الثلاثاء، 10 مارس 2009

لا جديد تحت الشمس - قصة قصيرة


هنا على أطراف الحدود الشمالية يتجسد السحر.. يطوى البحر سره بين أحشائه.. يتيه فى غموض رهيب.. تموج على شاطئه الأيام.. تمتد يده الحانية من تحت جسر عتيق .. لتربت على صفحة البحيرة الناعسة فى كنفه.. مانحاً إياها العطف والأمان.. يعانق النهر الجميل تحت ظلال وارفة من الروعة.. تحف بالمكان خضرة نادرة الحسن والرونق...
هنا تماماً على مقربة من من الشاطىء.. تربض فى سلام مجموعة من البنايات والأكواخ البسيطة.. والناس البسطاء الطيبين..تعلو أغاريد الرضا آفاقهم ليل نهار...
عشقوا البحر قدر ما رهبوه وارتاعوا منه.. قدر ما أوجعهم فراق الأحبة وحبات القلوب.. الذين ضاعوا تحت عبابه.. عاشوا على ما يجود به الرب حامدين شاكرين...
ليس أهم من البحر فى حياتهم.. وليس الشاطىء الطويل الممتد كيلوات طويله.. إلا طريقاً مؤدياً إلى البحر وحسب.. لايختلف كثيراً عن سائر الطرق الرملية .. التى يعبرونها فى الذهاب والإياب.. هكذا توارثوا عن آبائهم وأجدادهم...
ومع الفجر جهز الصيادون الشبان شباكهم وأدواتهم.. تجمعوا على ظهر مركبهم " مرزوقة"..
انطلقت فكاتهم وضحكاتهم.. الرائقة كقطرات الندى تجوب الآفاق...
دار الغمز واللمز بين الشبان الستة عشر المتجمعون على ظهر المركب.. ينظرون إلى بعضهم البعض.. بعد أن يختلسوا النظر على الريس "شعبان".. ريس مركبهم التى تستعد الآن لرحلة صيد بعيدة.. تستمر أياماً وليالى طويلة...
" مال الريس بلاميطة شوكته مكسورة كده ياولاد" همس أحدهم...
" إياك يسمعك.. وهو يخلى نهارك زفر.. شعبان ياولد.. شعبان" رد آخر...
ودارت الهمسات بين الشبان منصبة على حال الريس شعبان.. والست بياضة حرمه التى تعشق النكد مثل عينيها.. ولكنهم عادوا وجزموا أنه يستحق ما يحدث له.. لأنه لم يسمع نصيحة والدته.. ولا نصائح كل الناس فى القرية.. وفضل أن يجرب بنفسه لسانها السليط وطباعها التى لا تطاق...
تذكر منصور والده الذى أخذته النوة منذ سنوات طويلة.. لا يذكرعددها ولايذكر ملامحه جيداً.. كان فى مثل عمر الريس شعبان تماماً...
فجأة جاء صوت الريس شعبان من أقصى المركب صائحاً بلا حماس.. ليتنبه الشبان أن الرحلة قد بدأت فى التو...
ودع الشبان الديار بأبصارهم وقلوبهم.. تدور بأذهانهم ذكريات جميلة وغالية..تلوح لمخيلاتهم بيوت صغيرة.. شيدوها على الرمال فى الزمان الأول..وأحلام بعدد نجوم السماء...
شيئاً شيئاً ابتعدت المركب عن الشاطىء.. وشيئاً شيئاً يتلاشى الكوخ القديم المنعزل عن القرية .. تتلاشى معه معالم القرية.. وهيكل "صدفة" الواقفة إلى جوار الكوخ ترقب المركب حتى توارت تماماً.. ووجدت عيناها صعوبة بالغة فى تتبعها...
تاهت المركب فى عرض البحر.. ولم يزل منصور يلّوِّح بقلبه ومقلتيه من على حافة المركب فى صمت دون أن يشعر به أحد.. لولا شروده الذى ينم عما يكابده من لوعة الفراق.. وقد توارت بقايا الفنار الأثرى الرابض على حافة الشاطىء هى الأخرى تماماً...
ظلت صدفة ملتصقة بالكوخ القديم كأنها بعض جداره..تطوف برأسها خيالات وردية عن منصور ..والفرح الذى سيقام بعودته..الزفة والفستان الأبيض .. الشربات والزغاريد..الورود والعطور والناس.. الدنيا الجديدة المرهونة بهذه الرحلة...
فجأة فزعت الملامح الحسناء الحالمة.. شىء ما يُصدر صوتاً مريباً داخل الكوخ.. كأنه فحيح أفعى...
" بل حرَّك الهواء شيئاً بالداخل.. فالجو اليوم متقلب" قالت فى نفسها.. وسرعان ما عادت لأحلامها الناعمة لصق هذا الكوخ القديم.. الشاخص منذ آماد بعيدة .. جعلته بطلاً أسطورياً أوحد.. لكل حكايات الصيادين بالمنطقة...
قالوا كوخ أول صياد عاش بالمنطقة.. وقالوا كوخ مسحور ليس من صنع البشر..مسكون هو بالعفاريت.. بل كوخ عروس البحر.. وأقسم بعضهم أنهم رأوها تتسلل إليه مع الغسق .. وتغادره مع أول خيوط الفجر...
يضحك المحبون من هذه الأقاويل سراً.. ويحمدون الله على هذا الاعتقاد .. الذى لولاه ما رهب الصيادون هذا الكوخ كل هذه الرهبه.. وما تركوه خالياً هكذا.. وما كان للمحبين محراباً يبثون فى ظلال حجبه صبابتهم...
رويداً رويداً بدأ الضوء المنبسط على الكون يتلون..وتحتد الرؤية عبر ثناياه.. انتشر الصغار على الشاطىء كالعادة.. يفردون شباكهم الصغيرة فى محاولة فطرية للتدرب على مهنة الآباء والأجداد.. وبعضهم يجمع القواقع والأصداف التى تقذفها الأمواج على الرمال...
وهناك على البعد فتيات صغيرات.. تجمع أبصال النرجس من قمم التلال لتغرسها أمام البيوت والأكواخ.. ليأتى الربيع الواقف بالأبواب فينعشها وتتفتح زهورها البهية .. ويحل موسم الراحة للصياين.. فتقام الأفراح .. وتنصب ساحات المرح.. حياة جميلة على بساطتها.. الجميع يؤمن بالقضاء والقدر..لا يحمل همَّ الغد أو الرزق.. كل صياد يعلم يقيناً أنه ربما يذهب ولا يعود.. لكنه راضٍ بمشيئة الله حتى ولو كانت اللاعودة...
" البحر موجود .. والرزاق يجود" هكذا يقولون دوماً...
ومع ارتفاع الشمس إلى عنان السماء الغائمة المضطربة.. همت صدفة مسرعة بالعودة إلى البت .. تدرب نفسها على تحمل كلمات أمها اللاذعة بسبب تأخرها بالخارج...
ومع حلول الضحى تجمع الصيادون على المقهى الوحيد بأطراف القرية.. جلسوا يتباحثون تلك المشاكل التى طرأت على مهنتهم التى يتعيشون منها ولا يعرفون غيرها.. وحال البحيرة الذى أصبح لا يسر عدواً ولا حبيباً.. تحلَّق الجمع حول شيخ الصيادين.. ووسط صيحات صبى المقهى.. وضجيج الأمواج التى يقبل رذاذها وجوههم أمام المقهى.. بدأ الحوار متداخلاً وغير مرتب...
" المسألة طولت وغمقت قوى ياريس" قال أحد الصيادين ضجراً..
" يا جماعة إن الله مع الصابرين" قالها شيخ الصيادين محاولاً تهدئة الموقف الذى يعرف حقيقته جيداً.. كما يعرف تماماً ماذا تعنى بالبحيرة بالنسبة لهم ...
أطرق العجوز إلى الأرض محاولاً أن يخفى قسمات وجهه المنقبض.. خوفاً على مصير هؤلاء الصيادين وأسرهم البادى فى الأفق.. خصوصاً بعد كلام المسئول له بالأمس.. والذى يزلزل أعماقه الآن.. فقد كشف عن نواياه بكل بجاحة.. وأعلنها صراحةً بأن عليهم تقبل الوضع الراهن.. وعلى المتضرر زرع رأسه فى قاع البحيرة...
نهض الشيخ متوجها مرة أخيرة لمكتب المسئول بالمدينه الكبيرة .. على بعد كيلوات كثيرة من القرية المنفية بعيداً على الشاطىء.. بينما انشغل بعض الصيادين بترقيع غزلهم .. والبعض بمحاولة يائسة للصيد فى البحيرة.. فى حين ظل آخرون يحتسون الشاى والقهوة والحلبة.. وينفثون غضبهم مع دخان الشيشة الذى يتصاعد إلى أعلى.. مكوناً طبقة أخرى من السحب.. غير تلك البادية فى كبد السماء فوق رؤوسهم...
خلَّفت المركب وراءها مدناً كثيرة.. والشبان على متنها يحلمون.. ويشيدون الآمال.. تعلو أصواتهم بأغنيات جميلة حفظوها عن الكبار.. ورددوها منذ أدركوا الحياة...
اختفت وراءهم رشيد..كما تلاشت الأسكندرية الجميلة خلفهم.. بعد عبورهم ميناء الصيد بها إلى مرسى مطروح.. حيث كانت وجهتهم.. وقبالة شواطىء السلوم جعل الشبان يفردون شباكهم ويجهزون أدواتهم...
" توكلنا على الرزاق" قالها الريس شعبان أولاً.. ثم دارت على ألسنة الشبان الواحد تلو الآخر.. مضت عدة ساعات والشبان تكاد تطير قلوبهم فرحاً...
الرزق وفير.. والخير كثير.. فالأسماك تكثر فى هذه المنطقة فى هذا الوقت من السنة.. هكذا أكدت خبرة الآباء والأجداد...
مضت أيام الرحلة ممتعة كلها.. مليئة بالعمل.. بالخير.. بالضحك.. بالغناء الجميل...
" الحمد لله.. استعدوا للعودة يا شباب" قال الريس شعبان فى ود...
" جاهزين ياريس" رد الشبان فى صوت واحد...
بعد أميال قليلة فى طريق العودة.. شعر الشبان بانحراف المركب قليلاً عن مسارها.. بدت الرياح شديدة بعض الشىء...
تضرع الريس شعبان إلى الله خفية فى تلك اللحظة بأن تخيب ظنونه.. وان تذهب كل خبراته إلى الجحيم.. تمنى بالفعل أن تكون مجرد ريح تداعب المركب قليلاً أو حتى كثيراً.. ثم تذهب إلى حال سبيلها...
لكن الريح اشتدت على عكس ما اشتهى.. زلزلت المركب بعنف.. هرع الشبان إلى مقدمة المركب...
" النوة ياريس" صاح منصور...
" لله الأمر يابنى" قال الريس شعبان مستسلماً...
" قف هنا يا منصور.. وأنت يا حامد هنا مكانى.. خلى بلك كويس ياحامد.. وانت يا حسن هناك.. وانتم ياشباب تعالوا هنا " أردف الريس مسرعاً...
جعلوا ينزحون الماء الغزير الذى ملأ سطح المركب..ازداد الماء غزارة.. لكنهم لم ييئسوا وواصلوا عملهم...
تتضاعف الماء على سطح المركب.. ارتعدت أوصالهم.. أدركوا أنها النهاية.. لكنهم لم ييئسوا.. ظلوا ينزحون فى عزم وإصرار.. ربما هى الهمة المستمدة من الفرصة الأخيرة للتشبث بالحياة...
غطى الماء المركب عن آخرها.. وتلاطمت فوق سطحها الأمواج.. بدأت تترنح فى عرض البحر.. تتهاوى شيئاً شيئاً إلى القاع.. وبآذان الشبان الستة عشر تدوى زغاريد العُرس.. وتهانى العيد القادم بعد الغد.. معتذرين لعروس منصور عن عدم الوفاء بالوعد...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق