الاثنين، 9 مارس 2009

أحزان الشتاء - قصة قصيرة


فى لحظة شرود ناداها الشوق.. لملمت عبراتها وأفكارها المارقة...
نفضت عن ذاكرتها غبار البعد .. قررت السفر...
حملت حقيبتها وحصاد أيام مريرة.. طويت فى البعد.. استقلت القطار وقلبها يكاد يطير شوقاً إليه.. أراحت رأسها إلى النافذة.. شخص بصرها إلى لاشىء...
وبسرعة البرق عادت إلى البداية.. أخذ القطار يهدر على القضبان.. ويمضى معه شريط الذكريات...
كانت صغيرة جدأ يوم أن رأته أول مرة.. تركت الأيدى المتشبثة بها بإحكام.. أسرعت إليه منبهرة...
كأن شيئاً خفياً يشدها نحوه.. يجذبها بقوة لا تسطيع مقاومتها.. وقفت بين يديه ترمقه باستغراب ودهشة.. بهرها شموخة...
شعرت بضآلتها إلى جواره.. حيرها صمته وتجاهله عبث الدنيا .. وتقلبات الأيام.. شدها هدوءه رغم صخب الموجودين.. أسرها عطاؤه بلاحدود.. دون انتظار المقابل أو حتى كلمة شكر.. وفاؤه العظيم..
عشقت فيه كل هذه الصفات الفطرية فى تكوينها...
وصل الارتباط بينهما إلى حد التوحد.. كانت تزوره على فترات متباعدة نسبياً.. لكنها كانت تحيا على الذكريات أيام البعد...
كانت تغفر له دوماً عدم مبادرته بزيارتها.. مشغول هو دائما.. إلا أنه لم ينسها رغم البعد.. دام يبعث لها برسائله مع الغروب.. يهديها نسمات رقيقة حانية.. تهمس برفق حولها أنها لها وحدها دون البشر.. تداعب قسمات وجهها البائس فتنبسط مرحاً.. كانت تذوب حنيناً عندما تشتد الرياح سرعة.. حاملة لها بعضاً يخصه...
وتمر الأيام لتزداد كثافة الصفحات فى سجل العمر.. وكل لقاء يضيف إلى توحدها فيه عمقاً أبعد وبعداً أعمق...
ما زال القطار يمضى مجتراً معه الذكريات.. توقفت بكل محطة من محطات العمر.. غير أنها أطال الوقوف فى هذه المحطة الأخيرة...
يوليو الماضى.. كانت أطول وأروع زيارة.. جابا فيها كل الأماكن.. ضحكا.. لعبا .. بكيا.. باحا بأسرار تراكمت على مر السنين...
جلسا يتهامسان طويلاً تحت القمر.. بعيداً عن أعين النهار وسخافات البشر ..استرقا من الدهر أرق الصدف وأروع اللقاءات.. نقشا على وجه الكون كلمات وردية.. يخلو منها قاموس الأيام.. تبادلا أعذب الأشعار وأرق الحكايات...
وآن الرحيل.. وكان الوداع.. وصار الألم والعذاب.. وباتت الذكرى هى كل العزاء.. عاشا على أمل اللقاء.. يتبادلان الشوق على طريقتهما .. يلتقيان بالخيال مع كل غروب...
فجأة توقف القطار معلناً نهاية الرحلة مع نهاية الشريط.. وفى محطة الوصول.. ينبه القلب.. تضطرب احاسيس.. ترتعد مشاعر...
ما أجمل الأسكندرية.. عشقها الأكبر..وملاذها ما ضاق بها صدرالكون.. تجوب عيناها آفاق فردوسها فى عجالة.. تخترق نظرتها المدى.. تومىء للحبيب تخبره بوصولها...
يسمعه القلب يئن من خلف الحجب.. ينخلع من مكانه..ما بال الحبيب؟!
غاضب هو جداً.. تكاد ثورته تدك الأرض...
التقت عيناهما.. وافق حزنها حزنه..انسكب الدمع من كليهما .. امتزج.. امتص هدؤوها غضبه.. يهدأ قليلاً...
تجلس بين يديه مثقلة بشكوى البشر واللاوفاء..تجد ما عنده يفوق ما عندها .. فتكتم ما بها من شكوى...
وحيد هو منسى فى غربته.. قد انشغل عنه من كان يظن أنهم أحباؤه وأصدقاؤه.. تناسى الجميع.. هجروا.. جحدوا...
" حتى من يشاركونى السكنى.. باتوا وقد أوصد الأبواب والنوافذ فى وجهى.. واحتجبوا طيلة الوقت" بلغت آلامها ذراها.. واستشعرت مُر الشكوى فى حلقها.. عندما ارتفع الموج .. مشيراً إلى أقرب الأقربين...

وافق دمعهما هوىً فى نفس سحابة مارة فشاركتهما البكاء...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق