الثلاثاء، 3 مارس 2009

طرقات على باب الآخرة - قصة قصيرة


جلس وحيداً.. إلى جوار مقبرة رفيق عمره الحاج منصور.. بعد أن انصرف كل المشيعين...
بدأ الظلام يرخى سدوله على المكان .. وهو ذاهلاً لم يزل ...
مثقلُ كاهله بما يربو على السبعين عاما.. تنبه إليها فجأة...
لأول مرة فى حياته يشعر أنه عاش طويلا.. كأنه مولود من ألف عام...
مر أمام عينيه مشوار طويل جداً من العمر مشياه سويا...
تذكر كم من حبيب وعزيز له.. يرقد تحت هذا الثرى الممتد حوله فى كل اتجاه.. وكم بات مكتوياً بنار الفراق...
لكنه تذكر أيضاً كم كان صلبا شامخا.. مهما قست الخطوب واشتدت الأقدار..بيد أن الصمود ضل الطريق إلى قواه هذه المرة.. فانهار رغماً عنه...
بدا كسيراً مهزوماً.. لايعى شيئاً مما يدور حوله.. رغم معايشته الكاملة لكل مفردات الحدث...
تساقطت دموعه أخيراً .. بعد طول تحجر واحتباس من هول المفاجأة .. توالى الدمع يجتر معه لحظات هذا اليوم الحزين...
صلى الجمعة .. وهرول مسرعاً إليه.. حيث كان طريح الفراش.. منذ ما يقرب من أسبوعين..
لم يكن يتخيل أبداً أنها النهاية ...
لم يبدُ للحظة واحدة أنه مرض الموت..غير أن وجه المريض كان يزداد نوراً وإشعاعاً يوماً بعد يوم...
ظل باقياً إلى جواره يداعبه ويضاحكه كالعادة.. شرد المريض برهة.. ثم عاود الانتباه إلى صديقه وقد صار وجهه كالبدر ليلة تمامه.. "رمضان على الأبواب .. ترى هل كُتب لى صيامه هذا العام .. ترى سنعتمر سوياً كما اتفقنا أم ..." تمتم هامساً...
وبسرعة قاطعه رفيق عمره الجالس إلى جواره منزعجاً من وقع الكلمات " أطال الله عمرك يا حاج.. يا رجل أنت بحال جيدة والحمد لله.. كلها يوم أو أثنين وتقوم مثل الحصان!".
بدا الحاج منصور يعانى فى إخراج الكلام إلى درجة لا يخفى معها أنه يودعه الوداع الأخير" س.. س.. سامحنى يا صديقى .. يبدو.. يبدو أننى .. س .. سأنركك وحدك لا محالة" تمتم متعثراً.
انتفض الصديق مناديا " حاج منصور.. حاج منصور!"
كان الحاج منصور يلفظ آخر أنفاسه مردداً الشهادتين.. فخر إلى جواره مغشياً عليه...
أفاقت بعد وقت طويل أذناه على صرخات وبكاء .. لكن قلبه لم يفق ولا عيناه...
ظل ينظر فى كل اتجاه غير مصدق.. يسائل نفسه فى حيرة " هل جُن هؤلاء الناس؟! لماذا يرددون اسم الحاج منصور هكذا؟! فال الله ولا فالهم!"
كان على يقين كامل من أن الذى مات هو شخص آخر.. وأن الحاج منصور فى زيارة لابنته بالأسكندرية.. وسيعود بعد ساعات قلائل.. فهو لا يطيق الابتعاد عنه...
كان يشعر بفراغ قاتل .. فقد اعتاد وجوده معه دائماً فى كل هذه المناسبات .. لكن يقينه كان ثابتاً لم يتزعزع على امتداد الوقت.. بل يزداد كلما توالت طقوس العزاء.. وتكدس البشر بساحة المنزل...
تمت طقوس الغسل والتكفين .. وخرج مع الناس بالجنازة إلى مسجد القرية .. للصلاة عليها ودفنها عقب صلاة المغرب...
جلس يستمع إلى حديث الشيخ حتى تحين الصلاة.. التفت عن يمينه يبحث عن الحاج منصور.. حيث كان مجلسه دائماً.. أدركه تفكيره البطىء .. المشوش فى تلك اللحظة .. بأنه فى الأسكندرية.. وكأنه قد نسى ذلك...
صلى مع الناس المغرب .. ثم صلاة الجنازة.. على ذلك الميت القابع أمامهم بالقبلة.. منذ أن دخلوا المسجد.. والذى مازال يوقن أنه شخص آخر غير الحاج منصور...
خرج مع جموع الناس حاملين الجنازة...
مازال الناس يقدمون إليه العزاء.. ومازال يتهمهم بينه وبين نفسه بالجنزن!!
استوقفه شىء بساحة المسجد .. حيث كان يجلس هو ورفيق عمره الحاج منصور بعد انقضاء الصلوات.. كأن شيئاً قد تغير بالمكان...
لحق بالناس مترنحاً إلى مقابرالقرية على بعد أمتار قليلة من المسجد.. يدور بذهنه شريط الذكريات الطويل...
كانا متلازمين فى كل مكان.. لا يفترقان إلا وقت النوم .. لدرجة أن الناس كانوا يطلقون عليهما لقب التوءم...
حتى الأطباء والممرضات فى مستشفى التأمين الصحى بالمدينة الكبيرة .. كانوا يعتقدون ذلك بالفعل .. لولا اختلاف لقبيهما...
وقف بين المشيعين شاخصاً إلى باب القبر.. وبعد فترة وجيزة .. انسل الجميع من حوله.. الواحد تلو الآخر دون أن يشعر بهم...
تركوه ذاهلاً غير مصدق .. يفيق تدريجياً من تلك الصدمة...
" البقية فى حياتك يا عمى .. هيا معى.. فلم يعد سوانا هنا " ربت الابن الأصغر للحاج منصور على كتفه فى رأفة وحب!!
تحاشى العجوز النظر إليه .. فهم الابن الغارق فى دموعه أن راحته فى هذا المكان.. تركه مرغماً ومضى إلى حيث سرادق العزاء...
ازدادت سدول الظلام سمكاً.. ولم يزل جالساً إلى جوار المقبرة يطرق أبواب الأحبة للمرة...
بات لا يذكر عدد الطرقات.. لكنه يطرق هذه المرة .. وكل ذرة فى كيانه.. ترجو الدخول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق