رحم الله السندريلا وسامحها.. فربما لم تكن تقصد خداعنا بالترويج لفصل الربيع.. مستغلة في ذلك تفتح الزهور وتطاير أريجها هنا وهناك لإحكام الأكذوبة.. والتي كان جاهين يقينا يعلم حقيقتها عندما سربها إليها.. فسارعت بتهور لنشرها...
صحيح يعطي الربيع للدنيا لونا رائعا.. قد يندر بالفعل في بقية الفصول.. وتأتي أيام علي الدنيا حقيقة وكأنها نقعت في العبير ليل نهار.. وخصوصا مع اقتراب شم النسيم.. ذلك العيد الفرعوني الصميم.. والذي يحتفل به المصريون علي امتداد المحروسة دون أن يعرف أكثرهم علي وجه الدقة حقيقة هذا العيد الذي تبلغ فيه الزهور ذورة حسنها وأريجها.. والذي تعكر صفوه زفارة البيض وعفونة الفسيخ والرنجة والملوحة.. وذلك البشع المصاحب لهم.. إنه البصل الشنيع.. فتمسي الدنيا وقد نقعت في المجاري ولا يفلح للربيع ولا لغيره أية محاولة لاستعادة ما قد فقد من الحسن والعبير.. ويبقي الأمل ممتدا للربيع المقبل وياهنا مين يعيش!!
هليت يا ربيع هل هلالك.. وأدي الربيع عاد من تاني.. الدنيا ربيع والجو بديع وغيرها من الأغنيات الجميلة التي كانت تداعب أذني منذ الطفولة.. وكنت أرددها علي الدوام.. حتي بعد ما أدركت الحياة ووعيت مفرداتها.. واكتشفت أنني كائن شتوي يعشق فصل الشتاء.. ومن قبله الخريف أرق فصول العام.. وأكثرها رومانسية علي الإطلاق.. حتي بعد ذلك ظللت أردد تلك الأغنيات الربيعية العذبة مع كل الربيعين ..عاشقي الورد والخضرة والعبير.. الواهمين للأبد في عودة المحبوب الهاجر.. أو علي الأقل يحن عليهم ويبعت في الربيع طيفه.. بغض الطرف عن الجو الذي هو ليس علي مستوي ذلك الجمال بالقطع!
ومع بداية فصل الربيع.. والذي يحل ضيفا علينا هذه الأيام.. حيث لا مفر من حلوله بالتناوب مرة في كل عام مادامت الحياة.. ومادامت الشمس تدور حول نفسها.. ومادامت في سني العمر بقية.. بدأت تطفو علي سطح حياتنا اليومية المنغصات علي جميع الأصعدة.. كل هذا بسبب جو الربيع الفظيع غير البديع بالمرة.. حيث تمر مصرنا الحبيبة من الآن فصاعدا بتغيرات مناخية.. وتقلبات جوية عنيفة.. مرجعها إلي المرتفعات والمنخفضات الجوية.. القادمة إلي سمائنا من الصحراء الكبري.. وبالطبع لا يقتصر الأمر علي الارتفاع المفاجيء في درجة الحرارة.. أو الانخفاض بنفس الطريقة.. فذلك مقدور عليه وياما دقت علي الراس طبول.. فالمصري كريم العنصرين يفوت في الحديد.. وإنما آفه الربيع الحقيقية والمعضلة التي أعجزت هذا الكريم تكمن في تلك العواصف الرملية الشديدة المحملة بغضب الصحراء.. والمسماة برياح الخماسين التي نعرفها جميعا.. والتي تجعل من الربيع وأيامه عذاب وغلب وآلام.
تلك التقلبات الجوية المفاجئة وكما يؤكد الأطباء هي البيئة الخصبة لتفشي الأوئبة.. وظهور أمراض موسمية كالحساسية بأنواعها وأمراض العيون والصدر إلي آخر هذه القائمة الطويلة.. هذا غير الأمراض التي تتدهور حالة أصحابها بتشريف جنابه كالجيوب الأنفية وحساسية الأنف.. قلبي معهم بجد فمنهم من تلغي لديه تلك المنطقة تماما ويلجأ إلي استبدالها بأخري تايواني.. ليست كالأصلية بالطبع فتخرج الحروف من غير مخارجها مسببة حرجا جما.. وربما مشاكل أيضا.. وقد تتعطل لغة الكلام لديهم كلية ويلجأ بعضهم إلي لغة الإشارة.. كما كانت صديقتي مدرسة اللغة الإنجليزية الجميلة.. والتي سافرت لبلاد الفرنجة عروسا قبل أشهر لتعمر بيتا جديدا.. كنت أتندر عليها وكانت ترد بصوت ضائع كله As Possible as get علها الآن أفضل حالا بعيدا عما كانت تعده أسوأ المنغصات!
لم يقتصر تنغيص جو الربيع الفظيع علي البشر وحدهم.. ولكنه امتد ليشمل الحيوان أيضا.. حيث تكثر في بيئته الأمراض الطفيلية.. والتي لها إمكانية الانتقال من الحيوان للإنسان سواء من الحيوان نفسه.. أم عن طريق الألبان ومنتجاتها.. كما لم يسلم النبات هو الآخر من تنغيص سيادته.. حيث يؤثر علي عمليتي النمو الخضري والتمثيل الضوئي حال تراكم الأتربة والرمال علي المجموع الخضري للنبات.. فضلا عن اقتلاع النباتات بالجملة وسقوط النوار الذي يخرج منه الثمر وقت العواصف وهي شبه دائمة.. علاوة علي كل ذلك فإن هذا الجو غير المستقر يجعل مهمة الأرصاد الفلكية من الصعوبة.. بمكان نظرا لعدم شفافية الحكومة- عفوا الجو- وتقلبه السريع.. وربما السريع جدا لعدة مرات حتي خلال اليوم الواحد في هذه الفترة الانتقالية ما بين الشتاء والصيف.. والمسماة جغرافيا بفصل الربيع.
النظافة الشخصية وتجنب التعرض للأبخرة والدخان.. وعدم الخروج فجأة من جو حار إلي بارد وارتداء الملابس المناسبة.. واستعمال النظارات الشمسية.. والإكثار من تناول الخضراوات الطازجة والفواكه.. هي أهم النصائح التي يمكن اتباعها للحد من أضرار ومخاطر هذا الضيف الرذل.. وقبل كل ذلك نرفع أكف الضراعة إلي الله أن ينجينا من الربيع وبلاويه واللي بيجري فيه!!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق