
تشرق الشمس كل يوم على المدينة العريقة.. التى مازالت تحتفظ باسمها الفرعونى القديم.. تتغلل أشعتها الذهبية فى عقول أهلها فتتفتق ابتكارا وتجديدا.. لتزاد إبداعاتهم حسنا ودقة...
تدور الأيام وتتوالى الحقب لتثبت للعالم أجمع أن الحقيقة على ارض هذه المدينة الرائعة .. القابعة فى حضن النيل العظيم أروع من أى خيال...
شعب مبدع بالفطرة..عاشق للفن والجمال.. ترجم عشقه إلى لوحات فائقة الروعة من النسيج اليدوى الفريد.. خلَّد على مر العصور مجد أجداده أول من برع فى هذا الفن.. داموا يرسلون إليهم فى كل يوم تحية على هذا الميراث العظيم.. الذين يباهون به كل أقطار الأرض عبر الأزمنة...
ومع خيوط الفجر النورانية تتوازى خيوط ملونة بديعة.. الأحمر مع الأخضر.. النيلى مع الأصفر.. وبقية الألوان مكونة وجه فرعونى صميم.. أو إحدى اللوحات لمشاهير الفنانين العالميين.. أو لأثر فريد من أثار أجداهم الراقدين فى سلام تحت ثرى المدينة الهادئة...
ومع نهوض الشمس من مهدها ينتشر أهل المدينة فى شوارعها الكثيرة .. يفتحون أبواب ورشهم المتراصة على امتداد المدينة الكبيرة يعلقون إبداعاتهم المكتملة على الحوائط داخل وخارج الورش جنبا إلى جنب .. فتمتزج الألوان وتتكامل الإبداعات مكونة لوحة كبيرة جداً بحجم كل هذه الحوائط التى علقت عليها...
تكتسى الجدران عن آخرها بالألوان والزخارف فتبدو عروساً مزركشة بين المدائن.. أو كفتاة بدوية بزيها ذى الألوان المتعددة فى فلاة وحدها...
وفى المدينة المزركشة لا يخلو بيت من نول النسيج اليدوى كما لا تخلو ورشة .. تمارس عليه النساء عملهن فى البيوت.. وتتدرب الفتيات الصغيرات كما يتدرب الفتية فى الورش تماماً.. فتلك هى حرفة الكبار والصغار التى لا يعرفون غيرها فى هذه المدينة...
" راح إلى غير رجعة زمن الفن الجميل" بات يهمس الناس فى كل وقت.
" الفن الجميل باق على مر الزمان" وحده يردد عم يوسف على الدوام.
وداخل جدران الورشة الكبيرة.. التى علقت على واجهتها قطعة جوبلان فائقة الروعة .. تحفة فنية لا تقدر بثمن مطبوع عليها بأصابع من ماس القناع الذهبى للفرعون الصغير "توت عنخ آمون" .. جلس عم يوسف يباشر فنه وإبداعاته مزهواً بنفسه شديد الفخار بحرفيته...
" بقينا أنتيكة يا عم يوسف" يقول حسن .. ذلك الشاب عاشق المهنة.. ويرد عم يوسف بكلماته المعهودة مؤنباً حسن على انسياقه وراء العقول المتخلفة وهو الفنان الذى يفهم ويقدر جيدا معنى هذا الفن...
وانكفأ الرجلان يباشران فنهما كل على نوله .. يضبط خيوطه وألوانه .. ليخرج فى النهاية لوحة غاية فى الدقة والإبهار...
جرت فترة صمت كبيرة.. كانت كافية لإنجاز أكثر من ثلث لوحة "السوق" التى ينقلها عم يوسف بأدواته وطريقته الدقيقة من كتاب وصف مصر.. فى حين فرغ حسن من وضع لمساته الأخيرة على تحفته الفنية التى انتهى منها أمس بعد عمل أسبوع متواصل.. وحوت داخل إطارها النسيجى لوحة "العشاء الأخير" للفنان العالمى ليوناردو دافينشى...
بينما هما غارقان فى صمتهما.. ذائبان فى عشقهما.. دخل صاحب الورشة عابثاً مكفهراً.. ترك عم يوسف نوله على الفور.. وإلى جوار الرجل المستشيط غضباً جلس بمقعده الخيزرانى .. تمتلىء يده ببعض الأصواف المضفورة.. والخيوط الملونة يؤلفها بطريقة تلقائية.. وهو يحاول امتصاص غضبه.. الذى علم تواً أن سببه الأوحد هو تلك المشاكل التى تزايدت مع أصحاب البازارات الذين باتوا يستغلونهم فى الفترة الأخيرة بصورة بشعة...
تلفت صاحب الورشه حوله متسائلاً عن بقية العمال .. فسكت عم يوسف وأجاب حسن بأنهم ذهبوا يبحثون عن أكل عيشهم...
" فى ستين سلامة" رد صاحب الورشة معلقاً من دون مبالاة...
مساكين أهل المدينة.. أجبرهم هذا التدهورعلى العمل فى "الفاعل" .. أو العمل كباعة سريحة للسلع التافهة.. يواجهون التشرد فى الشوارع طوال النهار من أجل حفنة قروش...
" قلنا كتير لكن المسئولين ودن من طين وودن من عجين" تمتم عم يوسف وهو يهز رأسه .. زاماً شفتيه.. مقطباً بين حاجبيه...
" حتى القروض اللى وعدونا بها حطولها شروط مستحيلة وإجراءات لايمكن نقدر نكملها.. بلد العجايب " قال حسن ساخطاً منفعلاً من خلف نوله وخيوطه التى يعدها لرحلة إبداع جديدة...
" حسنا فعلوا والله .. فهذه كانت بمثابة كارثة أخرى" قال صاحب الورشة ذو الخبرة الطويلة.
" نحن بحاجة لأن تتدخل الدولة بشكل فعال ومؤثر لحل المشكلة.. لا أن تعطينا قروضاً نعجز عن الوفاء بها وبفوائدها.. ونصل فى النهاية إلى طريق مسدود آخره السجن لا محالة" أردف الرجل عن دراية تامة.
وكان الرجل قد تقدم لمن بيدهم الأمر باقتراحات عديدة.. كأن تُلزم الدولة وزاراتها بشراء كل احتياجاتها منهم بدلا من استيرادها من الخارج بالعملة الصعبة وهى أعلى سعراً وأقل قيمة وجودة.. أيضاً تضع الدولة هذا المنتج المميز كأفضل سفير فى الخارج فى بروتوكولات التعاون التى توقعها مع الدول الأخرى مقابل منتجاتها.. فالمنسوجات منفذ عليها لوحات عالمية شهيرة.. ولوحات مصرية صميمة تعبر عن التراث والبيئة المصرية فى مختلف عصورها.. أو حتى تأتى إليهم الأفواج السياحية مباشرة فى موقع العمل.. ترى وتلمس على الطبيعة المراحل التى يمر بها هذا الفن.. فالمدينة عريقة وغنية بآثارها من كل العصور وبهذا تضرب الحكومة عصفورين بحجر واحد.. فمن ناحية يتم تنشيط السياحة ومن آخرى تفتح مجال مضمون لتسويق المنتج وتحميهم من استغلال أصحاب البازارات...
" يبدو أنها مؤامرة لقتل هذا الفن الجميل" قال الرجل وهو يتذكر متحسراً تلك المعارض التى أقامها فى الخارج على نفقته الخاصة وكم كان العالم كله منبهراً بهذا الفن الراقى.. لكن هذا مكلف جدا وهو لديه التزامات ولم يعد يستطيع تكرارها فى هذه الأيام العصيبة...
" مؤكد سوف تتحسن الأحوال يوماً .. أزمة وتفوت إن شاء الله" قال عم يوسف مهدئاً الرجل...
" لايبدو لى هذا أبداً يا عم يوسف.... يبدو أننا أصبحنا أنتيكة بالفعل كما يقول حسن .. وقد راح إلى غير رجعة زمن الفن الجميل حقاً.. وكان يا ما كان" قال الرجل مستسلماً.
صمت عم يوسف هذه المرة ولم يستطع تحريك لسانه برده المعهود بأن الفن الجميل باقٍ لا يموت على مر الزمان.. كأنه نسيه فجأة أو ان إيمانه بهذا القول قد تزعزع أوتلاشى فعُقد لسانه.
تدور الأيام وتتوالى الحقب لتثبت للعالم أجمع أن الحقيقة على ارض هذه المدينة الرائعة .. القابعة فى حضن النيل العظيم أروع من أى خيال...
شعب مبدع بالفطرة..عاشق للفن والجمال.. ترجم عشقه إلى لوحات فائقة الروعة من النسيج اليدوى الفريد.. خلَّد على مر العصور مجد أجداده أول من برع فى هذا الفن.. داموا يرسلون إليهم فى كل يوم تحية على هذا الميراث العظيم.. الذين يباهون به كل أقطار الأرض عبر الأزمنة...
ومع خيوط الفجر النورانية تتوازى خيوط ملونة بديعة.. الأحمر مع الأخضر.. النيلى مع الأصفر.. وبقية الألوان مكونة وجه فرعونى صميم.. أو إحدى اللوحات لمشاهير الفنانين العالميين.. أو لأثر فريد من أثار أجداهم الراقدين فى سلام تحت ثرى المدينة الهادئة...
ومع نهوض الشمس من مهدها ينتشر أهل المدينة فى شوارعها الكثيرة .. يفتحون أبواب ورشهم المتراصة على امتداد المدينة الكبيرة يعلقون إبداعاتهم المكتملة على الحوائط داخل وخارج الورش جنبا إلى جنب .. فتمتزج الألوان وتتكامل الإبداعات مكونة لوحة كبيرة جداً بحجم كل هذه الحوائط التى علقت عليها...
تكتسى الجدران عن آخرها بالألوان والزخارف فتبدو عروساً مزركشة بين المدائن.. أو كفتاة بدوية بزيها ذى الألوان المتعددة فى فلاة وحدها...
وفى المدينة المزركشة لا يخلو بيت من نول النسيج اليدوى كما لا تخلو ورشة .. تمارس عليه النساء عملهن فى البيوت.. وتتدرب الفتيات الصغيرات كما يتدرب الفتية فى الورش تماماً.. فتلك هى حرفة الكبار والصغار التى لا يعرفون غيرها فى هذه المدينة...
" راح إلى غير رجعة زمن الفن الجميل" بات يهمس الناس فى كل وقت.
" الفن الجميل باق على مر الزمان" وحده يردد عم يوسف على الدوام.
وداخل جدران الورشة الكبيرة.. التى علقت على واجهتها قطعة جوبلان فائقة الروعة .. تحفة فنية لا تقدر بثمن مطبوع عليها بأصابع من ماس القناع الذهبى للفرعون الصغير "توت عنخ آمون" .. جلس عم يوسف يباشر فنه وإبداعاته مزهواً بنفسه شديد الفخار بحرفيته...
" بقينا أنتيكة يا عم يوسف" يقول حسن .. ذلك الشاب عاشق المهنة.. ويرد عم يوسف بكلماته المعهودة مؤنباً حسن على انسياقه وراء العقول المتخلفة وهو الفنان الذى يفهم ويقدر جيدا معنى هذا الفن...
وانكفأ الرجلان يباشران فنهما كل على نوله .. يضبط خيوطه وألوانه .. ليخرج فى النهاية لوحة غاية فى الدقة والإبهار...
جرت فترة صمت كبيرة.. كانت كافية لإنجاز أكثر من ثلث لوحة "السوق" التى ينقلها عم يوسف بأدواته وطريقته الدقيقة من كتاب وصف مصر.. فى حين فرغ حسن من وضع لمساته الأخيرة على تحفته الفنية التى انتهى منها أمس بعد عمل أسبوع متواصل.. وحوت داخل إطارها النسيجى لوحة "العشاء الأخير" للفنان العالمى ليوناردو دافينشى...
بينما هما غارقان فى صمتهما.. ذائبان فى عشقهما.. دخل صاحب الورشة عابثاً مكفهراً.. ترك عم يوسف نوله على الفور.. وإلى جوار الرجل المستشيط غضباً جلس بمقعده الخيزرانى .. تمتلىء يده ببعض الأصواف المضفورة.. والخيوط الملونة يؤلفها بطريقة تلقائية.. وهو يحاول امتصاص غضبه.. الذى علم تواً أن سببه الأوحد هو تلك المشاكل التى تزايدت مع أصحاب البازارات الذين باتوا يستغلونهم فى الفترة الأخيرة بصورة بشعة...
تلفت صاحب الورشه حوله متسائلاً عن بقية العمال .. فسكت عم يوسف وأجاب حسن بأنهم ذهبوا يبحثون عن أكل عيشهم...
" فى ستين سلامة" رد صاحب الورشة معلقاً من دون مبالاة...
مساكين أهل المدينة.. أجبرهم هذا التدهورعلى العمل فى "الفاعل" .. أو العمل كباعة سريحة للسلع التافهة.. يواجهون التشرد فى الشوارع طوال النهار من أجل حفنة قروش...
" قلنا كتير لكن المسئولين ودن من طين وودن من عجين" تمتم عم يوسف وهو يهز رأسه .. زاماً شفتيه.. مقطباً بين حاجبيه...
" حتى القروض اللى وعدونا بها حطولها شروط مستحيلة وإجراءات لايمكن نقدر نكملها.. بلد العجايب " قال حسن ساخطاً منفعلاً من خلف نوله وخيوطه التى يعدها لرحلة إبداع جديدة...
" حسنا فعلوا والله .. فهذه كانت بمثابة كارثة أخرى" قال صاحب الورشة ذو الخبرة الطويلة.
" نحن بحاجة لأن تتدخل الدولة بشكل فعال ومؤثر لحل المشكلة.. لا أن تعطينا قروضاً نعجز عن الوفاء بها وبفوائدها.. ونصل فى النهاية إلى طريق مسدود آخره السجن لا محالة" أردف الرجل عن دراية تامة.
وكان الرجل قد تقدم لمن بيدهم الأمر باقتراحات عديدة.. كأن تُلزم الدولة وزاراتها بشراء كل احتياجاتها منهم بدلا من استيرادها من الخارج بالعملة الصعبة وهى أعلى سعراً وأقل قيمة وجودة.. أيضاً تضع الدولة هذا المنتج المميز كأفضل سفير فى الخارج فى بروتوكولات التعاون التى توقعها مع الدول الأخرى مقابل منتجاتها.. فالمنسوجات منفذ عليها لوحات عالمية شهيرة.. ولوحات مصرية صميمة تعبر عن التراث والبيئة المصرية فى مختلف عصورها.. أو حتى تأتى إليهم الأفواج السياحية مباشرة فى موقع العمل.. ترى وتلمس على الطبيعة المراحل التى يمر بها هذا الفن.. فالمدينة عريقة وغنية بآثارها من كل العصور وبهذا تضرب الحكومة عصفورين بحجر واحد.. فمن ناحية يتم تنشيط السياحة ومن آخرى تفتح مجال مضمون لتسويق المنتج وتحميهم من استغلال أصحاب البازارات...
" يبدو أنها مؤامرة لقتل هذا الفن الجميل" قال الرجل وهو يتذكر متحسراً تلك المعارض التى أقامها فى الخارج على نفقته الخاصة وكم كان العالم كله منبهراً بهذا الفن الراقى.. لكن هذا مكلف جدا وهو لديه التزامات ولم يعد يستطيع تكرارها فى هذه الأيام العصيبة...
" مؤكد سوف تتحسن الأحوال يوماً .. أزمة وتفوت إن شاء الله" قال عم يوسف مهدئاً الرجل...
" لايبدو لى هذا أبداً يا عم يوسف.... يبدو أننا أصبحنا أنتيكة بالفعل كما يقول حسن .. وقد راح إلى غير رجعة زمن الفن الجميل حقاً.. وكان يا ما كان" قال الرجل مستسلماً.
صمت عم يوسف هذه المرة ولم يستطع تحريك لسانه برده المعهود بأن الفن الجميل باقٍ لا يموت على مر الزمان.. كأنه نسيه فجأة أو ان إيمانه بهذا القول قد تزعزع أوتلاشى فعُقد لسانه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق