الأربعاء، 15 أبريل 2009

أعواد الثقاب - قصة قصيرة


صراخ وعويل شق سماء القرية الكبيرة وبدد سكون الليل.. لم يكن غريباً أن يحدث هذا الذى يعنى أن هناك حادثة ما قد حدثت.. وغالباً ما يكون هذا تعبيراً عن فقد عزيز.. ورغم معرفة الناس الأكيدة لهذا.. إلا أنه شيئاً مفزعاً لم يزل.. فلا يعلم أحد من هؤلاء الذين يغطون فى نومهم أى فرد حانت ساعته.. إلا أنهم هذه المرة يعلمون تقريباً...
فى لحظات امتلأت شوارع القرية بالناس.. جعل الرجال يلغطون وهم يندفعون نحو البيت مصدر الضجيج.. امتلأت الدار الكبيرة سريعاً وذلك الفناء الواسع بالخارج أيضاً.. وقت يسير وتدافعت النسوة متشحات بالسواد.. كأنهن قطعٌ متحركة من الليل البهيم...
يُسمع للجميع همهمات متداخلة ومصمصات شفاة.. وعلى الشاطىء الشرقى للترعة الصغيرة التى تقسم البلدة إلى نصفين أحدهما كبير نسبياً عن الآخر سُمعت عجوز تصيح وتولول وهى تندفع كالريح قاصدة منزل المتوفى.. والذى يعرف الجميع أنه الأخ الأكبر لها وكبير العائلة المتشعبة فى أماكن شتى...
وقت مضى لا يعرف الناس كم على وجه الدقة.. بدأ الجمع يتفرق كل إلى داره إلا بعض الأقارب والمقربين الذين قضوا ليلتهم بمنزل المتوفى الذى قرر أبناؤه أن يدفنوه بعد ظهر الغد...
ومع بذوغ أول شعاع للشمس كان الابن الأكبر للمتوفى أو العمدة الصغير كما يطلق عليه أهل القرية يوزع الأدوار على إخوته وأزواج أخواته البنات.. ظل هو باقياً يباشر أمور الغُسل وتجهيز ذلك الجسد المسجى هناك فى غرفة بأقصى البيت...
" إنا لله وإنا إليه راجعون .. توفى إلى رحمة الله تعالى الحاج..." كرر رجل عبر مكبر الصوت بمسجد القرية مرات عديدة.. هز الصوت أرجاء القرية ونفذ إلى بعض البيوت المتناثرة حولها.. وتناقل الناس الخبر إلى ما بعد ذلك...
توافدت الجموع من القرى المجاورة والأقارب من بلاد بعيدة.. بينما قد تمت طقوس الغسل على خير ما يرام هناك فى قاع الدار...
ارتفعت سمش الضحى معلنة عن قرب موعد التحرك بالجنازة إلى المسجد للصلاة عليها.. فى حين تجمع الرجال الذين تفرقوا من قبل إلى مهامهم.
" رتبت موضوع الحراسة يا حاج أحمد" قال العمدة الصغير لزوج أخته الكبرى.
" كله تمام يا عمدة" قال الحاج أحمد مؤكداً.
سار الناس بالجنازة إلى المسجد يصاحبهم صوت المؤذن عالياً...
عشرون فداناً هى مساحة مقابر القرية على بُعد خمسمائة متر تقريباً.. لا تكاد تمر أيام قلائل حتى تدفن بها جثة.. وعلى الفور يرابط أكثر من خمسين رجلاً على رأس مقبرة المتوفى ليل نهار.. ولمدة أيام طويلة حسب إعتقاد أهل الميت أن الجثة بدأت تتحلل.. وأن كل دقيقة تُعد خطوة واسعة جداً نحو العدم.. وغدا هذا المشهد الغريب مألوفاً لدى كل القرى المجاورة وحتى المارة من الغرباء...
ليس هذا تقليداً جديداً ابتكره أهل القرية من فرط الحب لموتاهم.. أو عدم القدرة على فراقهم .. وإنما هو السبيل الوحيد فى نظرهم لحماية موتاهم من مصير مهين .. إذا ما وصلت إليهم أيدى العصابة التى تسرق الجثث...
عام ونصف العام والذعر يتملك الأسر على مصير موتاهم .. عام ونصف العام يفعلون ذلك صيفاً وشتاءً.. عام ونصف العام يسهر الأحياء على راحة الموتى فى تلك المقابر...
" ابقوا أنتم هنا مع الجماعة.. افتحوا أعينكم جيداً.. أى حركة اضرب فى المليان" قالها العمدة الصغير بلهجة آمرة لبعض الخفر.
توزع الحراس من أسرة العمدة فى جماعات صغيرة متفرقة.. تناثرت حول المقبرة من الرأس إلى القدمين.. فهو ليس أى ميت إنه العمدة الكبير.. بينما تناثر الخفراء بعيداً عنهم بأمتار لمراقبة الممرات الضيقة بين المقابر.. فلا يجتمع أحدهم بآخر مطلقاً إلا خلسة لحظة أن يحتاج بصورة ملحة إلى سيجارة.. أو تُلح به كلمة تهكم أو سخرية لا يستطيع بالطبع إطلاقها على مسامع الجماعات المتفرقة هناك...
" بالك يا واد يا حسونة أنا لو من الناس دول كنت سيبت العصابة تسرق العمدة الكبير.. دا عليهم بخسارة.. أى والله" همس أحد الخفراء لآخر على مقربة منه.
" اخرس يا واد يا عزوز حد يسمعك ونروح فى داهية" قال الآخر مرتبكاً مرتعداً.
وضع الخفير سليط اللسان يده على فيه فى محاولة لكتم صوته الذى ظن أنه وصل إلى أسماعهم هناك وهرول مسرعاً إلى مكانه...
تهامس الشبان فيما بينهم وتبادلوا القفشات بصوت خفيض عن جدهم المحروس بداخل هذا المبنى الصغير ولا شىء على باله مما هم فيه الآن...
بينما تحلق بعض الرجال يلغطون ويتمتمون بكلمات غير مسموعة تقريباً إلا فيما بينهم.. ربما تكون عن الميراث فقد بدوا أنهم أزواج البنات الخمس...
عاد الخفير منفلت اللسان إلى زميله ذى القلب الخفيف.. وكان يكتم ضحكة غالبته لدرجة ستفضح حزنه الزائف على عمدته الكبير إن لم يتمالك ويكبح جماحها...
" فاكر الولية القرشانة أم اسماعيل لما وصتهم يدفنوها عند أهلها فى آخر الدنيا" يهمس إلى زميله فى حين التزم الزميل الصمت جبناً .. ولم يكن منه إلا أن تمتم فى نفسه متراجعاً إلى الخلف ليستقر مكانه عازماً ألا يعود لمحادثة هذا الجبان مطلقاً حتى نهاية المناوبة.
تذكر الخفير بينه وبين نفسه أنهم أقسموا لها أن الحراسة ستكون مشددة.. وأن أحداً لن يستطيع أن يقترب من قبرها.. وعاد الوفد الذى ذهب لإقناعها بخيبة أمل كبيرة.. فرأس تلك الهرمة مثل الحجر الصوان...
" نحن جميعاً أولادك .. لا تخشى شيئاً سنحرسك.. وستشعرين بنا " تطوع الرجال مخلصين.. وعلق بعض خفيفى الظل ممازحاً " وإن لم تشعرى بنا فأخرجى جرياً".. فعادت العجوز أكثر تشبثاً من ذى قبل .. وقد خيل لهم أنها كادت تلين...
فحقيقة أنها مقطوعة من شجرة ألحت بها وجعلتها تصر على وصيتها .. فهى هزيلة جداً وتصور لها أنها لن تحتمل ما سيُفعل بها من تمزيق وتكسير إذا ما سرقتها عصابة الحثث.. وبعد أن أسلمت العجوز الروح لم يكن أمام الجميع إلا تنفيذ وصيتها...
انفلتت من الخفير بعض ضحكة عالية .. التفت على إثرها أفراد كثيرون من مرهفى السمع فى الجماعات الصغيرة المتفرقة.. كان الخفير قد أغلق فمه فى سرعة البرق بالضبة والمفتاح.. لحظات قليلة ثم عادت الجماعات إلى لغطها.. بينما نظر الخفير نحو الفضاء الواسع دون أن يفطن أحد إلى أنه هو الذى فعلها...
لاح منظر الجماعات الصغيرة المتفرقة لرجل العصابة على البعد هناك خلف مبان القرية.. تصوروا له كأنهم أعواد ثقاب مرشوقة فى الأرض.. لا يُرى منها سوى رؤوساً سوداء وربما جزء يسير من العنق لا يتعدى قيد أنملة..بينما لا يُرى أثراً للجلابيب البيض مطلقاً...
" أهى تسالى.. يعنى لا جثة ولا تسلية؟" قالها رجل العصابة الذى جاء ليستطلع الأمر.. راق له أن يلملم أعواد الثقاب المتناثرة هذه فى علبة واحدة.. تسلل فى بطء نحو المقابر كأنه أحد المارة الغرباء يقصد قرية أخرى بعيدة خلف حدود المقابر...
كانت الشمس تحتضر بيد أنه لم يفكر مطلقاً فى سرقة جثتها بعد أن تهمد فيها الحياة .. فهو لن يستطيع الحصول عليها .. لا هو ولا عصابته ولا كل عصابات شيكاغو ولا حتى الجن الأزرق...
تلاشى الشفق الأرجوانى شيئاً شيئاً .. وهبط الظلام حثيثاً وبدا وحيداً على الطريق كشبح.. لم يكن أحد ياتفت إلى أى شخص يسير بمفرده أو حتى اثنين.. إذ كان اعتقاد الجميع أنها عصابة ضخمة مدججة بالسلاح يعلو وجوه أفرادها الأجرام...
زحف رجل العصابة كالثعبان على بطنه.. تكوم إلى جوار مقبرة نائية شيئاً.. فتح كيس الحصى الذى جمعه على امتداد الطريق إلى المقابر.. بدأ برشق الأولى فى رأس الخفير حسونة.. الذى تحسس مكانها فى رأسه ثم قبض على زناد بندقيته الميرى مستعداً للضرب فى المليان.. لكنه عاد لوضعه الطبيعى وهدوئه عندما أقنع نفسه أنها تهيؤات من رهبة المكان...
رشق الثانية فى قفا الخفير عزوز الذى سُمع صياحه ربما فى القرية وهو يردد " عفريت.. عفريت".
ارتبك همس الجماعات المتفرقة.. عمت الفوضى نظام الأعواد المرصوصة بدقة من دون قصد...
" ماذا جرى؟" صاح أحد الأفراد متسائلاً.. وفأفأ الخفير خفيف القلب والعقل منهاراً.
" جتك البلاوى وانت خرع كده" قال آخر وهو يصفعه على قفاه.
عاد الرجل يرشق الجماعات المتفرقة.. حصاة بعد الأخرى حتى تشبث بعضهم ببعض فى ذعر لم يعد يفلح معه أى اعتقاد بالتهيؤات...
" عفريت..عفريت" تمتم جميعهم فى نفس واحد مرتعدين.
" هكذا تماماً أردتكم يا غنم" تمتم رجل العصابة وهو يهز رأسه وينظر بطرف عينه من جانب المقبرة التى اختبأ خلفها.. حصاة أخرى.. اخذ الجميع ذيله فى أسنانه وطار إلى القرية من غير هدى...
تعالت ضحكات الرجل العفريت فى سماء المقابر.. تشق السكون وتخدش قدسية المكان.. مال إلى المقبرة التى كانت محروسة منذ قليل يحدث نفسه ساخراً " ما حاجتنا إلى هذا الليث العجوز الذى نهشه السرطان".
" أغبياء.. أغبياء" أردف بنبرة أكثر سخرية ثم انخرط فى نوبة ضحك هستيرية.

هناك تعليق واحد:

  1. روعة بكل معنى الكلمة نص حى يداعب الخيال الذى اتحدا مع الواقع ..دمت بهذا الحس المرهف والقلم الراصد

    ردحذف