
نقراتٌ خفيفة على الباب.. تألفها فى مثل هذا الوقت من كل يوم.. تضع قلمها.. وتطوى أوراقها...
" لم أنس يا حبيبتى موعد نزهتنا على شاطىء النهر.. فقط أقرأ لك ما كتبت اليوم كما تعودنا" تهمس مبتسمة وهى تهم بالقيام من مجلسها لتفتح الباب...
تحتضنها محدقة فى عمق عيناها اللامعة الجميلة..التى تمدها دوما بالثقة والأمل.. حضنها الدافىء يمنح ذاتها الطفولية السكينة والراحة.. فكأن الكون لحظتها أمان كله وسلام...
" ملاك أنت يا جدتى..لا أعلم كيف كنت سأحتمل الحياة بدونك؟!" تقول ذائبة فى حنانٍ لانهائى المدى...
هاتف خفى يراودها اليوم منذ الصباح..لم تجد له تفسيراً حتى الآن..ولا تستطيع منع أحاسيسها من الانشغال به..شىء ما يشدها إلى ذاك المكان الرائع.. تحت شجرة الصفصاف الكبيرة .. القابعة منذ دهور فى حضن النهر الجميل على أطراف الطريق...
يكاد هذا الشىء الخفى يطير بها إلى هناك.. لاتطيق صبراً حتى تصل إليه على مهل كالعادة.. تسرع الخطى قليلاً...
إنه موعودهما اليومى المعتاد مع الغروب.. فى ذات المكان.. فما سر هذه اللهفة إذن؟ لا تدرى .. غير أنها تود لو تطير إلى هناك...
على أية حال هاهما الآن.. على بعد خطوات فقط من الشجرة.. ولابد السر قابع هناك...
هنا تماماً مجلسهما.. ما أصفى النهر.. وما أرق الخضرة.. ما أروع هذه الشجرة الحنونة.. كم تحتويهما...
الجو رائع اليوم .. برغم الريح.. والغيوم المترنحة هناك فى كبد السماء.. برغم بقايا الدفء المتشبثة بأطراف الشمس المودعة .. والمساء الشتوى المقبض.. المترقب فى قلق بالغ لحظة احتضار النهار .. لينقض على الأفق...
الجو رائع اليوم.. برغم أحزان كثيرة يحملها القلب.. وعذابات السنين الطويلة..المنقوشة على جدار العمر...
" أنت أيضاً رائعة يا جدتى.. ورائع كل مكان فى الوجود يضمنا" استدارت إليها هامسة...
الآن فقط أدركت السر.. إنه هذا المشهد.. مشهد الغروب..كيف غاب عنها؟!
إنه أنسب نهاية بالفعل لروايتها الأخيرة "لابد أن أقول وداعاً" ...
لتقف وفاء بطلة الرواية تحت نفس الشجرة كعادتها كل غروب.. غارقة فى أحلامها الوردية.. تحلق روحها الشفافة فى أفق ذكرياتها الجميلة.. تداعب عينها العبرات..وطيف حبيبها الذى رحل عنها منذ سنوات طويلة.. يدور الحوار بينها وبين نفسها طويلاً.. تدرك أخيراً أنها كانت تنشد وهماً.. وتضيع العمر فى انتظار ما لا يجىء أبدا.. تبكى.. تستمر طويلاً فى البكاء.. يزحف المساء.. الضباب .. الظلام...
" شردنا طويلاً وأدركنا المساء فى هذا المكان البعيد.. هيا بنا حبيبتى.. يجب أن نعود.. فالطريق طويلة إلى المنزل" تقول وهى تهم بالرجوع...
أولى خطوات العودة.. نصف المسافة..انحدرتا بعيداً عن النهر.. خافهما مئات الخطى...
" ما أقسى المساء والوحدة لولاك جدتى..الظلام.. الرعود.. الصقيع" تتمتم وهى تفتح باب الشقة...
أضاءت مصباح الردهة.. لتبدد هذا الظلام الرهيب الجاثم على كل ذرة بالمكان.. البيت يبدو كثلاجة كبيرة.. ترتعد أوصالها من شدة البرد.. تتحرك جيئة وذهاباً بين شتى أرجاء البيت...
أعدت مشروباً ساخناً.. جلست إلى جوار المدفأة..احتضنت قطتها.. استرخت حالمة.. حملها الدفء إلى زمان جميل.. بعيد...
" أتعلمين لماذا أسميتك جدتى؟!" همست فى أذن القطة شاردة...
جميلة قطها .. بيضاء ممتلئة.. ذات عينين زرقاوين فريدتين.. رقيقة.. هادئة.. حنونة.. تشبه جدتها تماماً...
سنوات طويلة مرت على غيابها.. لكنها تسكنها..تحياها..تشاركها الهواء الذى تتنفسه.. تستقر فى بؤرة ذاكرتها وقلبها ملامحها الغاية فى الحسن .. وطقوسها اليومية الفريدة...
شهرزاد فطرية.. تحكى فى تفرد وبراعة حكاياتها الأسطورية الرائعة.. بلهجة ريفية ..بسيطة وجميلة...
يوم كئيبة ملامحه.. قاسية تفاصيله.. تجسده اللحظة على مسرح ذاكرتها بكل مفرداته.. كأنه اليوم...
جاء الخال يسأل عن الأم مرتبكاً.. أخذها معه بحجة أن الجدة مريضة وتريد أن تراها..هرولت الأم مضطربة مقبوضة.. كأنها كانت تستقرىء الغيب...
عادت لأم باكية حزينة.. مرت أيام وهى حزينة.. شهور.. سنين...
لم تعد الجدة تزورهم.. لم تعد تحضنها وتقبلها وهى تعطيها الحلوى.. لم تعد تجلسها فى حجرها.. لم تعد تحكى لها الحكايات قبل نومها.. لم تعد تدعو بأن تراها عروس جميلة مثل ست الحسن..لم تعد تأخذها معها إلى البيت الكبير...
" شعرت بالبرد يغلف أيامى.. بكيت مع أمى.. بكيت وحدى.. مازلت أبكى" تنبهت دامعة...
ورحلت شهرزاد.. رحلت فى صمت دون أن تراها.. رحلت قبل أن تصبح مثل ست الحسن.. رحلت قبل أن تدرك معنى الرحيل...
رحلت وتركتها تحمل سنوات عمرها القليلة.. وتنتظرها كل يوم على رأس الطريق.. تسائل عنها الأم فى كل ليلة.. تتنفس ريحها فى النسمات القادمة بالعيد.. الصيف.. الشتاء...
فى الربيع الذى لونت لها به الدنيا عيناها .. عيناها الزرقاوان الصافيتان كقاع محيط لم يكتشف بعد...
احتضنت القطة أكثر.. ملست على شعرها الأبيض الناعم.. مسحت برفق الدموع التى ملأت عينيها الفيروزيتين ...
" أحبك يا جدتى" همست بدفء.
" لم أنس يا حبيبتى موعد نزهتنا على شاطىء النهر.. فقط أقرأ لك ما كتبت اليوم كما تعودنا" تهمس مبتسمة وهى تهم بالقيام من مجلسها لتفتح الباب...
تحتضنها محدقة فى عمق عيناها اللامعة الجميلة..التى تمدها دوما بالثقة والأمل.. حضنها الدافىء يمنح ذاتها الطفولية السكينة والراحة.. فكأن الكون لحظتها أمان كله وسلام...
" ملاك أنت يا جدتى..لا أعلم كيف كنت سأحتمل الحياة بدونك؟!" تقول ذائبة فى حنانٍ لانهائى المدى...
هاتف خفى يراودها اليوم منذ الصباح..لم تجد له تفسيراً حتى الآن..ولا تستطيع منع أحاسيسها من الانشغال به..شىء ما يشدها إلى ذاك المكان الرائع.. تحت شجرة الصفصاف الكبيرة .. القابعة منذ دهور فى حضن النهر الجميل على أطراف الطريق...
يكاد هذا الشىء الخفى يطير بها إلى هناك.. لاتطيق صبراً حتى تصل إليه على مهل كالعادة.. تسرع الخطى قليلاً...
إنه موعودهما اليومى المعتاد مع الغروب.. فى ذات المكان.. فما سر هذه اللهفة إذن؟ لا تدرى .. غير أنها تود لو تطير إلى هناك...
على أية حال هاهما الآن.. على بعد خطوات فقط من الشجرة.. ولابد السر قابع هناك...
هنا تماماً مجلسهما.. ما أصفى النهر.. وما أرق الخضرة.. ما أروع هذه الشجرة الحنونة.. كم تحتويهما...
الجو رائع اليوم .. برغم الريح.. والغيوم المترنحة هناك فى كبد السماء.. برغم بقايا الدفء المتشبثة بأطراف الشمس المودعة .. والمساء الشتوى المقبض.. المترقب فى قلق بالغ لحظة احتضار النهار .. لينقض على الأفق...
الجو رائع اليوم.. برغم أحزان كثيرة يحملها القلب.. وعذابات السنين الطويلة..المنقوشة على جدار العمر...
" أنت أيضاً رائعة يا جدتى.. ورائع كل مكان فى الوجود يضمنا" استدارت إليها هامسة...
الآن فقط أدركت السر.. إنه هذا المشهد.. مشهد الغروب..كيف غاب عنها؟!
إنه أنسب نهاية بالفعل لروايتها الأخيرة "لابد أن أقول وداعاً" ...
لتقف وفاء بطلة الرواية تحت نفس الشجرة كعادتها كل غروب.. غارقة فى أحلامها الوردية.. تحلق روحها الشفافة فى أفق ذكرياتها الجميلة.. تداعب عينها العبرات..وطيف حبيبها الذى رحل عنها منذ سنوات طويلة.. يدور الحوار بينها وبين نفسها طويلاً.. تدرك أخيراً أنها كانت تنشد وهماً.. وتضيع العمر فى انتظار ما لا يجىء أبدا.. تبكى.. تستمر طويلاً فى البكاء.. يزحف المساء.. الضباب .. الظلام...
" شردنا طويلاً وأدركنا المساء فى هذا المكان البعيد.. هيا بنا حبيبتى.. يجب أن نعود.. فالطريق طويلة إلى المنزل" تقول وهى تهم بالرجوع...
أولى خطوات العودة.. نصف المسافة..انحدرتا بعيداً عن النهر.. خافهما مئات الخطى...
" ما أقسى المساء والوحدة لولاك جدتى..الظلام.. الرعود.. الصقيع" تتمتم وهى تفتح باب الشقة...
أضاءت مصباح الردهة.. لتبدد هذا الظلام الرهيب الجاثم على كل ذرة بالمكان.. البيت يبدو كثلاجة كبيرة.. ترتعد أوصالها من شدة البرد.. تتحرك جيئة وذهاباً بين شتى أرجاء البيت...
أعدت مشروباً ساخناً.. جلست إلى جوار المدفأة..احتضنت قطتها.. استرخت حالمة.. حملها الدفء إلى زمان جميل.. بعيد...
" أتعلمين لماذا أسميتك جدتى؟!" همست فى أذن القطة شاردة...
جميلة قطها .. بيضاء ممتلئة.. ذات عينين زرقاوين فريدتين.. رقيقة.. هادئة.. حنونة.. تشبه جدتها تماماً...
سنوات طويلة مرت على غيابها.. لكنها تسكنها..تحياها..تشاركها الهواء الذى تتنفسه.. تستقر فى بؤرة ذاكرتها وقلبها ملامحها الغاية فى الحسن .. وطقوسها اليومية الفريدة...
شهرزاد فطرية.. تحكى فى تفرد وبراعة حكاياتها الأسطورية الرائعة.. بلهجة ريفية ..بسيطة وجميلة...
يوم كئيبة ملامحه.. قاسية تفاصيله.. تجسده اللحظة على مسرح ذاكرتها بكل مفرداته.. كأنه اليوم...
جاء الخال يسأل عن الأم مرتبكاً.. أخذها معه بحجة أن الجدة مريضة وتريد أن تراها..هرولت الأم مضطربة مقبوضة.. كأنها كانت تستقرىء الغيب...
عادت لأم باكية حزينة.. مرت أيام وهى حزينة.. شهور.. سنين...
لم تعد الجدة تزورهم.. لم تعد تحضنها وتقبلها وهى تعطيها الحلوى.. لم تعد تجلسها فى حجرها.. لم تعد تحكى لها الحكايات قبل نومها.. لم تعد تدعو بأن تراها عروس جميلة مثل ست الحسن..لم تعد تأخذها معها إلى البيت الكبير...
" شعرت بالبرد يغلف أيامى.. بكيت مع أمى.. بكيت وحدى.. مازلت أبكى" تنبهت دامعة...
ورحلت شهرزاد.. رحلت فى صمت دون أن تراها.. رحلت قبل أن تصبح مثل ست الحسن.. رحلت قبل أن تدرك معنى الرحيل...
رحلت وتركتها تحمل سنوات عمرها القليلة.. وتنتظرها كل يوم على رأس الطريق.. تسائل عنها الأم فى كل ليلة.. تتنفس ريحها فى النسمات القادمة بالعيد.. الصيف.. الشتاء...
فى الربيع الذى لونت لها به الدنيا عيناها .. عيناها الزرقاوان الصافيتان كقاع محيط لم يكتشف بعد...
احتضنت القطة أكثر.. ملست على شعرها الأبيض الناعم.. مسحت برفق الدموع التى ملأت عينيها الفيروزيتين ...
" أحبك يا جدتى" همست بدفء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق