الثلاثاء، 10 مارس 2009

يوم عادى جداً - قصة قصيرة



حالة من الطوارىء تعم المدينة الصغيرة.. تألق على غير العادة .. لغط لا تكاد تتبينه الآذان.. وما يلبث أن يتحول إلى ضجيج وصخب.. فجأة يهدأ الجميع فلا يُسمع إلا همساً...
باقات لا تحصى من الورود والزهور.. عشرات الآلاف من الجنيهات فى صورة زخارف وزينات.. آلاف آخرى كثيرة من الأطفال فى مراحل التعليم المختلفة.. ومثلهم أو يزيد من المدرسين والموظفين.. مصطفون من الفجرية على جانبى الطريق.. حاملين بادجات خاصة بالجهات التى ينتمون إليها...
كل ذلك جعل خطى " علا" طالبة الفنون الجميلة تتثاقل كثيراً.. لم تعد قضيتها الأولى الآن هى الوصول إلى كليتها.. كما هى قضيتها الأساسية منذ أكثر من عامين.. حال خروجها من البيت فى هذا الوقت...
جالت عيناها مرتابة بين جموع المحتشدين على جانبى الطريق.. وهى تحاول استقراء السبب دون جدوى...
" ترى ماذا يجرى الآن أيها الطيبون المصلوبون على الأرصفة" همست فى نفسها مندهشة..
وتهيأ لها الناس وكأنهم دمى مزركشة.. أو ربما أعمدة مبهرجة.. أو أشرطة ملونة تزين جانبى الطريق...
دارت يمينا ويساراً.. وعيناها مازالت تجوس خلال الجموع الغفيرة بنفس الدهشة.. ونفس اللاجدوى...
دفعها الفضول إلى استرجاع كل المناسبات التى يحويها ذهنها.. وتكتظ بها ذاكرتها .. فلم تتصادف مع هذا اليوم إحداها على الاطلاق...
يوم عادى جداً .. مثل الغالبية العظمى من الأيام.. لاتميزه أية مناسبة.. ولا يزيد عن كونه يوما مرهقاً.. يضيف إلينا المزيد من العناء.. ويطيح بلبنة جديدة من صرح العمر...
" ما مناسبة هذا الكرنفال إذن؟!" تعود وتهمس فى نفسها من جديد...
ليس تشييع جنازة بالطبع.. فالجميع فرح مرح..راسماً ابتسامة عريضة جداً على الشفاه..وهذه الألوان الزاهية المتباينة...
ربما هو أحد السباقات الرياضية.. ماراثون مثلاً؟! وهؤلاء المصطفون هم المتسابقون.. فقط ينتظرون صيحة البداية.. قد يكون بالفعل...
" لا.. لا.. فمركز الشباب بالمدينة ليس بهذا التطور .. حتى يتسع أفق القائمين عليه لمثل هذه السباقات" قالت فى نفسها وهى تتذكر يوم ان ذهبت إلى هناك يحدوها الأمل.. مفعمة بالحماس.. لعرض فكرة تكوين فريق فتيات لكرة اليد...
" فريق بنات إيه.. وكرة يد إيه يا آنسة.. هو فيه أصلاً فريق للولاد.. ولا فيه مكان أو ميزانية للكلام الفارغ ده .. انت فاكرانا فى نادى الزمالك ولا نادى الجزيرة؟" مازالت كلمات مدير المركز الجهول تدوى فى أذنها...
" إنسان بهذا الجمود لا يتسع أفقه لأكثر من دفتر الحضور والانصراف.. صح النوم يا آنسة علا!" حدثت نفسها فى صمت...
" هو فيه إيه النهارده؟!" قررت أخيراً الخروج عن صمتها متسائلة.. وفى استنكار كبير التفت إليها أكثر من عشرين شخصاً متطوعين بالإجابة.. وكأنها أجرمت حين ألقت بسؤالها هذا خارج حنجرتها.. أو أنها قد كشفت به عن جهلها العميق..فكان ولابد أن تكون على دراية بمناسبة اليوم.. بل وتكون ضمن المصطفين على جانبى الطريق.. ولكنهم على اية حال أخبروها أن مسئولاً كبيراً سيزور المدينة اليوم...
" مستحيل!! مستحيل!!" قالتها فى شبه صياح .. لقد ظنت أن الناس تجاوزت هذه الخزعبلات منذ زمن...
" أهٍ يابلادى .. ضيعك أهلك بجهلهم.. أى بروتوكول هذا الذى ابتكره هؤلاء.. أى رقيب سمح لهم بإهدار كل هذه الأموال..أى عاقل يرضى بهذا السفه؟!" أردفت بنبرة أشبه باليأس من انصلاح أحوال بلد هؤلاء أفراد شعبه...
" لقد أخطأتم فهم الآية ياقوم.. فليس هذا اليوم المجموع له الناس" تمتمت وهى تهم بالانصراف إلى حال سبيلها...
دارت عيناها فى كل اتجاه.. تبحث عن وسيلة مواصلات واحدة.. تنقلها إلى كليتها فلم تجد.. وبعد السبع دوخات أخبرتها مجموعة أخرى من المتطوعين.. وما أكثرهم فى هذا اليوم.. بأنه لا أمل فى العثور على ضالتها إذا ما بقيت بمكانها ولو ألف عام...
لمَ يا قوم؟ السبب بسيط .. لقد تم إخلاء الموقف بوسط المدينة..إلى أين؟ لا أحد يدرى.. ربما إلى أحد أطراف المدينة.. أو إلى لا مكان.. فلا أحد يهتم...
" ما هذا العذاب يارب.. الزيارة دقائق معدودة.. والخسائر كبيرة.. وأيضاً تعطيل مصالح الناس..والمصيبة الحقيقية انه قد لا يأتى المسئول اليوم.. ويتكرر هذا الغباء مرات ومرات!" تمتمت وهى تحاول الاهتداء إلى وسيلة مواصلات.. ترحمها من هذا العبث.. الذى يتجسد أمام عينيها الآن.. ومن سخافة القائمين عليه...
تاهت بين نفر من البشر.. شغلتهم مصالحهم وهموم المعيشة.. عن الترحيب أو الفرجة.. فتكدسوا فى مدخل المدينة بحثاً عن أية وسيلة والسلام.. حتى ولو كانت عربة نقل الموتى...
ألهبت شمس أواخر نيسان جسدها النحيل بسياطها الحامية.. فاشتعلت وحنتاها .. وتفصد العرق من جبينها... زفرت غيظها ساخطة على هذه المسرحية الهزلية...
" قم يا والدى.. فليس ثمة أمل فى الذهاب إلى أشغالنا اليوم..الله يجازى الأغبياء!" قالت وهى تلتفت عن يسارها لتمسك بيد العجوز الذى أجلسته منذ ساعة أو اثنتين على صخرة مجاورة.. بعد أن خارت قواه وعجز عن تحمل الوقوف...
" يفعل الله ما يريد" همهم العجوز وهو يحاول الامساك بعصاه فى وهن وعناء.. تغيب أنفاسه وتجىء مع كل كلمة.. موكداً أنه لم يعد فى العمر أكثر مما مضى .. حينما تذكر أنهم فى التأمين الصحى لن يصرفوا له العلاج إذا تخلف اليوم.. الدواء يسكن آلامه.. ولكن ما عساه ان يفعل.. كله بأمره...
مضت عائدة.. تاركة وراءها كماً من الغليان فى صدور الناس.. على أعتاب المدينة.. يكفى للزج بهم إلى حيز الجنون.. عالقة ببصرها صورة ذلك المسن.. الذى يحكى وهنه قصة كفاح دامت عشرات السنين.. وينمّ عن ما يرعى بجسده من أمراض...
يطن بأذنها على امتداد الطريق.. صوت ذلك الرجل الذى يحمل حقيبة معينة.. ويرتدى زياً رسمياً متكاملاً رغم الجو الخانق هذا الصباح منذ ساعاته الأولى.. وهو يصيح فى كل اتجاه.. لدى محكمة يا ناس.. الجلسة بدأت يا عالم .. سيارتى .. الحادثة .. الميكانيكى .. يا خلق هوووووه....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق