلى الخير " سنخصص لك إعلانات قيمتها مئات الآلاف من الجنيهات.. ملايين إن أحببت"...
وتمضى الأيام يتضخم العرض أكثر" سيساعدك الباشا فى امتلاك قطعة أرض تعجز عيناك عن مسحها.. تدخل بها فى قائمة الحيتان"...
" ستجوب العالم مع الباشا"...
عروض عظيمة لولا أنه فقرى.. يبتسم قليلاً .. " أتعبتنا يا أخ صلاح .. هات ما عندك ..أحلامك أوامر.. فقط كن متعاوناً " قالوا ضجرين بعدما يئسوا من جدوى الكلام...
دار كل هذا سريعا متلاحقاً فى خلده والنائب يحاول رشوته للمرة الألف...
عاد من صمته مهرولاً " اسمح لى بالانصراف"
- ليس قبل أن أقدم لك أية خدمة...
- صدقنى يا سيادة النائب .. ليس لى خدمات عندك
- عموما أنا تحت أمرك فى أى وقت..وأى شخص من طرفك سيلقى نفس الاهتمام
مضى الشاب الصعيدى .. نحيف الجسم..أنيق المظهر..فارع الطول.. بملاحة ممزوجة برجولة وحزم تكاد تنطق بهما قسمات وجهه المصرى الاصيل...
تقدم بخطى سريعة نحو باب المكتب.. ابتلعته طرقة طويلة.. مُفضية لصالة كبيرة مخصصة للاستقبال قطعها فى لحظات.. اسرع مارقاً من الباب الرئيسى للمبنى.. متناسياً كل ما قيل وكل ما كان...
صباح قلق مثل كل صباحاته منذ أن بدأ الصحفى صلاح عبد العزيز حملته الصحفية ضد ممارساته المريبة.. لم تعد قهوة الصباح السادة ذات نفعٍ.. ولا أقراص الأسبرين.. مع هذا الصداع الكامن برأسه منذ شهور.. لم تعد الحياة كلها ذات لون.. أو طعم منذ ذلك الحين...
فتح الجريدة على تخوف حديث العهد بذاته المتعجرفة .. ندت عنه زفرة ملتهبة كادت تحرق الجريدة فى يده...
لم يطق صبراً على قراءة الكلام المكتوب عنه.. صاح بهياج وهو يقذفها فى وجه مدير مكتبه " هاتوا لى الزفت ده"
للمرة الثانية خلال أسبوع يجد صلاح نفسه فى مكتب النائب إياه رغماً عنه...
لم يختلف استقبال النائب له كثيراً.. لكنه قرأ فى عينيه شراً مسطيراً.. إن لم يستجب له هذه المرة.. التى وقر فى يقينه أنها الفرصة الأخيرة:
- يا صلاح .. يا ابنى .. لماذا تريد تشويه سمعتى؟ هل آذيتك فى شىء؟
- بل قتلتنى مرات
- كيف؟ قل لى وسأفعل أى شىء من أجل تصحيح الخطأ .. وفوراً...
- ليتك تفعل!!
- سأفعل..سأفعل.. أقسم بشرفى!
- الصهاينة...
- تانى؟
- وتالت.. ورابع.. ومليون.. وإلى مالانهاية...
- يا ابنى .. يا ابنى افهم.. هذا شغل.. شغل.. شغل...
- هلاك الناس الذين أولوك ثقتهم وأعطوك أصواتهم شغل يا سيادة النائب ؟ تدمير الاقتصاد القومى شغل؟ اليهود الذين تأتى بهم لمزارعك الشاسعة التى هى عماد هذا الاقتصاد شغل؟ الأدوية والمبيدات المسرطنة.. الأمصال الملوثة بالاشعاعات والفيروسات المهلكة شغل؟!
- يا ابنى .. يا ابنى افهم وارحمنى ..هؤلاء الناس متقدمون جداً فى الزراعة.. ونحن نستفيد خبراتهم وتقدمهم هذا...
- وهل عقمت البلد يا سيادة النائب المحترم؟ لدينا أكفأ الخبرات فى كل المجالات .. لكن أمثالك يضطرونهم إلى النفاد بعلمهم وجلدهم إلى الخارج.. أو القنوع بالحسرة وخيبة الأمل...
نفد صبر النائب.. وفقد السيطرة على أعصابه ..صاح بلا وعى " أتعبتنى يا زفت انت.. اسمع ودعك من هذه المهاترات الغبية.. كلمة واحدة لن أكررها.. ابعد عن سكتى وإلا..."
بهذه الجملة الأخيرة اتضحت الرؤية.. وصل الغضب بالنائب ذروته وارتبك كل شىء...
" لا يأخذ الروح إلا خالقها" تمتم صلاح وهو يغادر المكتب...
ساد التوتر جو المكتب طويلاً.. والنائب ينفث دخان السيجار بطريقة عشوائية مضطربة " الحق علىّ أنا .. صبرت عليه طويلاً.. ما كان يجب أن أفعل هذا" نادى حاشيته "تصرفوا"...
تناسى صلاح كعادته.. كل ما كان وكل ما قيل.. بمجرد خروجه من المبنى.. حتى ذلك التهديد الصريح...
جعل يرتب مستنداته الخطيرة .. التى حصل عليها من مصادر سرية جديدة...
بدأ يعد تحقيقه القادم للنشر بالوثائق والمستندات.. والذى سيكون المسمار الأخير فى نعش النائب..خائن الوطن...
شعر بدوار علرض .. تذكر أنه لم يأكل طوال اليوم.. طوى أوراقه وهبَّ واقفاً " مجنون يا ابو صلاح" حدَّث نفسه وهو ينظر فى ساعته مكتشفاً أنها قاربت الواحدة صباحاً...
أغلق خلفه باب مكتبه بالجريدة وهو يتمتم بينه وبين نفسه " سخيف أن يتحمل الرجل مسئولية مأكله ومشربه"...
يضحك متهكماً " وغسيل الأطباق .. والملابس.. والبلاط أحياناً "...
هل نسى نفسه إلى هذه الدرجة؟ صحيح هو لا يهتم بعمل أعياد الميلاد.. ولا يُذّكّره أحد بأعوامه .. التى تفر من عمره الواحد تلو الآخر فى سرعة رهيبة...
لكنه تذكر فجأة سنة مولده.. ياااه.. لقد تخطى الأربعين منذ ثلاث سنوات وهو لا يدرى.. هكذا؟ ما أسرع عدو الزمن حين ينساه الإنسان.. إن لنفسه عليه حق.. لمَ يهمله؟ لا يدرى...
فرغم رومانسيته الخفية لايذكر مرة أنه أعجب بفتاه.. أو غازلها.. هو لايعشق إلا وطنه..
وعمله.. لا يغازل سوى أوراقه.. لم يعرف فى حياته قط إلا الكلام الجاد الموزون...
توقف تفكيره لحظة " لمَ لا أتزوج؟" فكرة لم تخطر له ببال من قبل.. قد يكون آن أوانها.. بل تأخر كثيراً...
هو ليس مغرما بالمرأة على أية حال.. لكنه فى هذه اللحظة تحديداً يفكر جدياً فى الارتباط.. قد يغير رأيه بعد لحظات.. أو على الأكثر بعد أن يتناول وجبة جاهزة.. خفيفة جداً.. يأخذها من السوبر ماركت وهو فى طريقه إلى السكن...
وقد ينسى أنه فكر فى هذا الأمر مطلقاً.. بعدما يسب استهتاره.. ويلعن فوضويته.. وهو يحكم إلصاق ورقة الجريدة على الجزء المكسور من زجاج نافذة غرفة نومه.. ويتمتم وهو يفرد الغطاء المكوم فى وسط السرير على جسده المقتول تعباً " أفضل ما فى هذه الحياة ألا يشاركك أحد سريرك"...
انتحى جانباً إلى اليمين.. مندهشٌ هو وسعيد فى الوقت ذاته بفكره الجانح نحو الارتباط لأول مرة فى حياته...
فجأة وجد نفسه مدفوعاً كالقنبلة داخل السوبر ماركت.. الكائن على الناصية المقابلة لمسكنه.. وآخر ما علق بعينيه صورة سيارة منطلقة كالريح.. كانت تقصد فرمه وهو يعبر الشارع...
وكمن يحرص على قراءة الحظ كل صباح.. يحرص النائب على تفتيش جريدة المعارضة الأهم والأوسع انتشاراً صفحة صفحة عن موضوعات صلاح.. التى أصبحت وحدها تطير النوم من عينه...
" ترى ماذا فى جعبتك اليوم يا صعيدى يا...." يتمتم النائب وهو يقلب عينيه بين الصفحات فى عجل وارتباك...
وقبل أن يتم سبابه المعهود كلما أمسك بالجريدة.. جمدت الكلمات على لسانه.. كارثة لم تكن فى الحسبان...
" يا زفت أنت وهو" يصيح فى ذهول...
يدخل الأذناب مطأطىء الرؤوس كأنهم يساقون إلى حبل المشنقة...
" أغبياء .. أغبياء" يصرخ فيهم بلا وعى.. يحاول أحدهم الكلام.. لكنه لم يسمح له بنصف كلمة.. أطبق أصابع يمناه تاركاً السبابة " اليوم آخر فرصة لكم.. هيا أغربوا عن وجهى"...
تهديد يعلمه كل واحد منهم كما يعرف أبناءه.. فالباشا وهم أعلم الناس به قرصته والقبر...
يختفى الجميع من أمامه فى سرعة البرق .. بينما هو جالس.. فى انتظار أن تستقر قدمه على الأرض.. وترتاح ساقه من تلك الهزات اللاإرادية العنيفة.. التى تكاد تذهب بعقله...
يتثاءب صلاح بعمق.. وهو يحاول أن يتنبه من نومه.. يهمس فى نفسه " اللهم اجعله خير" .. يسرع نحو الباب الذى يكاد ينخلع تحت أيدى الطارقين.. يدور بذهنه هاجس مريب عن أسرته بالبلدة.. وقبل أن يصل إلى الباب كان قد انفتح على مصراعية من شدة اللكم والركل...
" كتفوه" يقول كبير الأذناب...
ينقلب المكان فى لحظات رأساً على عقب...
" انزعوا تلك الكمامة من على فيه" يزعق الكبير مرة أخرى...
" ليست هنا " قالها صلاح مبتسماً بسخرية...
"تعرف إذن" رد الآخر فى حنق...
- اللى ربى خير م اللى اشترى
- أين هى؟
لم يُجب صلاح وظل على سخريته مبتسماً...
" اقتلوه.. مزقوه إرباً إرباً .. ثم انسفوا به المكان" صاح الكبير هائجاً...
بدأ الأذناب يستعدون لتنفيذ الأمر.. بينما يخطو هو سريعاً نحو الباب...
تراجع بضعة خطوات.. اقترب من صلاح.. جعل يتحسس الحبال المحكمة حول جسده المقيد فى الكرسى " سأعطيك فرصة أخيرة.. ولن أكرر سؤالى .. اين المستندات؟ "...
" لمَ لا أرواغهم .. نعم أحب أن أموت شهيداً .. بل أتمنى ذلك .. وأيضاً أحب أن أكشف مخططهم القذر وجريمتهم الشنعاء .. علىّ ان أحاول" فكر برهة...
همّ صلاح بالكلام فسبقه الآخر "هه.. تكلم.. تكلم ولا تخف.. لن يمسَّك أحد بسوء.. أعدك بشرفى"...
شرفك .. هىء.. تفوووه " همس صلاح خلسة.. ثم قال ماكراً " لقد وعدتنى"...
" جرب " أسرع الآخر مطمئناً...
بدا صلاح متردداً.. ثم حزم أمره:
- بعد الغد.. ستصلكم المستندات..فى مثل هذا الموعد
- نريدها الآن
- ليس بمقدورى الآن.. ولا فى الغد
- أين؟
- سأتيكم بها بنفسى
- اتفقنا
لملم الأذناب شرهم .. أسرعوا نحو الباب.. تغزوهم نشوة النصر.. بينما صاح صلاح مسرعاً " نسيتوا شيئاً مهماً.. أعتقد هذا " وأومأ برأسه إلى جسده المقيد بالحبال لم يزل...
تبادل الجميع وهو معهم ضحكات صفراء وأسرعوا يفكوا قيوده...
" يا أولاد الهرمة " قالها صلاح وهو يتحسس أماكن الألم من جسده .. ثم أردف عاقداً العزم على الانتصار هذه المرة " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"...
فلحوا فى سرقة مستنداته فى المرة الماضية ..منذ أكثر من العامين.. زجوا به إلى السجن أشهر طويلة بتهمة السب والقذف والتشهير..حاربوه بعدها طويلاً.. فرضوا على قلمه الحظر إلى اجل غير مسمى...
جبروت يمكنهم من إغلاق الجريدة.. وتشريد العاملين بها.. من هدمها على رؤوس من فيها.. من نسفها عياناً بياناً .. دون ذرة خوف من أحد...
لم يقم بإعادة ترتيب الأشياء داخل الشقة على ما كانت عليه..ولم يشغل باله بهذا مطلقا...
فقط أخذ حماماً بارداً كعادته صيفاً وشتاءً.. أكمل شياكته وهندامه.. وذهب فى منتهى الهدوء إلى مكتبه بالجريدة...
غريب هو لا يبالى بأى شىء فى الحياة سوى عشقه لوطنه .. وكرامته.. ومظهره الذى يبدو دائماً غاية فى التأنق والهندام...
مضت ساعات الغد بطيئة.. ثقيلة.. على النائب وأذنابه.. عادية جداً على صلاح.. وجاء بعد الغد المرتقب.. وحان الموعد...
استيقظ من نومه نشيطاً.. يفرد ذراعيه ويثنيهما فى ارتياح كبير.. ينم عن أنه نام بعمق.. بعد أن استبدل زجاج النافذة المكسور أمس...
تذكره أخيراً.. فثمة فائدة للأذناب أحياناً.. عندما يجتاحوا الأماكن كالثيران الهائجة...
توقع أن يأتيه الهاتف بأنباء ينتظرها على أحر من الجمر.. منذ أن ذهب موضوعه الأخير إلى المطبعة ..ربما هذا ما جعله يستيقظ مبكراً على غير عادته...
بيد أن الهاتف لم ينبس برنة.. ورغم ذلك ورغم تذبذب ثقته فى عدالة الأرض.. ظل يجهز نفسه لسماع تلك الأخبار المنتظرة.. ويتدرب على رد الفعل الذى سيصدر عنه فى هذه اللحظة.. التى كاد يدفع عمره ثمناً لها.. ولم تزل حياته رهناً بها...
توقف تفكيره فجأة.. ظلت يده ممسكة بمفتاح المذياع.. وصوت قارىء الأخبار يجلد مسامعه " والوزراء الجدد هم ....."
مضى وقت طويل لم يستعد توازنه.. ويلملم شتات نفسه المشردة...
كان يعلم قبل ذلك أن البعض فوق القانون.. الآن فقط آمن أنه لا قانون.. لا قانون.. لا قانون...
لملم أوراقه ومتعلقاته الشخصية مع بقايا شتاته.. وجهز نفسه لرحلة يعتادها...
كان يمضى بلا هدى..أو هدف محدد.. إلا أنه يعشق كورنيش النيل وبخاصة فى هذا الوقت من النهار.. يسترق بعض الوقت المشحون بالعمل على الدوام .. يمارس هواية غريبة.. مثله تماماً.. لكنها أثيره لديه منذ زمن طويل .. وبمجرد خروجه من مكتبه ينعزل كليةً عن أى شىء وكل شىء يذكره بالعمل.. فقط هذا الوقت لممارسة هوايته الوحيدة.. الشرود مشياً...
لم تشغله حالة الجو غير المستقرة طوال اليوم.. والتى أسفرت عن يوم سىء جدا بكل المقاييس.. وبوادرها التى تنبىء بليلة ليلاء.. مطيرة.. قارسة...
إلا أنه تذكر للحظة زجاج نافذة غرفة نومه المكسور.. وكان لا يتذكر ذلك إلا عندما يأوى إلى فراشه فى الهزيع الأخير من الليل .. فيسب استهتاره ويلعن فوضويته.. وهو يحكم إلصاق ورقة الجريدة على الجزء المكسور...
انقضى الشهر الأخير من الشتاء الماضى .. وهو يفعل ذلك كل ليلة.. ويقسم أن أول شىء يفعله فى الصباح .. هو استبدال هذا الزجاج المكسور...
ويعود إلى فراشه فى الهزيع الأخير من الليل.. يسب استهتاره ويلعن فوضويته.. وهو يحكم إلصاق ورقة الجريدة على الجزء المكسور...
لا يدرى لمَ يتجسد أمام عينيه هذا المشهد الآن.. لكنه ضحك بفتور.. وتجاوزه سريعاً إلى لاشىء...
فجأة فُتح باب سيارة فارهة.. كانت قد أبطأت منذ لحظات.. دُفع بقوة داخلها بين رجلين عملاقين.. وأمام مبنى يعرفه جيداً توقفت السيارة.. حمله الرجلين من الجانبين بنفس القوة التى دفعاه بها داخل السيارة...
وفى مكتب تشبه ديكوراته السحر.. ويقارب جوه تلك العوالم الأسطورية ..التى يسمع عنها فى حكايات ألف ليلة وليلة.. وجد نفسه فى مواجهة معه...
تقدم إليه صاحب هذا الهيل والهيلمان بضع خطوات.. تاركاً من فوره مجلسه على مكتبه الوثير.. بدا مبتسماً " أهلاً بالصحفى الهمام" قالها ماداً يده للمصافحة...
- لا أضع يدى فى يد وضعت فى يد الصهاينة
- سياسة يا أبو صلاح
- آسف يا سيادة النائب!
" مد يدك يا رجل .. لا تكن صعيدياً " قالها النائب ممازحاً.. لكن الصحفى صعيدى الأصل ظل مصراً على عدم المصافحة...
" أهون علىّ قطع يدى من أن توضع فى يدك " قالها جاداً مقطباً .. ثم أردف بنبرة أكثر جدية وصرامة " ندخل فى الموضوع أفضل"...
كظم النائب غيظه.. وحجب زفرةً كادت تخرج رغماً عنه.. قال مراوغاً:
- لا موضوع ولا غيره.. فقط أردت أن أراك يا رجل
- بهذه الطريقة؟!
- دعوتك مراراً ولم تُجب.. قلت أداعبك
- مداعبة مقبولة .. أية أوامر أخرى ؟!
- لمَ كل هذه الحدة يا أبو صلاح؟ علمى عنك أنك لطيف ومرح.
- فى أى شىء إلا مبادئى وحق وطنى يا سيادة النائب
جعل النائب يحكم لجام غضبه .. ويكبح جماح ضجره.. حتى لا يفسد المقابلة .. النى قد تسفر عن هدنة ولو مؤقتة.. يكتشف من خلالها مدخلاً لهذا الصحفى.. الذى ينبش تحت أقدامه:
- مبادؤك على العين والراس .. كل الحكاية أننى أود مساعدتك للحصول على شقة فخمة.. تليق بمكانتك يا بطل...
يصمت صلاح برهة ظنها النائب تفكيراً فى العرض.. ولم يهتم صلاح بما يدور فى خلده.. تذكر محاولاته السابقة لرشوته بشتى السبل...
اهترأت أحذية الوسطاء فاعلى الخير " سنخصص لك إعلانات قيمتها مئات الآلاف من الجنيهات.. ملايين إن أحببت"...
وتمضى الأيام يتضخم العرض أكثر" سيساعدك الباشا فى امتلاك قطعة أرض تعجز عيناك عن مسحها.. تدخل بها فى قائمة الحيتان"...
" ستجوب العالم مع الباشا"...
عروض عظيمة لولا أنه فقرى.. يبتسم قليلاً .. " أتعبتنا يا أخ صلاح .. هات ما عندك ..أحلامك أوامر.. فقط كن متعاوناً " قالوا ضجرين بعدما يئسوا من جدوى الكلام...
دار كل هذا سريعا متلاحقاً فى خلده والنائب يحاول رشوته للمرة الألف...
عاد من صمته مهرولاً " اسمح لى بالانصراف"
- ليس قبل أن أقدم لك أية خدمة...
- صدقنى يا سيادة النائب .. ليس لى خدمات عندك
- عموما أنا تحت أمرك فى أى وقت..وأى شخص من طرفك سيلقى نفس الاهتمام
مضى الشاب الصعيدى .. نحيف الجسم..أنيق المظهر..فارع الطول.. بملاحة ممزوجة برجولة وحزم تكاد تنطق بهما قسمات وجهه المصرى الاصيل...
تقدم بخطى سريعة نحو باب المكتب.. ابتلعته طرقة طويلة.. مُفضية لصالة كبيرة مخصصة للاستقبال قطعها فى لحظات.. اسرع مارقاً من الباب الرئيسى للمبنى.. متناسياً كل ما قيل وكل ما كان...
صباح قلق مثل كل صباحاته منذ أن بدأ الصحفى صلاح عبد العزيز حملته الصحفية ضد ممارساته المريبة.. لم تعد قهوة الصباح السادة ذات نفعٍ.. ولا أقراص الأسبرين.. مع هذا الصداع الكامن برأسه منذ شهور.. لم تعد الحياة كلها ذات لون.. أو طعم منذ ذلك الحين...
فتح الجريدة على تخوف حديث العهد بذاته المتعجرفة .. ندت عنه زفرة ملتهبة كادت تحرق الجريدة فى يده...
لم يطق صبراً على قراءة الكلام المكتوب عنه.. صاح بهياج وهو يقذفها فى وجه مدير مكتبه " هاتوا لى الزفت ده"
للمرة الثانية خلال أسبوع يجد صلاح نفسه فى مكتب النائب إياه رغماً عنه...
لم يختلف استقبال النائب له كثيراً.. لكنه قرأ فى عينيه شراً مسطيراً.. إن لم يستجب له هذه المرة.. التى وقر فى يقينه أنها الفرصة الأخيرة:
- يا صلاح .. يا ابنى .. لماذا تريد تشويه سمعتى؟ هل آذيتك فى شىء؟
- بل قتلتنى مرات
- كيف؟ قل لى وسأفعل أى شىء من أجل تصحيح الخطأ .. وفوراً...
- ليتك تفعل!!
- سأفعل..سأفعل.. أقسم بشرفى!
- الصهاينة...
- تانى؟
- وتالت.. ورابع.. ومليون.. وإلى مالانهاية...
- يا ابنى .. يا ابنى افهم.. هذا شغل.. شغل.. شغل...
- هلاك الناس الذين أولوك ثقتهم وأعطوك أصواتهم شغل يا سيادة النائب ؟ تدمير الاقتصاد القومى شغل؟ اليهود الذين تأتى بهم لمزارعك الشاسعة التى هى عماد هذا الاقتصاد شغل؟ الأدوية والمبيدات المسرطنة.. الأمصال الملوثة بالاشعاعات والفيروسات المهلكة شغل؟!
- يا ابنى .. يا ابنى افهم وارحمنى ..هؤلاء الناس متقدمون جداً فى الزراعة.. ونحن نستفيد خبراتهم وتقدمهم هذا...
- وهل عقمت البلد يا سيادة النائب المحترم؟ لدينا أكفأ الخبرات فى كل المجالات .. لكن أمثالك يضطرونهم إلى النفاد بعلمهم وجلدهم إلى الخارج.. أو القنوع بالحسرة وخيبة الأمل...
نفد صبر النائب.. وفقد السيطرة على أعصابه ..صاح بلا وعى " أتعبتنى يا زفت انت.. اسمع ودعك من هذه المهاترات الغبية.. كلمة واحدة لن أكررها.. ابعد عن سكتى وإلا..."
بهذه الجملة الأخيرة اتضحت الرؤية.. وصل الغضب بالنائب ذروته وارتبك كل شىء...
" لا يأخذ الروح إلا خالقها" تمتم صلاح وهو يغادر المكتب...
ساد التوتر جو المكتب طويلاً.. والنائب ينفث دخان السيجار بطريقة عشوائية مضطربة " الحق علىّ أنا .. صبرت عليه طويلاً.. ما كان يجب أن أفعل هذا" نادى حاشيته "تصرفوا"...
تناسى صلاح كعادته.. كل ما كان وكل ما قيل.. بمجرد خروجه من المبنى.. حتى ذلك التهديد الصريح...
جعل يرتب مستنداته الخطيرة .. التى حصل عليها من مصادر سرية جديدة...
بدأ يعد تحقيقه القادم للنشر بالوثائق والمستندات.. والذى سيكون المسمار الأخير فى نعش النائب..خائن الوطن...
شعر بدوار علرض .. تذكر أنه لم يأكل طوال اليوم.. طوى أوراقه وهبَّ واقفاً " مجنون يا ابو صلاح" حدَّث نفسه وهو ينظر فى ساعته مكتشفاً أنها قاربت الواحدة صباحاً...
أغلق خلفه باب مكتبه بالجريدة وهو يتمتم بينه وبين نفسه " سخيف أن يتحمل الرجل مسئولية مأكله ومشربه"...
يضحك متهكماً " وغسيل الأطباق .. والملابس.. والبلاط أحياناً "...
هل نسى نفسه إلى هذه الدرجة؟ صحيح هو لا يهتم بعمل أعياد الميلاد.. ولا يُذّكّره أحد بأعوامه .. التى تفر من عمره الواحد تلو الآخر فى سرعة رهيبة...
لكنه تذكر فجأة سنة مولده.. ياااه.. لقد تخطى الأربعين منذ ثلاث سنوات وهو لا يدرى.. هكذا؟ ما أسرع عدو الزمن حين ينساه الإنسان.. إن لنفسه عليه حق.. لمَ يهمله؟ لا يدرى...
فرغم رومانسيته الخفية لايذكر مرة أنه أعجب بفتاه.. أو غازلها.. هو لايعشق إلا وطنه..
وعمله.. لا يغازل سوى أوراقه.. لم يعرف فى حياته قط إلا الكلام الجاد الموزون...
توقف تفكيره لحظة " لمَ لا أتزوج؟" فكرة لم تخطر له ببال من قبل.. قد يكون آن أوانها.. بل تأخر كثيراً...
هو ليس مغرما بالمرأة على أية حال.. لكنه فى هذه اللحظة تحديداً يفكر جدياً فى الارتباط.. قد يغير رأيه بعد لحظات.. أو على الأكثر بعد أن يتناول وجبة جاهزة.. خفيفة جداً.. يأخذها من السوبر ماركت وهو فى طريقه إلى السكن...
وقد ينسى أنه فكر فى هذا الأمر مطلقاً.. بعدما يسب استهتاره.. ويلعن فوضويته.. وهو يحكم إلصاق ورقة الجريدة على الجزء المكسور من زجاج نافذة غرفة نومه.. ويتمتم وهو يفرد الغطاء المكوم فى وسط السرير على جسده المقتول تعباً " أفضل ما فى هذه الحياة ألا يشاركك أحد سريرك"...
انتحى جانباً إلى اليمين.. مندهشٌ هو وسعيد فى الوقت ذاته بفكره الجانح نحو الارتباط لأول مرة فى حياته...
فجأة وجد نفسه مدفوعاً كالقنبلة داخل السوبر ماركت.. الكائن على الناصية المقابلة لمسكنه.. وآخر ما علق بعينيه صورة سيارة منطلقة كالريح.. كانت تقصد فرمه وهو يعبر الشارع...
وكمن يحرص على قراءة الحظ كل صباح.. يحرص النائب على تفتيش جريدة المعارضة الأهم والأوسع انتشاراً صفحة صفحة عن موضوعات صلاح.. التى أصبحت وحدها تطير النوم من عينه...
" ترى ماذا فى جعبتك اليوم يا صعيدى يا...." يتمتم النائب وهو يقلب عينيه بين الصفحات فى عجل وارتباك...
وقبل أن يتم سبابه المعهود كلما أمسك بالجريدة.. جمدت الكلمات على لسانه.. كارثة لم تكن فى الحسبان...
" يا زفت أنت وهو" يصيح فى ذهول...
يدخل الأذناب مطأطىء الرؤوس كأنهم يساقون إلى حبل المشنقة...
" أغبياء .. أغبياء" يصرخ فيهم بلا وعى.. يحاول أحدهم الكلام.. لكنه لم يسمح له بنصف كلمة.. أطبق أصابع يمناه تاركاً السبابة " اليوم آخر فرصة لكم.. هيا أغربوا عن وجهى"...
تهديد يعلمه كل واحد منهم كما يعرف أبناءه.. فالباشا وهم أعلم الناس به قرصته والقبر...
يختفى الجميع من أمامه فى سرعة البرق .. بينما هو جالس.. فى انتظار أن تستقر قدمه على الأرض.. وترتاح ساقه من تلك الهزات اللاإرادية العنيفة.. التى تكاد تذهب بعقله...
يتثاءب صلاح بعمق.. وهو يحاول أن يتنبه من نومه.. يهمس فى نفسه " اللهم اجعله خير" .. يسرع نحو الباب الذى يكاد ينخلع تحت أيدى الطارقين.. يدور بذهنه هاجس مريب عن أسرته بالبلدة.. وقبل أن يصل إلى الباب كان قد انفتح على مصراعية من شدة اللكم والركل...
" كتفوه" يقول كبير الأذناب...
ينقلب المكان فى لحظات رأساً على عقب...
" انزعوا تلك الكمامة من على فيه" يزعق الكبير مرة أخرى...
" ليست هنا " قالها صلاح مبتسماً بسخرية...
"تعرف إذن" رد الآخر فى حنق...
- اللى ربى خير م اللى اشترى
- أين هى؟
لم يُجب صلاح وظل على سخريته مبتسماً...
" اقتلوه.. مزقوه إرباً إرباً .. ثم انسفوا به المكان" صاح الكبير هائجاً...
بدأ الأذناب يستعدون لتنفيذ الأمر.. بينما يخطو هو سريعاً نحو الباب...
تراجع بضعة خطوات.. اقترب من صلاح.. جعل يتحسس الحبال المحكمة حول جسده المقيد فى الكرسى " سأعطيك فرصة أخيرة.. ولن أكرر سؤالى .. اين المستندات؟ "...
" لمَ لا أرواغهم .. نعم أحب أن أموت شهيداً .. بل أتمنى ذلك .. وأيضاً أحب أن أكشف مخططهم القذر وجريمتهم الشنعاء .. علىّ ان أحاول" فكر برهة...
همّ صلاح بالكلام فسبقه الآخر "هه.. تكلم.. تكلم ولا تخف.. لن يمسَّك أحد بسوء.. أعدك بشرفى"...
شرفك .. هىء.. تفوووه " همس صلاح خلسة.. ثم قال ماكراً " لقد وعدتنى"...
" جرب " أسرع الآخر مطمئناً...
بدا صلاح متردداً.. ثم حزم أمره:
- بعد الغد.. ستصلكم المستندات..فى مثل هذا الموعد
- نريدها الآن
- ليس بمقدورى الآن.. ولا فى الغد
- أين؟
- سأتيكم بها بنفسى
- اتفقنا
لملم الأذناب شرهم .. أسرعوا نحو الباب.. تغزوهم نشوة النصر.. بينما صاح صلاح مسرعاً " نسيتوا شيئاً مهماً.. أعتقد هذا " وأومأ برأسه إلى جسده المقيد بالحبال لم يزل...
تبادل الجميع وهو معهم ضحكات صفراء وأسرعوا يفكوا قيوده...
" يا أولاد الهرمة " قالها صلاح وهو يتحسس أماكن الألم من جسده .. ثم أردف عاقداً العزم على الانتصار هذه المرة " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"...
فلحوا فى سرقة مستنداته فى المرة الماضية ..منذ أكثر من العامين.. زجوا به إلى السجن أشهر طويلة بتهمة السب والقذف والتشهير..حاربوه بعدها طويلاً.. فرضوا على قلمه الحظر إلى اجل غير مسمى...
جبروت يمكنهم من إغلاق الجريدة.. وتشريد العاملين بها.. من هدمها على رؤوس من فيها.. من نسفها عياناً بياناً .. دون ذرة خوف من أحد...
لم يقم بإعادة ترتيب الأشياء داخل الشقة على ما كانت عليه..ولم يشغل باله بهذا مطلقا...
فقط أخذ حماماً بارداً كعادته صيفاً وشتاءً.. أكمل شياكته وهندامه.. وذهب فى منتهى الهدوء إلى مكتبه بالجريدة...
غريب هو لا يبالى بأى شىء فى الحياة سوى عشقه لوطنه .. وكرامته.. ومظهره الذى يبدو دائماً غاية فى التأنق والهندام...
مضت ساعات الغد بطيئة.. ثقيلة.. على النائب وأذنابه.. عادية جداً على صلاح.. وجاء بعد الغد المرتقب.. وحان الموعد...
استيقظ من نومه نشيطاً.. يفرد ذراعيه ويثنيهما فى ارتياح كبير.. ينم عن أنه نام بعمق.. بعد أن استبدل زجاج النافذة المكسور أمس...
تذكره أخيراً.. فثمة فائدة للأذناب أحياناً.. عندما يجتاحوا الأماكن كالثيران الهائجة...
توقع أن يأتيه الهاتف بأنباء ينتظرها على أحر من الجمر.. منذ أن ذهب موضوعه الأخير إلى المطبعة ..ربما هذا ما جعله يستيقظ مبكراً على غير عادته...
بيد أن الهاتف لم ينبس برنة.. ورغم ذلك ورغم تذبذب ثقته فى عدالة الأرض.. ظل يجهز نفسه لسماع تلك الأخبار المنتظرة.. ويتدرب على رد الفعل الذى سيصدر عنه فى هذه اللحظة.. التى كاد يدفع عمره ثمناً لها.. ولم تزل حياته رهناً بها...
توقف تفكيره فجأة.. ظلت يده ممسكة بمفتاح المذياع.. وصوت قارىء الأخبار يجلد مسامعه " والوزراء الجدد هم ....."
مضى وقت طويل لم يستعد توازنه.. ويلملم شتات نفسه المشردة...
كان يعلم قبل ذلك أن البعض فوق القانون.. الآن فقط آمن أنه لا قانون.. لا قانون.. لا قانون...
لملم أوراقه ومتعلقاته الشخصية مع بقايا شتاته.. وجهز نفسه لرحلة يعتادها...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق