الثلاثاء، 3 مارس 2009

الديك الدهب - قصة قصيرة


كانت الأرض السبخية تتقد تحت قدميها الصغيرة‏.. وحرارة الشمس القائظة تكاد تشعل بدنها النحيل‏..‏ بينما كان يضفي الصمت المريب علي المكان جوا أسطوريا مرعبا‏...
تتحسس الصغيرة الأرض الوعرة تحت قدميها بحذر فطري‏..‏ خوفا من أن تنزلق فجأة في إحدي الحفر.. المنتشرة علي امتداد التل الأثرى‏..‏.
يبدو شعرها الأشقر الخفيف شاحبا‏.. بينما تشتعل وجنتاها تحت أشعة الشمس المحرقة‏...‏يعلو وينخفض مستوى رأسها.. وتختفى لحظات كثيرة.. تبدو شبحا مرعبا وسط هذا المكان المهجور‏..‏ الذي نادرا ما يعبره أحد‏.. فقد كان الناس يرهبونه وينسبون إليه الخرافات والأساطير العجيبة‏‏ قالوا إنه مسكون بالعفاريت ذي العيون الحمر والقرون المدببة‏.. أكدوا أنهم رأوها رؤي العين ومنهم من أقسم علي ذلك‏.. وصفوا بعضها بالطويل جدا الذي يصل إلي قبة السماء‏.. وبعضها بالقصير جدا الذي لا يكاد يري‏.. وبعضها بالأسود الغطيس...‏
كانت الصغيرة مسكونة بحكايات الأجداد الجميلة‏.. التى تربت عليها الأجيال هناك فى القرية الدلتاوية البعيدة.. الواقعة على الحدود الشمالية للبلاد .. والتى كانت جزءاً من تل أثرى شاسع .. سمعت عن هؤلاء المحظوظين الذين عثروا علي كنوز الفراعين .. من مساخيط وعملات ذهبية وخلافه‏.. التى حفظتها لهم الأرض الطيبة من الزمن البائد‏.‏..
هناك في القرية الصغيرة عشقت حدوتة الديك الدهب.. الرابض شمال مقبرة القرية‏..‏ قبلى التل الأثري.. والذي لا يظهر إلا وقت الظهيرة‏..‏ لحظة تعامد الشمس علي الأرض تماما‏.. يخرج من بيته الحجري.. الكائن تحت الأرض بأمتار‏.. يقف علي كتلة صخرية كبيرة أعلي ذلك البيت‏..‏ يصيح صيحة واحدة فقط‏ ..‏ ثم يعود إلي مكمنه‏...
قالوا هو ديك ضخم من الذهب الخالص.. من يلمح هذا الديك المسحور ولو بطرف عينيه .. يسعد بقية حياته.. وتهبط عليه ثروة عظيمة من حيث لا يدري‏..‏ تمتد آثارها إلي أحفاد الأحفاد...
حاول الكثيرون أن يتربصوا به ليفوزا بتلك اللمحة لكنه كان يخيب رجاءهم...
وفى الخفاء تتسلل الصغيرة بحذر لتفوز وحدها دون سائر البشر برؤية الديك الدهب.. ويقينها أنه لن يخذلها وأنها ستراه يوما .. بل وتصبح صديقته.. هكذا سارت إليه فى كل مرة يحدوها الأمل...
تجمع في طريقها العملات البرونزية والنحاسية من العصور المختلفة.. دون أن تدري ماهية تلك القطع الصغيرة.. المزينة بنقوش غريبة‏.. تزيح بيدها الرقيقة التراب المتراكم علي الأواني الفخارية بحذر شديد حتي لا تنكسر‏.. تخرجها بحنو وعطف وتقدير من يعرف معني تلك الحضارة الكامنة تحت هذا التراب‏.. وقلبها الصغير عاجز عن احتواء سعادته‏.. تجلس مليا تتأمل تلك النقوش المنمنمة علي هذه الأواني‏.. حتي يخيل للرائى أنها تقرأها.. وتعرف جيدا ما تعنيه هذه الرسومات الغريبة‏...‏
عثرت ذات مرة فى التراب على تمثال صغير لأبى الهول .. يقرب وزنه من الكيلو جرام.. تحفة فنية وأثرية رائعة...
رفضت بشدة محاولة المساومة على بيعه من الرجل الذى يمر كل فترة.. ليشترى تلك الأشياء التى يعثر عليها الناس فى هذا التل السخى ...
أتى الرجل مراراً ورفضت هى على الدوام...
رجعت ذات مرة من رحلة التنقيب المعتادة لتجد أحد أطرافه قد كسرت.. جعلت تبكى دون انقطاع .. بينما لا تجد والدتها سبباً لهذا البكاء الحار..غير أنها قطعة من الحجر قد كسرت.. ويجب أن تكف عن هذا وإلا ضُربت بعنف...
مرت السنون.. وكبرت الصغيرة .. وكبر معها عشقها للتل الأثرى .. رغم انقطاع رحلاتها التنقيبية إليه.. منذ أن شبت عن الطوق " البنت قطعة من أثاث البيت" هكذا تقول أمها دائماً...
بدأت تسمع كلاماً كثيراً عن العيب .. والتقاليد.. والعرف.. منعتها أمها من الخروج نهائياً إلا إلى المدرسة فقط...
لم يرق قلب الأم مرة لتوسلات ابنتها بشأن هذا التل الأثرى .. بل مجرد ذكره كان يفجر بداخل الأم بركاناً من الغضب.. والرعب على ابنتها من ذلك المكان المخيف...
حتى أيام كانت صغيرة.. لم تتعد سنواتها الخمس.. عندما كانت تتسلل من خلفها وهى منهمكة فى أعمال البيت.. لم تكن الأم تطيق صبراً.. فتهرع مهرولة إلى هذه المساحة المخيفة من الأرض خلف القرية.. تنادى مذعورة على تلك الصغيرة المتعبة " لابد أننى سأجدك مقتولة فى هذه الخرابة يوما " تتمتم الأم وهى تمسك بيد الصغيرة لتخرجها من حفرة انزلقت قدمها داخلها...
سنوات طويلة مضت على هذه الذكريات.. المحببة إلى نفسها..أصبحت شابة الآن بالسنة الثانية بكلية الآثار.. لكنها تحن أبدا إلى تلك الأيام الخوالى.. قبل أن تحجب تلك البنايات الشامخة الرؤية.. ويختفى تحتها وخلفها التل الأثرى.. تعذرت الرؤية حتى من فوق سطح المنزل.. الذى ارتفع هو الآخر بمحاذاة تلك الكتل الخرسانية الضخمة .. التى غطت سطح التل عن آخره.. والتي تربض أسفلها الورش والمحلات وصالونات الحلاقة‏...
شىء ما يدعوها إلى البكاء.. للصراخ بأعلى صوت...
اليوم مليئة هى بتلك بالذكريات.. مشحونة بكمٍ لا يقاوم من الحنين.. يمرعمرها كشريط سينما أمام عينيها.. تود لو تهيم على وجهها خلال هذه الكتل الخرسانية الصماء.. تود لو تهشمها.. تدمرها.. لو تصرخ.. وتصرخ.. وتصرخ...
" لمِ كل هذا التعدى البشع على عصور.. وحضارة.. وخصوصية أناس لا يملكون الآن من أمرهم شيئاً.. لايقدرون على الدفاع عن حضارتهم المهدرة تحت هذه الجرافات والمعدات القاسية؟!".
عشق قديم لذاك التل الأثرى دفعها إلى الالتحاق بكلية الآثار.. نفس العشق القديم يدفعها الآن إلىلهذا الصراخ والانهيار.. للشجب .. للإدانة.. لأشياء عديدة.. تود لو ترتبها الآن فى فكرها .. لولا حالتها النفسية السيئة...
عرفت من خلال دراستها للآثار أن الذى أغرمت بأسطورته فى طفولتها.. ودامت تسمع حكايتة المسلية.. وباتت تحفظها عن ظهر قلب.. وترويها بلا ملل علي مر السنين‏..‏ اكتشفت أن تلك الحدوتة الجميلة ما هي إلا مجرد أسطورة‏.. لا يعلم حتي علي وجه التقريب من نسجها‏.. ولا أي عهد خرجت هي من رحمه‏.. غير أن الجميع يتعاطي تلك الأقصوصة الرائعة التي شكلت وجدان أجيال سابقة ورسمت تفاصيلها المتناغمة مشوار حياتهم‏...‏
فهذا الذي أغرمت به منذ نعومة أظفارها كان حماما رائعا من العصر الروماني.. وليس بيتاً للديك الدهب المزعوم...
" يا ترى الديك الدهب لسة مكانه يا ماما" قالتها بلا إرادة أو ترتيب...
مفاجأة أدهشت الأم " انا ظنيت انك نسيتى الخرافات دى خلاص.. انتى كبرتى دلوقت يا حبيبتى.. و لازم تكونى عاقلة اكتر وتعرفى إن دى تخاريف مالهاش وجود.. حكايات اخترعوها زمان .. كانوا بيسلونا بيها واحنا صغيرين"...
أسرعت قائلة "مجرد سؤال فقط.. انا عارفة انه مفيش حاجة اسمها ديك دهب.. انا درست ده فى الكلية .. وعرفت الحقيقة "...
وعندما فرغت الابنة من شرح حقيقة هذا الأثر.. الذى لم يقدره أحد ممن تعاملوا معه.. وجدت علامات السرور تعلو وجه الأم " سبحان الله .. العلم نور فعلاً" همست الأم مستريحة.. ثم أردفت قائلة " قالوا ان الرجل اللى اشترى المكان ده فتت الكتلة الحجرية الكبيرة وبنى مصنع تلج مكانها"...
غامت الرؤية فى عينى الابنة طالبة الآثار...

" تباً للجهل.. سحقاً للغباء!" تتمتم بلا وعى ...

هناك تعليق واحد:

  1. من اجمل ما قراءت. تلك النقوش الراسخة فى ذاكرة اى انسان التى لا تنسى ابدا مهم تقدم بنا العمر وتثبت تماما ان الماضى نصف الانسان ..ولعل الاجمل هنا هذا التوحد مع النص الذى كتب بنفس النقوش والومضات الكاشفة فلم يعد هناك فرق بين اثار تحكى تاريخ وذاكرة تحكى ماضى انسانى جميل ...مبدعة وراصدة لادق التفاصيل الحية التى تجعل النص ناطق

    ردحذف