تعوَّدَ الجميع منغصاته السخيفة.. المحرجة على الدوام.. لا أحد يرد على مهاتراته.. وتمتماته المفاجئة.. فالجميع يجزم أنه نوع من الهطل المتوارث فى عائلة الرجل...
وغالباً ما تكون مهاتراته تلك فى إطار التنفيس المحتمل عن النفس.. وما يعتمل فى صدره من صراعات ضارية.. من المؤكد أن سببها الأوحد هو عدم القدرة على التكيف مع الحياة على علاتها...
غير أن أحداً لا يشغل باله مطلقاً.. بما يدور فى خلد الرجل من معارك مهلكة.. قد يذهب هو نفسه ضحيتها يوما ما...
بعينى الرجل عمق غريب حال صمته.. كذاك الذى بعينى مفكر أو عالم.. أو أديب مبدع.. توحى تلك النظرة غير العادية فى عينيه لمن يتأملها.. بأنه أحد العباقرة ولاشك...
بيد أن الناس جميعاً مشغولون بشئونهم.. ولا أحد يلتفت إليه من حال الأصل.. حتى عندما يثير عاصفته اليومية على رؤوس المارة.. والموظفين داخل المكاتب القريبة.. يصمت الجميع.. وإلا ينفجر كقنبلة موقوتة فى وجه من جرؤ على تحريك لسانه...
ينكفىء الرجل على مقشته صامتاً .. كأنه آلة صماء مبرمجة.. يرنو بمقلتين مجهدتين على الدوام.. بين أقدام المارة من الموظفين المارقين إلى عملهم بهذه المنطقة.. تزداد زاوية نظرته اتساعاً بقدر ما تسمح له الانحناءة على المقشة...
أشياء غريبة تتراءى للرجل فى هذه الأقدام البشرية.. حينما تخطو مسرعة أمامه..لا يدرى تحديداً ماذا يدفع هذه الهياكل البشرية لتكبد هذا العناء اليومى؟!
لكنه يدرى يقينا أنهم جميعاً أفضل شأناً منه.. مهما كانت وظائفهم.. حتى عمال النظافة بالمدرسة الإبتدائية المجاورة.. فهم يمارسون عملهم داخل إطار سور المدرسة المحدود.. أما هو فيهان فى اليوم مرات على مرأى ومسمع من الجميع...
يضم شفتيه السمراوين من أثر دخان الجوزة.. يأخذ نفساً عميقاً من الهواء المحمل بالأتربة والميكروبات.. يبصق فى وجه الدنيا.. ثم ينكفىء على مقشته فى صمت يراقب أقدام المارة من جديد...
تبدو له الدنيا على حقيقتها فى هذه الأقدام.. التى تُدفع فى حركة آلية.. قاصدة مكان على وجه التحديد...
عاصفته الترابية تعبق الجو وتخنق المكان.. ولا أحد كائناً من كان.. بمقدوره أن يجبره على التوقف.. حتى ولو كان الجن الأزرق...
" صباحك اسود زى وشك" تتمتم الموظفة سليطة اللسان.. وهى تلملم ذيل فستانها القاتم كوجه السماء فى يوم شتوى كئيب...
" مالك مكتومة النهارده كده يام عرقوب..أكيد واخدة علقة سخنة من جوز الندامة" حدث الرجل نفسه هامساً...
تمر المرأة ذات العرقوب دون اشتباك معه هذه المرة.. يبدو ان استنتاج الرجل العبقرى صحيحاً مثل كل مرة...
" روحى ياشيخة ربنا يهدك.. ويريحنا من لسانك الزفر" يقول الرجل فى عقبها باصقاً...
يتراءى على بعد أمتار قليلة.. هيكل ضخم خلف التراب المتطاير.. يقترب على مهل.. كأنه يخشى الاصطدام بشىء ما.. شيئاً شيئاً تتضح الرؤية.. يشير متردداً بما يوحى بالرجاء للتوقف.. يهمس بأنفاس متقطعة " صباحك فل ياريس"...
وعلى غير عادته يبطىْ الرجل قليلاً بطريقة تلقائية.. كلما مر هذا الهيكل الضخم.. صاحب القلب الطيب.. الكبير.. الكبير جداً بالطبع...
تختفى بقعة الظل الكبيرة المصاحبة لهذا الهيكل ببطء شديد.. بينما تترك قدماه الثقيلاتان آثاراً واضحة .. على أرضية الشارع المترب.. فى الوقت الذى يعاود العبقرى ضبط زاوية انحناءته على المقشة.. واستئناف حركته الآلية حسب البرمجة المعهودة...
" الله يرحم والدك" يتمتم الرجل لحظة أن تقع عيناه على حذائها المصنوع من جلد الحيوانات الطبيعى .. ذى الكعب العالى جداً.. الرفيع جداً.. وهى تتلوى فى مشيتها.. كمن أصابه مغص مفاجىء .. أو كراقصة درجة ثالثة...
"اف" تقول الموظفة الشابة.. وهى تسد فتحتى أنفها بطرف الإبهام والسبابة.. ثم تهرول مسرعة دون أن تنظر إليه...
يتبعها الرجل ببصقة ذات صوت غليظ.. كالذى يصدر عنه حين يبص على الدنيا...
ُتُكحل أشعة شمس نوفمبراللينة عينيه الداكنتين.. المجهدتين على الدوام.. كأنه تنبه إليها فجأة.. يدرك فى التو أنه أتم مهمته كاملة.. تلك الرسالة التى لا يقتنع بها.. ويجزم أنه خلق لغيرها...
يعود يلملم المخلفات التى كومها على امتداد الطريق.. يرتبها بأسلوبه الخاص جداً.. ويضع لمساته الأخيرة عليها...
يفترش الرصيف بعدها انتظاراً لعربة القمامة.. التى سيشيع على متنها كوماته إلى مثواها الأخير..لايدرى كم من الوقت يمر فى هذا الانتظار.. ولا حتى يهتم..تدورعيناه بين أقدام المارة كما هى عادته.. يعاوده الشرود...
بشر كثيرون يتوافدون إلى هذه المصالح الحكومية.. القابعة عن يمينه ويساره.. يحملون أوراقاً كثيرة.. منهم من تورمت قدماه من أجل الحصول على تأشيرة بسيطة.. من موظف ما فى إحدى هذه المصالح...
لا يرى الرجل عبقرى زمانه سبباً منطقياً .. لهذه الدوخة التى يدوخها الناس.. وبخاصة الغلابة مثله...
" ما جدوى تلك الأوراق.. وهذه التأشيرات والإمضاءات؟!" يضرب رأسة السؤال...
هو لا يرى ذلك مهماً على الاطلاق.. فماذا لو عاش الناس بدون أوراق؟ من دون موظف لديه مركب نقص.. يستعذب دوختهم...
تطن بأذنه كلمات كثيرة متغطرسة.. متعجرفة.. متحجرة.. يلوكها الموظفون إياهم.. أمام البسطاء من الناس بمناسبة ومن دون...
تعود تدور برأسه فكرة عدم جدوى الأوراق.. تنفرج أسارير وجهه " عندما أصبح رئيساً للبلاد سأحرق كل الأوراق"...
"والله فكرة.. فماذا لو عشنا بلا أوراق" همس بصوت مسموع...
تعجبه الفكرة جداً.. يفغر فاه بطريقة عفوية.. توحى أنه يبتسم ماكراً.. فى حين تتسع حدقتاه كثيراً.. تدور مقلتاه بداخلهما بشكل عشوائى مخيف...
" هل كان أجدادنا القدماء لديهم أوراق.. هل كانوا يعرفونها أصلاً؟" يعاوده التساؤل...
تخلل الريح فروع الشجرة أعلى رأسه.. يهتز سكونها قليلاً .. يُسمع لها خسخسة خفيفة.. سقطت بضعة أوراق جافة أمامه.. ركلها برجله رافضاً المزيد من الأوراق...
وجهة نظر تستحق التوقف لديها بالفعل ..غريب أمر هؤلاء البشر .. لو يعلمون الحقيقة ما أصروا على أهمية هذه الأوراق مطلقاً.. فسيأتى يوم تفسد فيها أوراقهم.. سيأتى خريفها حتماً.. ستصبح مثل هذه الأوراق المتساقطة من الشجرة .. صفراء .. جافة.. عديمة القيمة.. تدوسها الأحذية...
تصل عربة القمامة.. بينما هو شارد فى ملكوته لم يزل.. جازماً بعدم جدوى الأوراق.. والموظفين الكشريين إياهم أيضاً...
يفيق مفزوعاً على صياح السائق.. انبرى يناول زميله مقطفاً تلو الآخر حتى فرغ من رفع كل القمامة التى كومها فى المنطقة المكلف بها...
سارت العربة أمامه .. تهدر على الطريق.. حتى اختفى شبحها تماماً عن ناظريه...
عاود الجلوس على الرصيف مفكراً.. محاولاً مواصلة شطحاته العبقرية.. غاب ثانية الوجود.. فى حين احتجبت الشمس اللينة وراء.. سحب ضبابية كثيفة...
بعثرت رياح نوفمبر.. التى اشتدت فجأة بردها على الطرقات.. وكستها بسجادة شاحبة من أوراق الشجر الجافة...
تصفعه بعض الأوراق المتطايرة مع الريح.. يهب مذعوراً.. يهرتق بلا وعى.. ويزعق بأعلى صوت لاعناً كل الأوراق فى هذا العالم.. جعل يفتتها تحت قدميه .. يفركها.. يسحقها...
وغالباً ما تكون مهاتراته تلك فى إطار التنفيس المحتمل عن النفس.. وما يعتمل فى صدره من صراعات ضارية.. من المؤكد أن سببها الأوحد هو عدم القدرة على التكيف مع الحياة على علاتها...
غير أن أحداً لا يشغل باله مطلقاً.. بما يدور فى خلد الرجل من معارك مهلكة.. قد يذهب هو نفسه ضحيتها يوما ما...
بعينى الرجل عمق غريب حال صمته.. كذاك الذى بعينى مفكر أو عالم.. أو أديب مبدع.. توحى تلك النظرة غير العادية فى عينيه لمن يتأملها.. بأنه أحد العباقرة ولاشك...
بيد أن الناس جميعاً مشغولون بشئونهم.. ولا أحد يلتفت إليه من حال الأصل.. حتى عندما يثير عاصفته اليومية على رؤوس المارة.. والموظفين داخل المكاتب القريبة.. يصمت الجميع.. وإلا ينفجر كقنبلة موقوتة فى وجه من جرؤ على تحريك لسانه...
ينكفىء الرجل على مقشته صامتاً .. كأنه آلة صماء مبرمجة.. يرنو بمقلتين مجهدتين على الدوام.. بين أقدام المارة من الموظفين المارقين إلى عملهم بهذه المنطقة.. تزداد زاوية نظرته اتساعاً بقدر ما تسمح له الانحناءة على المقشة...
أشياء غريبة تتراءى للرجل فى هذه الأقدام البشرية.. حينما تخطو مسرعة أمامه..لا يدرى تحديداً ماذا يدفع هذه الهياكل البشرية لتكبد هذا العناء اليومى؟!
لكنه يدرى يقينا أنهم جميعاً أفضل شأناً منه.. مهما كانت وظائفهم.. حتى عمال النظافة بالمدرسة الإبتدائية المجاورة.. فهم يمارسون عملهم داخل إطار سور المدرسة المحدود.. أما هو فيهان فى اليوم مرات على مرأى ومسمع من الجميع...
يضم شفتيه السمراوين من أثر دخان الجوزة.. يأخذ نفساً عميقاً من الهواء المحمل بالأتربة والميكروبات.. يبصق فى وجه الدنيا.. ثم ينكفىء على مقشته فى صمت يراقب أقدام المارة من جديد...
تبدو له الدنيا على حقيقتها فى هذه الأقدام.. التى تُدفع فى حركة آلية.. قاصدة مكان على وجه التحديد...
عاصفته الترابية تعبق الجو وتخنق المكان.. ولا أحد كائناً من كان.. بمقدوره أن يجبره على التوقف.. حتى ولو كان الجن الأزرق...
" صباحك اسود زى وشك" تتمتم الموظفة سليطة اللسان.. وهى تلملم ذيل فستانها القاتم كوجه السماء فى يوم شتوى كئيب...
" مالك مكتومة النهارده كده يام عرقوب..أكيد واخدة علقة سخنة من جوز الندامة" حدث الرجل نفسه هامساً...
تمر المرأة ذات العرقوب دون اشتباك معه هذه المرة.. يبدو ان استنتاج الرجل العبقرى صحيحاً مثل كل مرة...
" روحى ياشيخة ربنا يهدك.. ويريحنا من لسانك الزفر" يقول الرجل فى عقبها باصقاً...
يتراءى على بعد أمتار قليلة.. هيكل ضخم خلف التراب المتطاير.. يقترب على مهل.. كأنه يخشى الاصطدام بشىء ما.. شيئاً شيئاً تتضح الرؤية.. يشير متردداً بما يوحى بالرجاء للتوقف.. يهمس بأنفاس متقطعة " صباحك فل ياريس"...
وعلى غير عادته يبطىْ الرجل قليلاً بطريقة تلقائية.. كلما مر هذا الهيكل الضخم.. صاحب القلب الطيب.. الكبير.. الكبير جداً بالطبع...
تختفى بقعة الظل الكبيرة المصاحبة لهذا الهيكل ببطء شديد.. بينما تترك قدماه الثقيلاتان آثاراً واضحة .. على أرضية الشارع المترب.. فى الوقت الذى يعاود العبقرى ضبط زاوية انحناءته على المقشة.. واستئناف حركته الآلية حسب البرمجة المعهودة...
" الله يرحم والدك" يتمتم الرجل لحظة أن تقع عيناه على حذائها المصنوع من جلد الحيوانات الطبيعى .. ذى الكعب العالى جداً.. الرفيع جداً.. وهى تتلوى فى مشيتها.. كمن أصابه مغص مفاجىء .. أو كراقصة درجة ثالثة...
"اف" تقول الموظفة الشابة.. وهى تسد فتحتى أنفها بطرف الإبهام والسبابة.. ثم تهرول مسرعة دون أن تنظر إليه...
يتبعها الرجل ببصقة ذات صوت غليظ.. كالذى يصدر عنه حين يبص على الدنيا...
ُتُكحل أشعة شمس نوفمبراللينة عينيه الداكنتين.. المجهدتين على الدوام.. كأنه تنبه إليها فجأة.. يدرك فى التو أنه أتم مهمته كاملة.. تلك الرسالة التى لا يقتنع بها.. ويجزم أنه خلق لغيرها...
يعود يلملم المخلفات التى كومها على امتداد الطريق.. يرتبها بأسلوبه الخاص جداً.. ويضع لمساته الأخيرة عليها...
يفترش الرصيف بعدها انتظاراً لعربة القمامة.. التى سيشيع على متنها كوماته إلى مثواها الأخير..لايدرى كم من الوقت يمر فى هذا الانتظار.. ولا حتى يهتم..تدورعيناه بين أقدام المارة كما هى عادته.. يعاوده الشرود...
بشر كثيرون يتوافدون إلى هذه المصالح الحكومية.. القابعة عن يمينه ويساره.. يحملون أوراقاً كثيرة.. منهم من تورمت قدماه من أجل الحصول على تأشيرة بسيطة.. من موظف ما فى إحدى هذه المصالح...
لا يرى الرجل عبقرى زمانه سبباً منطقياً .. لهذه الدوخة التى يدوخها الناس.. وبخاصة الغلابة مثله...
" ما جدوى تلك الأوراق.. وهذه التأشيرات والإمضاءات؟!" يضرب رأسة السؤال...
هو لا يرى ذلك مهماً على الاطلاق.. فماذا لو عاش الناس بدون أوراق؟ من دون موظف لديه مركب نقص.. يستعذب دوختهم...
تطن بأذنه كلمات كثيرة متغطرسة.. متعجرفة.. متحجرة.. يلوكها الموظفون إياهم.. أمام البسطاء من الناس بمناسبة ومن دون...
تعود تدور برأسه فكرة عدم جدوى الأوراق.. تنفرج أسارير وجهه " عندما أصبح رئيساً للبلاد سأحرق كل الأوراق"...
"والله فكرة.. فماذا لو عشنا بلا أوراق" همس بصوت مسموع...
تعجبه الفكرة جداً.. يفغر فاه بطريقة عفوية.. توحى أنه يبتسم ماكراً.. فى حين تتسع حدقتاه كثيراً.. تدور مقلتاه بداخلهما بشكل عشوائى مخيف...
" هل كان أجدادنا القدماء لديهم أوراق.. هل كانوا يعرفونها أصلاً؟" يعاوده التساؤل...
تخلل الريح فروع الشجرة أعلى رأسه.. يهتز سكونها قليلاً .. يُسمع لها خسخسة خفيفة.. سقطت بضعة أوراق جافة أمامه.. ركلها برجله رافضاً المزيد من الأوراق...
وجهة نظر تستحق التوقف لديها بالفعل ..غريب أمر هؤلاء البشر .. لو يعلمون الحقيقة ما أصروا على أهمية هذه الأوراق مطلقاً.. فسيأتى يوم تفسد فيها أوراقهم.. سيأتى خريفها حتماً.. ستصبح مثل هذه الأوراق المتساقطة من الشجرة .. صفراء .. جافة.. عديمة القيمة.. تدوسها الأحذية...
تصل عربة القمامة.. بينما هو شارد فى ملكوته لم يزل.. جازماً بعدم جدوى الأوراق.. والموظفين الكشريين إياهم أيضاً...
يفيق مفزوعاً على صياح السائق.. انبرى يناول زميله مقطفاً تلو الآخر حتى فرغ من رفع كل القمامة التى كومها فى المنطقة المكلف بها...
سارت العربة أمامه .. تهدر على الطريق.. حتى اختفى شبحها تماماً عن ناظريه...
عاود الجلوس على الرصيف مفكراً.. محاولاً مواصلة شطحاته العبقرية.. غاب ثانية الوجود.. فى حين احتجبت الشمس اللينة وراء.. سحب ضبابية كثيفة...
بعثرت رياح نوفمبر.. التى اشتدت فجأة بردها على الطرقات.. وكستها بسجادة شاحبة من أوراق الشجر الجافة...
تصفعه بعض الأوراق المتطايرة مع الريح.. يهب مذعوراً.. يهرتق بلا وعى.. ويزعق بأعلى صوت لاعناً كل الأوراق فى هذا العالم.. جعل يفتتها تحت قدميه .. يفركها.. يسحقها...
انطلق عدواً فى اتجاه الريح يتتبعها .. حتى توارى عن العيون...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق