الجمعة، 13 مارس 2009

رؤيا - قصة قصيرة


نعق غراب البين فهوت العاصمة الجميلة وأجوارها صرعى بين أيدى الخراب.. تكدس الجميع فى مخبأ فى جوف الأرض تحت المشفى .. أزيز الطائرات يختلط بدوى القنابل وانفجارات مرعبة بالخارج.. السماء تمطر وهجاً وناراً مستعرة...
" نبوخذ نصر العظيم أين انت؟ بابلك الجميلة تُدك بأقدام الأغبياء.. عجيبة الدنيا الخالدة تُطمس.. حدائقك الوارفة تذبل.. تشحب.. تجف.. تُسحق" تدوى صرخات المدن العزيزة فى آذان الكون...
" حمورابى الحكيم .. قوانينك العادلة تُمحى من الوجود.. تعاليمك الرائعة تدهس بنفس الأقدام الغبية.. آه لو سابق العهد يعود!" تموج المدن غضبى ثائرة...
دكت الحصون والقلاع .. حصدت أرواح الأبرياء ..نساء.. شيوخ ..أطفال.. لايهم.. لا فرق.. لا رحمة .. لا ضمير...
مجرد غارة اعتادها أهل البلاد من العدو.. تتكرر مراراً ودائماً.. ويمضى الحال من سىء إلى أسوأ.. اختلطت الدموع بالدماء.. والأنقاض بالأشلاء...
" إلامَ هذا الدمار؟!" صرخت القلوب المكلومة.. ولا مجيب لشعب يُباد وبلد يُحرق.. ولا حتى مجرد سامع...
تأوهت الأم الشابة.. التى لم تكد تضع مولودها الثانى حتى تقافزوا بها وبالوليد إلى هذا المخبأ تحت مبنى المستشفى.. زفرت متحسرة لهيباً أشد من ذلك المستعر بالخارج.. عاودها الاحساس بالألم الداخلى فجأة بعدما همد كل شىء.. وخرست تلك الأصوات الملعونة.. وخرست معها أصوات عزيزة وغالية إلى الأبد...
أشار إليها الطبيب الذى أجرى لها عميلة الولادة القيصرية أن تهدأ.. مؤكداً أن العملية تمت بنجاح ولا داعى للقلق مطلقاً.. وعليها أن تحمد الله كثيراً .. فقد كتب لها عمراً جديداً.. دقائق فقط كانت الفيصل بين الموت والحياة لو تأخروا.. بينما تبدو غير متذكرة تماماً من هول ماحدث ..أنها كانت فى غرفة العمليات منذ وقت قصير...
لا تدرى "رؤيا" لمَ مر هذا المشهد أمام عينيها الآن.. تلك الأحداث المريرة .. التى جعلتها تستجيب لرغبة زوجها المصرى الملحة بأن تأتى بالطفلين إلى مصر.. بعدما استحالت عودته إليهم من زيارة والديه القصيرة بسبب تلك الظروف القاسية...
" الأب هو بر الأمان لأولاده.. فيمَ بقائى هنا؟ فأولادى أهم عندى من أى شىء" حزمت أمرها فى لحظة...
ربما جبُنت أمام القصف والدماء.. بل فكرت كأى أم فى الوجود.. فالقطة تنقل صغارها سبع مرات.. لمَ لا تنقلهم هى مرة واحدة فيها كل الأمان والاطمئنان.. ربما الهروب من الحصار والدمار الجاثم على أنفاسهم منذ سنوات طوال...
" لا.. لا.. لم أجبن.. لم أهرب.. لم أنس بلدى وأهلى وأجمل ذكريات عمرى" همست باكية وهى منكفئة على ماكينة الخياطة التى يكاد العمل عليها ليل نهار يقصم ظهرها...
لم تكن المرة الأولى التى تشعر فيها بهذا الألم.. أسندت ظهرها براحة يدها اليسرى.. وهى تضغط بأسناها على شفتها السفلى.. أدارت عجلة الماكينة بيدها اليمنى.. وأخذت رجلاها تبدل على الدواسة فى تثاقل وبطء...
لم تعد تحتمل.. زفرت متأوهة.. ثم نهضت متحاملة على نفسها.. إلى أن وصلت فراشها الخشن.. ارتمت عليه تقضم الوسادة من شدة الألم...
"لابد من إجراء العملية" قال لها الطبيب فى المركز الطبى المجانى بالبلدة المجاورة...
لكنها أهملت لضيق ذات اليد.. وظلت تتحايل على آلامها ببعض المسكنات قليلة التكلفة...
اليوم لا طاقة لها بالألم .. فهى التى طالما هزمت المرض.. خبت مقاومتها أمام جبرونه الرهيب.. خضعت مستسلمة فى انكسار...
" أم أحمد.. أم أحمد!" نادت إحدى الجارات...
" تفضلى يا ست أم حسن" ردت رؤيا بصوت منهك مبحوح كأنه حشرجة...
" سلامتك يا أم أحمد.. سلامتك يا غالية!!" جرت المرأة إليها مذعورة...
- أنا كويسة.. ما تتخضيش كده
- لا.. لازم أوديك لدكتور
- مفيش لزوم أبداً.. انا كويسة خالص
وابتلعت ريقها بصعوبة .. وهى تشكر الجارة العطوفة .. فالأهل لا يفعلون ما يفعله الجيران لها فى مصر ...
" كان عنده حق المرحوم يصر على مجيئنا لمصر.. انتم فعلاً أهل كرم ومروءة وأصل" همست وهى تحاول إخفاء دموعها دون جدوى...
" ما تقوليش كده .. دانت اختنا وزى المرحوم تمام" ربتت الجارة على ظهرها فى حنو وعطف...
انحدرت العبرات من عينيها ساخنة.. تساقطت على وجهها الشاحب.. العاتبة ملامحة العربية الأصيلة على هذا الزمان...
" أولادى.. حنان وأحمد.. خلى بالك منهم ياست أم حسن.. دول بيحبوك زى تمام وأكتر" قالت بصوت واهٍ ونشجت حتى تقطعت أنفاسها.. والمرأة تحتضنها لم تزل وتربت على ظهرها...
" خبر إيه يا رؤيا؟ مالك النهارده؟ انت زى الفل يا حبيبتى.. وإن شاء الله محدش هياخد باله منهم ويفرح بيهم غيرك" قالت المرأة منقبضة شاردة...
وبين الوعى واللاوعى بدت رؤيا .. مر أمام عينيها شريط حياتها بطيئاً.. جاءت مصر.. تركت وراءها كل شىء.. وظيفتها المرموقة بواحدة من أكبر شركات النفط.. ثروتها الضخمة التى ورثتها عن أبيها وجدها...
تركت كل شىء من أجل أولادها .. وجاءت لتعيش فى قرية ريفية صغيرة.. مع زوج لم تدم حياته معها إلا أشهر قليلة.. رحل وتركها تواجه الحياة بطفليها فرادى.. لا سند ولا حماية.. فى بيت صغير خالى من الدفء والنبض.. تحتضن الطفلين وتجتر ذاكرتها فى ليالى الشتاء الطويلة ذلك المخبأ فى جوف الأرض تحت مبنى المستشفى...
ألبوم ملىء بالصور هو ملاذها دائماً .. تغوص فيه فيقتلها التحسر على أيام خلت.. ذلك الألبوم الذى لم يفكر أحد أن يأخذه منها فى رحلتها المضنية إلى مصر.. لأنه معدوم القيمة والنفع كما قالوا...
فقدت كل أوراقها كما فقدت كل أشياءها فى رحلة المجىء الدامية.. التى كتب عليها وطفليها خوضها.. بكل ما فيها من شقاء ومرارة...
رحلة أليمة لاتحب أن تتذكرها.. لا تدرى لمَ تمر بخاطرها الآن؟ تتهادى بكل تفاصيلها.. منذ اللحظة الأولى التى ودعت فيها الأهل والأحبة.. وتوجهت إلى حدود البلاد.. آملة فى العبور إلى بر الأمان...
ويتوقف شريط الذكريات.. تتمنى لو أن هذا الذى مر أمام عينيها مجرد حلم.. أو حتى كابوس أفاقت منه لتوها.. وأن نهايته هى ذلك السكون الذى جثم عليها فجأة...
يستأنف الشريط كره.. رعشة عارضة تهزها.. يتوقف الشريط طويلاً على الحدود .. ألواناً من الذل والعذاب لاقتها هناك.. كأنه الحقد لخروج إنسان محاصر إلى مكان أكثر تحرراً.. ربما لهم العذر.. لكن ما ذنبها وأطفالها؟!!
أخذوا كل نقودها وحليها.. وشنط الملابس..حتى علب اللبن الخاصة بالرضيع سكبوها على الأرض.. وهى لا تملك إلا أن تحتضن الطفلين وتبكى .. وتضرع إلى الله أن يرحمهم مما هم فيه...
" أنا إنسان مثلكم .. ارحمونى يرحمكم الله!!" صرخت فيهم بهستيريا...
ولأول مرة فى حياتها تعلم أن الإنسان بهذا الهوان.. وأن الدنيا بهذا القبح.. وأن الآدمية والمشاعر والعزة والكرامة .. ما هى إلا مجرد كلمات وهمية لا وجود لها.. ولا احترام لحاملها بأى شكل من الآشكال...
غادرت رؤيا منطقة الرطبة على حدود بلادها محطمة تماماً.. لاشىء فى يدها سوى الطفلين وخيبة أمل كبيرة فى الدنيا والبشر...
انحسر اللاوعى شيئاً شيئاً.. بدأت تتركز فى بؤرة شعورها حقيقة ما.. وجعلت تتمتم بلهجة مصرية صميمة.. أتقنتها على مدى تسع سنوات عاشتها كمصرية أصيلة ولدت على أرض تلك البلاد...
رفعت رأسها فى تثاقل شديد.. كأنها تحمل أطناناً من الرمل فوق عنقها لا رأساً لها هذه الملامح الهادئة المريحة.. يزينه هذا الشعر الأسود المسبل إلى خاصرتها...
ساعدتها الجارة حتى تعتدل فى فراشها.. داعية لها بالشفاء.. وجعلت تقرأ الفاتحة والمعوذتين...
" بلغوا سلامى وحبى لأهلى وبلدى .. للفرات ودجلة.. لكل ذرة تراب على أرض وطنى .. لكل نبت أخضر يبحث عن مكان للحياة فى أمان وسلام!" تثاءبت ثم همست فى هدوء...
" حنان.. أحمد.. نور عينى .. خلى بالك منهم يا ست أم ح.. س..ن" أردفت بصوت خافت متقطع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق