
منذ نعومة اظفاره وهو يدرك معنى الكفاح والشقاء.. تحمل عبء مشاركة أبيه الفلاح الأجير فى تربية إخوته السبعة .. أثبت الصغير جدارة فائقة فى سن مبكرة جداً جعلته ذراع أبيه اليمنى وسنده فى مواجهة الحياة...
فرح الوالد كثيراً حين أتته البشارة.. همس بعفوية " رضا".. دارت الأيام وكرت السنين وظل " رضا" الابن البكرى لذلك الأب الطيب رقيق الحال وقرة عينه.. يثبت على الدوام أنه بحق رجل يعتمد عليه رغم حداثة سنه.. اجتهد على الدوام أن يبدو بمظهر يفوق سنه بمراحل حتى صارت طبيعته دون تكلف.. نسى تماماً أنه طفل وأن لعقله الصغير عليه حقاً...
" يا بخت أبوه بيه" يقول كل الناس بالقرية.
" يا ريت ليا ابن زيه" تمنى الجميع أيضاً.
سنوات قليلة مضت وبدت علامات الاجهاد الشديد على الأب من أقل مجهود.. أمارات لا يخطئها عقل لبيب ولا عين فاحصة…
يهرع الطفل مسرعاً إليه فى كل مرة يرجوه أن يستريح ويترك له العمل ويعز على الأب أن يتحمل هذا الصغير كل هذا العبء وحده.. ودن أن يدرى تنزلق بعض الدمعات المكبوتة من عيني الرجل مع قطرات العرق المنهمرة من فوق جبينه.. وينكفىء على فأسه يخفى ضعفه وقلة حيلته…
أتت الإجازة الصيفية كالعادة مثل كل عام.. لكن الصغير لم يكن كعادته.. شىء ما يراوده بشده.. لايعرف ترجمته حرفياً لكنه يعى مغزاه تماماً.. فطرة الصغيرة تدرك ما يحاول الوالد الطيب إخفاءه.. يوقن بكل كيانه أن مرضه خطير.. وهذا ما جعله أكثر إصراراً على تحمل المسئولية كاملة…
فكر الطفل ابن العاشرة كيف يخفف من هذا الحمل الذى ينوء به كاهل أبيه؟ كيف يرحمه من هذا العبء الثقيل؟ وذهب على الفور إلى أحد السائقين فى قريته يسأله العمل معه على امتداد شهور الإجازة الصيفية…
" على خيرة الله" انفرجت شفتا السائق الشاب بابتسامة ومد يده يربت على ظهر الطفل.
خرج الطفل مع السائق صاحب سيارة الأجرة التى تنقل الركاب من بلدته الصغيرة إلى المدينة الكبيرة .. ولم يكن يدرى أ، القدر الذى منحة تأشيرة الذهاب بهذه البساطة لن يسمح له بالعودة بنفس السلامة والبساطة التى خرج بها…
ففى المدينة الكبيرة أخذت السيارة مكانها فى موقف السيارات انتظاراً لدورها فى رحلة العودة.. وإلى جوارها وقف الطفل مبهوراً بما حوله.. شأن أى غريب فى الوجود يرى الشىء للمرة الأولى…
يدوى الزحام والضجيج فى أذنيه بينما هو ثابت فى مكانه وانبهاره.. أبراج عالية تلوح لعينيه فى كل اتجاه .. حدث نفسه خفية بأنه سيحكى لكل الأولاد على هذه الأسياء العجيبة التى رآها هنا.. فجأة شعر بحاجة مُلحة للذهاب إلى دورة المياة.. لم يعد يسطع المقاومة.. لكن الموقف بأكمله ليس به دورة مياة .. لم يكن حوله فى كل اتجاه سوى السيارات والبشر الكثيرين والبنايات العالية التى تحجب الرؤية...
تنبه الطفل إلى كشك صغير إلى جواره بلا باب أو حارس.. أو حتى أية لافتة من أى نوع.. فهرول داخلاً ولم يكن يدرى المسكين أن الداخل مفقود.. وفى لحظة كانت الكارثة.. مأساة آفاق عليها الطفل بالمستشفى العام بالمدينة الكبيرة مبتور الذراع اليمنى والساق اليسرى ونصف اليمنى بعد أن تفحموا تماماً...
لم يكن الكشك مملوءاً بالحلوى والمأكولات.. أو حتى بالسجائر.. ولا حتى بالأشباح.. ولكن كان متخماً بأسلاك كهربائية صاعقة...
فرح الوالد كثيراً حين أتته البشارة.. همس بعفوية " رضا".. دارت الأيام وكرت السنين وظل " رضا" الابن البكرى لذلك الأب الطيب رقيق الحال وقرة عينه.. يثبت على الدوام أنه بحق رجل يعتمد عليه رغم حداثة سنه.. اجتهد على الدوام أن يبدو بمظهر يفوق سنه بمراحل حتى صارت طبيعته دون تكلف.. نسى تماماً أنه طفل وأن لعقله الصغير عليه حقاً...
" يا بخت أبوه بيه" يقول كل الناس بالقرية.
" يا ريت ليا ابن زيه" تمنى الجميع أيضاً.
سنوات قليلة مضت وبدت علامات الاجهاد الشديد على الأب من أقل مجهود.. أمارات لا يخطئها عقل لبيب ولا عين فاحصة…
يهرع الطفل مسرعاً إليه فى كل مرة يرجوه أن يستريح ويترك له العمل ويعز على الأب أن يتحمل هذا الصغير كل هذا العبء وحده.. ودن أن يدرى تنزلق بعض الدمعات المكبوتة من عيني الرجل مع قطرات العرق المنهمرة من فوق جبينه.. وينكفىء على فأسه يخفى ضعفه وقلة حيلته…
أتت الإجازة الصيفية كالعادة مثل كل عام.. لكن الصغير لم يكن كعادته.. شىء ما يراوده بشده.. لايعرف ترجمته حرفياً لكنه يعى مغزاه تماماً.. فطرة الصغيرة تدرك ما يحاول الوالد الطيب إخفاءه.. يوقن بكل كيانه أن مرضه خطير.. وهذا ما جعله أكثر إصراراً على تحمل المسئولية كاملة…
فكر الطفل ابن العاشرة كيف يخفف من هذا الحمل الذى ينوء به كاهل أبيه؟ كيف يرحمه من هذا العبء الثقيل؟ وذهب على الفور إلى أحد السائقين فى قريته يسأله العمل معه على امتداد شهور الإجازة الصيفية…
" على خيرة الله" انفرجت شفتا السائق الشاب بابتسامة ومد يده يربت على ظهر الطفل.
خرج الطفل مع السائق صاحب سيارة الأجرة التى تنقل الركاب من بلدته الصغيرة إلى المدينة الكبيرة .. ولم يكن يدرى أ، القدر الذى منحة تأشيرة الذهاب بهذه البساطة لن يسمح له بالعودة بنفس السلامة والبساطة التى خرج بها…
ففى المدينة الكبيرة أخذت السيارة مكانها فى موقف السيارات انتظاراً لدورها فى رحلة العودة.. وإلى جوارها وقف الطفل مبهوراً بما حوله.. شأن أى غريب فى الوجود يرى الشىء للمرة الأولى…
يدوى الزحام والضجيج فى أذنيه بينما هو ثابت فى مكانه وانبهاره.. أبراج عالية تلوح لعينيه فى كل اتجاه .. حدث نفسه خفية بأنه سيحكى لكل الأولاد على هذه الأسياء العجيبة التى رآها هنا.. فجأة شعر بحاجة مُلحة للذهاب إلى دورة المياة.. لم يعد يسطع المقاومة.. لكن الموقف بأكمله ليس به دورة مياة .. لم يكن حوله فى كل اتجاه سوى السيارات والبشر الكثيرين والبنايات العالية التى تحجب الرؤية...
تنبه الطفل إلى كشك صغير إلى جواره بلا باب أو حارس.. أو حتى أية لافتة من أى نوع.. فهرول داخلاً ولم يكن يدرى المسكين أن الداخل مفقود.. وفى لحظة كانت الكارثة.. مأساة آفاق عليها الطفل بالمستشفى العام بالمدينة الكبيرة مبتور الذراع اليمنى والساق اليسرى ونصف اليمنى بعد أن تفحموا تماماً...
لم يكن الكشك مملوءاً بالحلوى والمأكولات.. أو حتى بالسجائر.. ولا حتى بالأشباح.. ولكن كان متخماً بأسلاك كهربائية صاعقة...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق