فى أروقة المبنى الحكومى الضخم بدا حائراً.. يدور من مكتب إلى مكتب.. يحمل كماً كبيراً من الأوراق...
أثقل كاهله ما يربو على السبعين عاما..تكسو وجهه صُفرة لا تُخطئ سببها عين ناظر.. كلت عصاه من الاتكاء عليها جيئة وذهابا...
انتهى به المطاف فى مكتب المسئول الأول فى هذا المكان.. وأمام مدير المكتب وقف مرهقاً.. نفض عن نفسه المهمومة غبار اليأس.. همهم قائلاً " يا ترى أقدر أقابل الريس النهارده؟"
- الريس مشغول يا حاج
- يا بنى ألف مرة آجى وتقولوا...
"قلت بكره.. بكره" ارتفع صوت الموظف مقاطعاً .. مزلزلاً كيان الشيخ...
عز على العجوز ضعفه .. وهوانه على الناس.. حاول التماسك...
" هو بكره ده ما بيجيش عندكم أبداً" خرج عن وهنه قائلاً...
نظر إليه الموظف ذو الصوت الصائح شزراً.. ثم انبرى يقلب فى أوراق كثيرة.. أمامه على المكتب .. دون أن ينبس بكلمة...
لملم الشيخ وهنه.. وخيبة أمله.. تحسس عصاه.. ومضى يتلمس طريقه وسط الطرقة الطويلة..المفروشة بشريط من السجاد الأحمر...
شعر العجوز بحسرة كبيرة .. شلت حركته.. جعل يستحث قواه الخائرة أن تصمد فى وجه هذا الزمان الردىء.. الذى هان فيه كل شىء.. حتى الشيبة والوقار...
تقاطر الدمع من عينيه دون أن يدرى .. ارتكن إلى حائط إلى جواره يكفكف دمعاته العزيزات...
" فيه حاجة يا والدى" قالت وهى تربت على ظهره.. وقد لمعت عيناها بالعبرات لبكاء الشيخ...
رفع العجوز طرفه بليلاً من أثر الدموع هامسً فى اختناق " هه؟ لا .. ولا حاجة يابنتى" ثم لاذ بالصمت المطلق...
- تعالى معايا
- اتفضلى انتى يابنتى.. انا مروح على طول.
كانت قد فشلت كالعادة فى كبح جماح دموعها .. فانبجست مؤازرة للعجوز رغماً عنها.. التفتت تجفهها بمنديلها الورقى...
شىء فطرى فى تكوينها.. كل شىء يهون عليها مهما كان.. إلا دمعة واحدة تسقط من عين شيخ...
ابتسمت تخفى حزنها الجم.. أسرعت تصحبه حثيثاً إلى مكتب العلاقات العامة...
جلست إلى جواره شاردة.. لم تستطع أن تزيح عن مخيلتها تلك الصورة المؤلمة..التى علقت بناظريها منذ قليل.. صوره هذا الشيخ.. ودمعه الغالى...
شىء قاس.. يحز فى نفسها.. يؤلمها كثيراً.. لو أن الأمر بيدها لحاكمت فوراً ذلك الغبى .. الذى تسبب فى هذا المشهد الأليم .. وستفعل...
" ربنا يريح قلبك يابنتى.. أمشى انا بقى" قال العجوز بعد أن أراح جسده المنهك .. على أحد المقاعد الوثيرة فترة.. وشرب عصير الليمون الذى طلبته له...
همًّ بالقيام مربتاً على كفها الساكنة على حافة المقعد.. فتنبهت إليه فجأة .. وكأنها كانت قد نسيت وجوده من شدة شرودها ...
- لسة ما اتكلمناش يا والدى.. فهمنى حكايتك إيه؟
- لزمته إيه بس أدوش دماغك بحكايتى.. كتر خيرك لحد كده يابنتى
- ابدا.. بالعكس...
وتذكرت أنها لم تعرفه بنفسها بعد.. فابتسمت بود قائلة " مودة عبد الرحمن.. صحفية" .. وأردفت بنفس الود " سأوصل صوتك لمن تريد.. فأنا هنا لمساعدتك ياوالدى"
"مودة!" ردد العجوز الاسم متأثراً ومندهشاً فى الوقت ذاته...
" اسم غريب .. صح؟" بادرته متضامنة...
- لكنه جميل.. فيه راحة.. ومعانى كتير اختفت من زمانا ده خلاص!
- الخير فى الدنيا إلى يوم القيامة يا والدى.
- ربنا يديكى على قد نيتك.. وقلبك الطيب ده يا أستاذة
" إيه استاذة دى بقى.. بنتى أحسن بكتير" نظرت إليه معاتبة...
- بس انا راجل غلبان.. على قد حالى...
- وانا يشرفنى انك تكون والدى
- الله يكرمك يابنتى
- اهو كدا.. تمام.. حكايتك إيه بقى يا والدى؟
تنهد العجوز بعمق.. كأنه يجتر سنوات عمره الكثيرة جداًَ...
- اسمى سعد السيد سليمان.. وشهرتى سعد اليتيم...
- سعد اليتيم!
- سمونى كده عشان اتربيت يتيم.. زى الحكاية الشعبية المعروفة...
بدا لها من خلال كلام العجوز.. وهو يسرد قصته.. أن الحياة علَّمته وعرَّفته.. مالم يُتح لكثير من الناس معرفته.. فكلامه مرتب.. فيه كثير من الحكمة والثقافة.. المستمدة من الخبرة الطويلة والتجارب الجمة...
كافح منذ نعومة أظفاره.. عانى كثيراً فى حياته.. حتى استقرت به الحال بائع جرائد.. فى عشة من البوص.. فى ركن قصى على أطراف ضفة نيل المدينة الصغيرة.. بناها على مراحل...
خمسون عاماً على تلك الحال.. عاصر خلالها عشرات المسئولين.. عرفوه كلهم وكانوا يلقون إليه السلام ويحيونه أثتاء مرورهم.. عده الناس من معالم المنطقة.. لم يحدث مرة أن طالب أحد بإزالة هذه العشة التى سترته وزوجته طوال كل هذه السنين...
صحيح لم يرزقه الله بالأولاد.. لكن الجميع فى المنطقة يعتبرونه أباً لهم .. وهو يعدهم جميعاً أولاده وأحفاده.. ويفخر دائماً بأن له أبناء كثيرين.. تربوا على يديه وبثهم خبرته وثقافته.. منهم الطبيب والمهندس والأديب والشاعر...
منذ شهرين.. فجأة ودون سابق إنذار..جاءت لجنة من الاسكان وقوة من الشرطة.. وهدموا العشة...
" هدموها فى غيابى.. ولو كنت موجودا وقتها لمت بداخلها.. ولا انى أمد ايدى فى أواخر أيامى" هكذا ختم كلامه مختنقاً بالبكاء...
خيم صمت هش على جو الحديث .. التقط فيه العجوز بعض أنفاسه.. ثم عاود يقول " ومن يومها وأنا بآجى كل يوم عشان اقابل الريس .. ويقولولى مشغول"
- وعايش فين دلوقت؟
- فى نفس المكان اللى فيه عمرى كله وذكرياتى.. ما اقدرش أعيش بعيد عنه.. ولا اموت غيرفيه...
- ربنا يعطيك العمر الطويل ياوالدى
لاحت على شفتى العجوز ابتسامة بائسة.. ثم همس بنبرة راضية بقضاء الله " العمر الطويل لك انت واللى فى سنك.. أما انا يابنتى دى أيام بقضيها ..أنا خلاص كبرت.. وكمان مرضى مفيش منه شفا"...
عادت العبرات تلمع فى عينيها.. وهى تربت على كتف الشيخ البائس.. بينما هربت منها كل كلمات المواساة.. التى ممكن أن تقال فى مثل هذه المواقف...
- ماتزعليش نفسك يا بنتى .. هية دى الدنيا
- اطمئن ياوالدى.. كل شىء هيرجع زى الأول وأحسن.. أوعدك...
فى تلك اللحظة كانت قد حددت تماماً ما يجب عليها فعله.. وأسرعت تمسك بيد الشيخ لتعينه على الوقوف.. وقد طفت على سطح ذاكرتها دون ترتيب.. تلك القصة الشهيرة للفاروق عمر مع الشيخ الضرير.
أثقل كاهله ما يربو على السبعين عاما..تكسو وجهه صُفرة لا تُخطئ سببها عين ناظر.. كلت عصاه من الاتكاء عليها جيئة وذهابا...
انتهى به المطاف فى مكتب المسئول الأول فى هذا المكان.. وأمام مدير المكتب وقف مرهقاً.. نفض عن نفسه المهمومة غبار اليأس.. همهم قائلاً " يا ترى أقدر أقابل الريس النهارده؟"
- الريس مشغول يا حاج
- يا بنى ألف مرة آجى وتقولوا...
"قلت بكره.. بكره" ارتفع صوت الموظف مقاطعاً .. مزلزلاً كيان الشيخ...
عز على العجوز ضعفه .. وهوانه على الناس.. حاول التماسك...
" هو بكره ده ما بيجيش عندكم أبداً" خرج عن وهنه قائلاً...
نظر إليه الموظف ذو الصوت الصائح شزراً.. ثم انبرى يقلب فى أوراق كثيرة.. أمامه على المكتب .. دون أن ينبس بكلمة...
لملم الشيخ وهنه.. وخيبة أمله.. تحسس عصاه.. ومضى يتلمس طريقه وسط الطرقة الطويلة..المفروشة بشريط من السجاد الأحمر...
شعر العجوز بحسرة كبيرة .. شلت حركته.. جعل يستحث قواه الخائرة أن تصمد فى وجه هذا الزمان الردىء.. الذى هان فيه كل شىء.. حتى الشيبة والوقار...
تقاطر الدمع من عينيه دون أن يدرى .. ارتكن إلى حائط إلى جواره يكفكف دمعاته العزيزات...
" فيه حاجة يا والدى" قالت وهى تربت على ظهره.. وقد لمعت عيناها بالعبرات لبكاء الشيخ...
رفع العجوز طرفه بليلاً من أثر الدموع هامسً فى اختناق " هه؟ لا .. ولا حاجة يابنتى" ثم لاذ بالصمت المطلق...
- تعالى معايا
- اتفضلى انتى يابنتى.. انا مروح على طول.
كانت قد فشلت كالعادة فى كبح جماح دموعها .. فانبجست مؤازرة للعجوز رغماً عنها.. التفتت تجفهها بمنديلها الورقى...
شىء فطرى فى تكوينها.. كل شىء يهون عليها مهما كان.. إلا دمعة واحدة تسقط من عين شيخ...
ابتسمت تخفى حزنها الجم.. أسرعت تصحبه حثيثاً إلى مكتب العلاقات العامة...
جلست إلى جواره شاردة.. لم تستطع أن تزيح عن مخيلتها تلك الصورة المؤلمة..التى علقت بناظريها منذ قليل.. صوره هذا الشيخ.. ودمعه الغالى...
شىء قاس.. يحز فى نفسها.. يؤلمها كثيراً.. لو أن الأمر بيدها لحاكمت فوراً ذلك الغبى .. الذى تسبب فى هذا المشهد الأليم .. وستفعل...
" ربنا يريح قلبك يابنتى.. أمشى انا بقى" قال العجوز بعد أن أراح جسده المنهك .. على أحد المقاعد الوثيرة فترة.. وشرب عصير الليمون الذى طلبته له...
همًّ بالقيام مربتاً على كفها الساكنة على حافة المقعد.. فتنبهت إليه فجأة .. وكأنها كانت قد نسيت وجوده من شدة شرودها ...
- لسة ما اتكلمناش يا والدى.. فهمنى حكايتك إيه؟
- لزمته إيه بس أدوش دماغك بحكايتى.. كتر خيرك لحد كده يابنتى
- ابدا.. بالعكس...
وتذكرت أنها لم تعرفه بنفسها بعد.. فابتسمت بود قائلة " مودة عبد الرحمن.. صحفية" .. وأردفت بنفس الود " سأوصل صوتك لمن تريد.. فأنا هنا لمساعدتك ياوالدى"
"مودة!" ردد العجوز الاسم متأثراً ومندهشاً فى الوقت ذاته...
" اسم غريب .. صح؟" بادرته متضامنة...
- لكنه جميل.. فيه راحة.. ومعانى كتير اختفت من زمانا ده خلاص!
- الخير فى الدنيا إلى يوم القيامة يا والدى.
- ربنا يديكى على قد نيتك.. وقلبك الطيب ده يا أستاذة
" إيه استاذة دى بقى.. بنتى أحسن بكتير" نظرت إليه معاتبة...
- بس انا راجل غلبان.. على قد حالى...
- وانا يشرفنى انك تكون والدى
- الله يكرمك يابنتى
- اهو كدا.. تمام.. حكايتك إيه بقى يا والدى؟
تنهد العجوز بعمق.. كأنه يجتر سنوات عمره الكثيرة جداًَ...
- اسمى سعد السيد سليمان.. وشهرتى سعد اليتيم...
- سعد اليتيم!
- سمونى كده عشان اتربيت يتيم.. زى الحكاية الشعبية المعروفة...
بدا لها من خلال كلام العجوز.. وهو يسرد قصته.. أن الحياة علَّمته وعرَّفته.. مالم يُتح لكثير من الناس معرفته.. فكلامه مرتب.. فيه كثير من الحكمة والثقافة.. المستمدة من الخبرة الطويلة والتجارب الجمة...
كافح منذ نعومة أظفاره.. عانى كثيراً فى حياته.. حتى استقرت به الحال بائع جرائد.. فى عشة من البوص.. فى ركن قصى على أطراف ضفة نيل المدينة الصغيرة.. بناها على مراحل...
خمسون عاماً على تلك الحال.. عاصر خلالها عشرات المسئولين.. عرفوه كلهم وكانوا يلقون إليه السلام ويحيونه أثتاء مرورهم.. عده الناس من معالم المنطقة.. لم يحدث مرة أن طالب أحد بإزالة هذه العشة التى سترته وزوجته طوال كل هذه السنين...
صحيح لم يرزقه الله بالأولاد.. لكن الجميع فى المنطقة يعتبرونه أباً لهم .. وهو يعدهم جميعاً أولاده وأحفاده.. ويفخر دائماً بأن له أبناء كثيرين.. تربوا على يديه وبثهم خبرته وثقافته.. منهم الطبيب والمهندس والأديب والشاعر...
منذ شهرين.. فجأة ودون سابق إنذار..جاءت لجنة من الاسكان وقوة من الشرطة.. وهدموا العشة...
" هدموها فى غيابى.. ولو كنت موجودا وقتها لمت بداخلها.. ولا انى أمد ايدى فى أواخر أيامى" هكذا ختم كلامه مختنقاً بالبكاء...
خيم صمت هش على جو الحديث .. التقط فيه العجوز بعض أنفاسه.. ثم عاود يقول " ومن يومها وأنا بآجى كل يوم عشان اقابل الريس .. ويقولولى مشغول"
- وعايش فين دلوقت؟
- فى نفس المكان اللى فيه عمرى كله وذكرياتى.. ما اقدرش أعيش بعيد عنه.. ولا اموت غيرفيه...
- ربنا يعطيك العمر الطويل ياوالدى
لاحت على شفتى العجوز ابتسامة بائسة.. ثم همس بنبرة راضية بقضاء الله " العمر الطويل لك انت واللى فى سنك.. أما انا يابنتى دى أيام بقضيها ..أنا خلاص كبرت.. وكمان مرضى مفيش منه شفا"...
عادت العبرات تلمع فى عينيها.. وهى تربت على كتف الشيخ البائس.. بينما هربت منها كل كلمات المواساة.. التى ممكن أن تقال فى مثل هذه المواقف...
- ماتزعليش نفسك يا بنتى .. هية دى الدنيا
- اطمئن ياوالدى.. كل شىء هيرجع زى الأول وأحسن.. أوعدك...
فى تلك اللحظة كانت قد حددت تماماً ما يجب عليها فعله.. وأسرعت تمسك بيد الشيخ لتعينه على الوقوف.. وقد طفت على سطح ذاكرتها دون ترتيب.. تلك القصة الشهيرة للفاروق عمر مع الشيخ الضرير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق