الخميس، 5 مارس 2009

السحابة البيضاء - قصة قصيرة


بدأ الشتاء الكئيب يلملم أيامه القاتمة.. ولياليه الطويلة الجامدة.. التى لا تحبها وتنقبض منها طفولتها الهشة...
شيئا شيئا انتعش الوجود.. وشيئا شيئا تزينت الدنيا بالألوان الزاهية النضيرة..نفثت حدائق البرتقال واليوسفى عبقها الزكى.. المختلط بشذا أزهار الخوخ والمشمش والليمون.. المنتشرة هنا وهناك...
فراشة صغيرة.. جميلة.. شردت عن السرب.. انتحت جانباً.. قاصدة شجرة الفل.. القابعة هناك على البعد على حافة النهر...
صنعت عقداً جميلاً..وسواراً زينت به معصمها الصغير.. وخاتماً لأصبعها الرقيق.. ولرأسها تاجاً فاتناً...
مضت عائدة إلى البيت.. وعيناها الزمرديتان تلتمعان حسناً وبريقاً قلما تحويه عيون بشر.. وجيدها النحيل منقوع فى عبير الفل الفواح...
ملاك صغير بدت وهى تتهادى على الطريق المؤدى إلى منزلها...
" لحظة يا قطقوطة" قالتها الجارة كعادتها فى كل يوم حينما تنتظر الصغيرة وهى عائدة من المدرسة.. وتردف بسرعة " قربى أكثر..خلينى أبصلك علشان أجيب بنت تشبهك.. فى ملامحك الحلوة المسمسمة.. وعنيكى الخضرا الجميلة دى " ...
وببراءة الأطفال تبتسم الصغيرة.. دون أن تدرى ماذا تعنى تلك المرأة السمراء ضيقة العينين منتفخة البطن.. هى جارة مزعجة وحشرية.. لكنها ليست سيئة جداً على أية حال...
" تعالى يا بنت .. كفياكى تأخير بقى" يأتى صوت الأم ممزوجا ببعض الضيق...
ترجف الصغيرة.. فأمها لا تحب تأخرها خارج البيت لأى سبب .. وبخاصة تلك الرومانسية والنعومة التى تبدو فى طبعها.. فهى ترى هذه الرقة عيباً كبيراً.. تثير طمع الأغبياء ومرضى النفوس.. وتدعو الناس للاستخفاف بعقلها...
" أسفة يا ماما.. رحت عند شجرة الفل غصب عنى .. مش هاعمل كدا تانى " تهمس الصغيرة وهى تقدم أولى خطواتها داخل البيت...
وقت يسير واشتعلت وجنتا الصغيرة.. شعرت بالنار تسرى فى كامل جسدها .. جعلت تزدرد ريقا بصعوبة بالغة.. لمعت عيناها الخضراوان النجلاوان ببعض العبرات اللاإرادية .. بينما بدت خلفية عينيها حمراء قانية.. ندت عنها آهة مكتومة.. تتابعت بعدها الآهات...
" ماتخافيش يا حبيبتى .. هاتبقى كويسة بعد ماتخدى المضاد الحيوى.. وتشربى الليمون السخن ده" ربتت الأم على ظهر الصغيرة...
انتظرت الأم أن تنخفض الحرارة دون جدوى.. جعلت تذرع الغرفة جيئة وذهاباً " أعمل إيه بس ياربى؟ بنتى بتضيع منى" .. بينما تئن الصغيرة بلا انقطاع...
ارتدت الأم ملابس الخروج مهرولة.. حملت الصغيرة إلى الطبيب.. وقد جعلت تهذى وتتمتم بكلامات غير مفهومة...
" كم عمرها؟" سأل الطبيب .. وأجابت الأم " سبع سنوات"...
وبعد صمت قليل عاود الطبيب مسائلاً:
- من امتى وهى كدا ؟
- بقالها كام ساعة يا دكتور.
- ولسة جايباهلى دلوقت؟
- قلت حمى عادية هتروح بالمضاد الحيوى والتدفية فى السرير.
- الحقيقة هى حالة غريبة جداً .. لم تصادفنى طوال سنوات عملى ...
- ودا معناه إيه يادكتور؟!
- يفعل الله ما يريد!
انفجرت دموع الأم .. فى حين جلس الطبيب على مكتبه.. يتحدث همساً فى التليفون.. باللغة العربية تارة..وبالإنجليزية تارات شتى...
وضع الطبيب سماعة التليفون.. بعد حديث طويل جداً مع أكثر من طرف.. ولم تزل الأم مشغولة عما يجرى حولها بدموعها الغزيرة وأفكارها المرعبة...
" هاعمل كل اللى أقدر عليه .. اطمنى.. ولكن أرجوك الهدوء علشان أعرف أشوف شغلى " حدثها الطبيب برفق.. وأسرعت الأم ترجوه وتتوسل إليه أن ينقذ ابنتها ولن يسمع لها صوتاً مطلقاً...
انفرجت الأزمة.. وتخطت الصغيرة مرحلة الخطر حسب كلام الطبيب..وقفت الأم عاجزة عن الشكر.. لا تعرف كيف تكافىء هذا الانسان الذى رد إليها روحها.. التى كادت نزهق من مجرد التفكير فى رحيل الطفلة عن الحياة...
مرت أيام قلائل.. تعافت الصغيرة تماماً.. إلا من رمد بعينيها لا يريد أن يزايلها.. حارت الطبيب معه.. وحارت العقاقير...
" قد يزول بعد فترة" قالت الأم بينها وبين نفسها دون أدنى سوء ظن...
عادت الصغيرة إلى المدرسة.. وفى ذهابها وإياباها تنتظرها تلك المرأة السمراء ضيقة العينين منتفخة البطن التى تريد أن تلد بنتاً تشبها...
لعب القلق بقلب الأم فطافت بالصغيرة على كل أطباء العيون.ز لكن عينى الصغيرة لم تستجب لأيهم.. تدهورت حالتها.. مضى أسبوعان على تلك الحال.. وعينى الصغيرة محمرة دامعة متقرحة.. والرؤية تقل تدريجياً...
وفى اليوم الأخير لعلاقتها المباشرة مع الألوان والضوء.. انتظرتها ذات المرأة السمراء ضيقة العينين منتفخة البطن وهى عائدة من المدرسة.. لتملى ناظريها من ذلك الحسن المتفرد.. والذى لم تقع عيناها الضيقة على مثيله..تحسست شعرها الأشقر المسترسل.. اللامع كخيوط الذهب " لسة عينك بتوجعك ..يااااه.. دى عين وصابتك يابنتى.. ياترى عين مين دى"...
أخذت الصغيرة تتحسس الأرض تحت قدميها وهى تتخطى عتبة البيت.. وبصيص النور الذى كان ينعكس على عينيها مكوناً سحابة بيضاء يخبو رويداً رويداً.. وينسحب من أمامها حتى تلاشى تماما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق