الأحد، 8 مارس 2009

ملائكة الزمن الردىء - قصة قصيرة


تشتد برودة الأيام.. ومرارة الحياة.. تتكاثف تلال الجليد.. فوق عمرها العام تلو الآخر.. بيد أنها تحاول تعاطى الحياة على علاتها.. فى هذا الزمن الردىء...
صامدة هى كدردارة عتيقة حين تناوشها الرياح العاتية.. تحمل قلباً ذبيحاً..على نصب الذكرى.. والزمان الجميل...
يعلو صياح الطفل شيئاً فشيئاً..تسمعه منذ أول صيحة.. حيث لم تحجب صيحاته المتتالية تلك البرودة .. ولا ذلك الجليد المتكاثف على أيامها.. وكيف تغفل عن أجمل شىء يخصها فى هذا الزمان الردىء؟!
غير أنها تقصد التباطؤ فى كل مرة.. ربما لتؤكد لنفسها أنه بالفعل صياح طفل.. غير الذين عشقتهم داخل البراويز المزخرفة.. طفل حى .. ينبض.. يصيح.. يصرخ...
طفل حقيقى فى عالمها.. يملأ عليها دنياها.. بل وطفلها هى.. يخصها وحدها دون البشر..حقيقة لم تزل لا تصدقها..حلم طالما لاح لخيالها.. احساس رائع طالما خامرها فى الزمان الجميل.. البعيد...
عشقت كل أطفال العالم..هدهدت.. داعبت.. أهدت لعباً.. قبلت بعمق..ذابت فى ضمة طفولية ليس لاحساسها وصف ولا لطعمها...
يستفز الطفل تباطؤ الأم .. وهدهدة سريره الهزاز كلما ركله معتاظاً.. طفل عنيد مثل أمه تماماً.. يتحول الصياح العالى شبه الزائف.. إلى صراخ عصبى وجلبة لا تطاق...
تسرع الأم التى تخطو حثيثاً نحو نهاية عقدها الرابع.. إلى ذلك الطفل العنيد.. القابع فى سريره الهزاز...
" ماما جاية حالاً يا ملاكى الصغير" تطمئنه الأم برفع صوتها وهى فى طريقها إليه...
"ملاكى الصغير" تردد مرات .. ثم تلتقط الطفل من مخدعه...
" جاف أنت لازلت.. ولست جائعاً بالطبع" تهمس وهى تضمه بقوة...
" أهٍ منك يا ملاكى الصغير" تردف مداعبة...
" ملاكى الصغير" تردد مرات.. ثم تبحر فى عيون الطفل الصافية.. تكتشف للمرة الأولى أن بعينيه كل هذا المكر البرىء.. اللذيذ...
" دموع التماسيح يا ملاكى الصغير" تتمتم مبتسمة...
" ملاكى الصغير" تردد مرات.. وهى تحاول اقتلاع عينيها من تلك الدائرة الخضراء الساحرة.. التى تتوسط حدقتيه...
" فاتنة تلك العينان الخضراوان" تهمس دون أن تدرى...
" بسم الله.. ما شاء الله.. ولاقوة إلا بالله.. ومن شر حاسد إذا حسد" تتمتم مسرعة.. وهى تجذب عينيها بقوة من عينى الطفل.. وكأنها خشيت عليه من نفسها.. هى؟!
" حفظك الله يا ملاكى الصغير" تضرع إلى الله .. وتطرد مخاوفها.. وتدرأ سوء ظنها وتخيلاتها المريبة المزعجة بالدعاء والرجاء...
" ملاكى الصغير" تردد مرات.. بعد أن استعادت أنفاسها الهاربة هلعاً على صغيرها.. وسلواها فى هذا الزمان الردىء...
جعلت تملس على وجه وجسد الصغير.. يميل جسدها به يمنة ويسرة.. فى حركة لاإرادية.. تبعث على الاسترخاء والراحة...
يسكن الطفل تماماً فى حضنها.. ترتخى رموشه الطويلة الكحيلة.. لتحجب ذاك السحر البديع الساكن عينيه.. تتأمل وجهه الأبيض النضير الذى صار قانياً بعد هذا الصراخ العالى منذ قليل.. ثم وردياً رائعاً حين هدأ وكف عن العناد...
تضغطه إلى صدرها أكثر..تقبل هذه الكتلة من البراءة قطعة قطعة.. تدغدغ مؤخرة رأسه بأسنانها...
" ياااة .. أخيراً أتيت يا ملاكى الصغير" تشتد ضغطتها دون أن تدرى...
" ملاكى الصغير" تردد مرات وهى تتأمل ملامح الصغير الدقيقة بين يديها.. وتأبى كعادتها أن تعيده إلى سريره...
تعصر شفتى الطفل القرمزيتين بين شفتيها حين يبتسم فى نومه.. يصرخ مفزوعاً .. تتنبه فجأة.. تتوعد حماقتها بالعقاب الرادع حال ينام الطفل...
وبسرعة البرق يغط الطفل فى نومه العميق لحظة ان تهدهده.. وتضمه إلى دفء حضنها الذى لا يقاوم...
" مجنونة بك أنا.. معذرةً يا ملاكى الصغير" تهمس شاردة...
" ملاكى الصغير" تردد مرات وهى تكاد تأكله بنظراتها...
تشرد طويلاً فى عوالم غريبة.. تغوص فى أعماق الذكريات البعيدة.. تبتسم.. تلمع العبرات فى مقلتيها..تغمض عينيها حتى لا تهرب الذكرى.. وتتوه فى دوامة الأيام الجليدية والزمان الردىء...
" نمت يا ملاكى الصغير" وحينما لا يأتيها الجواب.. تسرع تريح رأسه بخفة.. وتطبع قبلتها الحانية على جبينه.. وبخفة أشد ترفع أطراف أصابعها التى تجوس خلال شعره الكستنائى الكثيف.. وتداعب خصلاته الناعمة...
تتحسس ملامحة الجميلة.. ثم تطوق وجهه بذراعيها.. وهو يجوب فى نومه آفاق بعيدة.. تسمع للهواء الداخل إلى صدره والخارج منه.. حفيف أفرع غضة لنبته طفلة.. داعبها نسيم العصارى فى يوم صيفى لطيف...
يبتسم كطفل داعبته الملائكة خلال نومه.. كأنما عثر فى حلمه على قاربه القديم.. الذى حطمته الأمواج فى خضم الحياة...
تموج عيناها دون أن تدرك.. تتساقط حبات الدموع على خديها.. تتدحرج على جبينه دمعة.. ترتفع رموشه الطويلة المصبوغة بكحل ربانى بديع.. لتكشف عن عينين بنيتين نجلاوين.. تبتسم مقلتاه الناعستان.. تجدد لعينيها الماطرة الوعد بالتوحد مدى الحياة.. بل وبعد الحياة.. فتشرق بهما شمس الأمل من جديد...
" ترى منذ متى استيقظت يا ملاكى الصغير؟!" تفرك عينيها.. تدقق النظر فى تلك العينين الخضراوين الساحرتين.. تحتضن الطفل ذائبة فى الحنين...
" ملاكى الصغير" تردد مرات وهى تمسح دموعها الغزيرة التى أغرقت وجه الصغير.. وتدفنه فى حضنها.. بعيداً عن تلال الجليد والزمان الردىء...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق