
الحرارة القائظة التى تكاد تصهر الدنيا بما فيها.. جعلت الأم تنادى طفلها فى تأكيد وحزم.. تحذره من الخروج إلى الشارع فى هذا الجو الملتهب.. وفى رضوخ المغلوب على أمره ولأن الدنيا بالفعل نار استجاب الطفل دون نقاش...
تسلق الطفل سور الشرفة الفسيحة.. جعل يتخطى الأعمدة الخرسانية الواحد تلو الآخر ويعيد الكرة مرات..شعر أن الأعمدة كتلة من اللهب بين يديه الصغيرتين المعروقتين.. وأن السور الحجرى يتصبب عرقاً تحت قدميه كما يتصبب جسمه الصغير.. توقف عن لعبه فجأة.. جلس فى حركة لا إرادية على السور النارى.. مد رجليه نحو الأرض.. قفز فى تروٍ وحرص.. تسمرت قدماه إلى جوار شىء ما لم يكن موجوداً حين تسلق السور قبل قليل .. ارتعدت فرائص الصغير وانحبس صوته لبرهة..هرع نحو أمه مذعوراً.. يصرخ دون انقطاع...
" مالك ياحمادة .. فيه ايه يا بابا" قالت الأم مندهشة.
" تعبان يا ماما .. تعبان كبير!" جعل الطفل يقول لاهثاً.
خرجت الأم الريفية الشابة.. التى تخطو فوق عامها الخامس والعشرين.. وبهدوء مريب داعبت الحية الرابضة إلى جوار السور من الداخل..غافلتها ودقت رأسها بحجر ثقيل.. لكن دون أن تهشم الرأس تماما.. تأكدت أن الثعبان وهو من نوع الكوبرا قد فارق الحياة..أخذت تلهو به وتطوحه فى الهواء يميناً وشمالاً.. تفرده على الأرض حيناً.. وترفعه إلى مستوى رأسها حيناً آخر.. والطفل يرقبها فى ذهول...
لاحت للأم فكرة طالما ألحت بها من قبل.. لكنها هذه المرة رأتها فكرة رائعة.. التفتت إلى الابن المتقنفذ المرتعد على بُعد خطوات.. مؤكدة أن الثعبان أصبح جثة هامدة ولا يستطيع أن يؤذيه...
حملت الأم الثعبان الكبير فوق راحتيها.. مشت بتؤدة إلى الداخل.. وضعته فى ركن رطيب من حجرة خالية فى أعماق البيت الريفى الكبير...
هرولت مسرعة إلى الحقل.. تلفحها شمس الهاجرة دون اكتراث.. اقتلعت بعض النباتات الغريبة.. التى لا يعرف الناس لها فائدة ويسمونها أعشاب شيطانية ثم عادت من فورها...
وفى الحجرة الخالية إلا من الثعبان فى أعماق البيت الريفى الكبير.. جلست تعصر النباتات وتمزجها مع بعض المواد الأخرى البسيطة.. الموجودة فى كل بيت ومنها ما لا يصلح الطعام إلا به.. ومنها أعشاب تستخدم بصورة شبه دائمة فى الحياه اليومية.. وبعد وقت ليس باليسير انتهت الأم من تنفيذ فكرتها الرائعة...
كانت المرة الأولى التى يرى حمادة فيها أمه الريفية البسيطةتجلس هذه الجلسة.. كأنها شخصية أخرى تماما صعب على عقل الصغير وقتها تحديدها أو استيعاب مفهومها.. أرعبته الأفكار.. تهيأ له أنها ليست أمه.. وأنها إحدى الجنيات من تحت الأرض تسكن هذه الحجرة المنزوية...
انهالت على خياله الغض أشباح العفاريت التى كانت تظهر فجأة للناس فى الزمن البائد.. وعرائس البحر اللاتى كن يعشقن رجال الأنس ويرغمنهم على الزواج بهن.. واجترت ذاكرته الهشة حكايات جدته الكثيرة عنهن.. ومنهم الجد سرحان الذى ظهرت له الجنية فى ليلة قمراء عند الساقية وهو يروى الحقل وقالوا أنها تزوجته...
لم لا تكون أمه واحدة منهن؟ فكر ملياً...
غريبة هى دائماً.. فى لبسها.. طريقة أكلها.. تصرفاتها.. حتى أصناف الطعام التى تعدها..تكاد تكون علاقتها بالجيران معدومة.. لا تشعر بالألفة ولا بالتفاهم مع أحد.. أياً كان ومهما كان..حتى زوجها كأنه غريب عنها.. ظلت نافرة منه حتى ملها ومل الحياة معها فهجر البلدة والوطن...
" ياااه الوقت سرقنى.. بس عملت اللى نفسى اعمله من زمان" نهضت هامسة.
" ماما ماما.. انتى بتكلمى نفسك؟!" صاح الولد.
" انت هنا يا حبيبى.. تعالى شوف ماما عملت ايه.. انا حنطت التعبان علشان متخافش منه؟!" قالتها منتشية.
ولم يفهم الصغير معنى الكلام .. لكنه على أية حال ظل على عناده وفزعه.. وأسرع يعدو نحو الخارج...
لم يكن الخروج من البيت بأكمله كافياً بالنسبة للولد .. لكنه أخذ يجرى ويجرى..يطوى الأرض وتطويه.. لم يأبه بالنار التى تضطرم فى أعماقه رغم أن الشمس بدأت تلملم سياطها الحامية استعداداً للرحيل...
تنبه قليلاً ليجد نفسه فى بيت الجد بقريه مجاورة.. وقد تملكته تلك الفكرة المجنونة التى احتلت خاطره منذ قليل عن الجن والعفاريت وأمه التى ربما تكون واحدة منهم.. سقط مغشياً عليه.. وعندما أفاق كان قد أيقن تماماً ان أمه لابد جنية من تحت الأرض...
روى الصغير روايته للجد والجدة والأعمام بأنفاس متقطعة لاهثة.. نام بلا إرادة فى حضن الجدة الحنون وعلى شفتيه بقايا كلام.. وبين الفينة والأخرى ينتفض مفزوعاً.. متمتماً بكلمات متداخلة عن وأحرف مهروسة عن الثعبان والعفاريت وأمه الجنية.. بينما دار الحديث همساً بين الجلوس...
تفرق الجمع بينما ظل الصغير يعانى نوبات الفزع والتمتمة المتلاحقة التى تنغص عليه نومه.. فجأة استيقظ صارخاً.. نشبث بالجدة بقوة.. جعل يبكى ويتوسل إليها ألا تعيده لأمه الجنية مرة أخرى.. والجدة تهدىء من روعه وتطرد عن مخيلته تلك الأفكار الخبيثة.. ونؤكد له أن أمه إنسانة مثلهم وأنها طيبة وتحبه جداً ...
" لا يا جدتى.. انا شفتها على حقيقتها فى الوضة الفاضية اللى فى آخر البيت.. كان شكلها غريب.. انا خايف منها .. مش عاوز اروح هناك تانى" قال الولد مرتعداً...
حارت الجدة ماذا تفعل .. هى على يقين بأن الولد على حق.. فأمه مريبة بالفعل.. لكنها أمه على أية حال...
ثلاث ليالٍ خلت على غياب الطفل.. شعرت فيها الأم بأن عبئاً ثقيلاً انزاح من على عاتقها.. مالها هى والأطفال؟ مالها والمسئولية؟ مالها وتلك الهوامش البشرية حولها؟ مالها وهذا العصر بأكمله؟!
هل تحب هذه المرأة ذلك الطفل؟ سؤال تطرحه على نفسها فى كل حين.. شىء ما يربطها به.. تحبه أحياناً.. وتثور على ذلك الرباط احيانا أخرى.. فهو ليس على شاكلتها.. لا طبعها ولا ملامحها.. حتى اسمه غريب عليها.. ودت لو اسمته " رام" لكن الرجل الذى كان موجوداً لفترة قريبة فى حياتها أصر على ذلك الاسم الذى لا تعرف كيف دخل قائمة الأسماء ولا تدرك معناه.. هو لديها بلا معنى .. كما أن "رام" هذا لدينا الآن.. لا شىء فى الظاهر يربطها بالصبى غير ذلك الرباط الخفى الذى يعلمه كل الناس إلا هى...
حاولت مراراً التغاضى عن اسمه.. جاهدت أن تجعل منه ذاك الطفل الذى تريده وترتضيه طفلاً لها.. بيد أن الصغير لم يرد إلا أن يكون "حمادة" .. لم يرد إلا أن يكون طفلاً عادياً ينتمى إلى هذا العصر بكل منغصاته وأزماته...
عانى الطفل كثيراً من سراستها فى تحويله إلى مسخ لآخر فى مخيلتها.. لا يمت إليه بصلة ولا لعصره الذى وجد فيه.. ولا حتى لعصور كثيرة ممتدة تسبقه.. وعانت هى الأخرى من فشلها فى مهمتها .. ورعايتها لطفل غريب عنها وعن تكوينها وزمانها ومكانها.. كما تعبت من تمثيل دور الأم الذى لا تحسه.. ولا يلمس أوتار قلبها ومشاعرها.. وملت كلمات الحب الزائفة التى كانت تمطره بها لحظات توهمها الرضا...
اتفرغ لنفسى بقى.. كفاية كده" قالتها المرأة لنفسها وهى تمط شفتها السفلى وتمد عنقها إلى الأمام غير مكبالية بشىء...
توالت الأيام على المرأة وهى مرتاحة لغياب الطفل لدى أسرة أبيه.. راقت لها فكرة التحنيط أكثر .. فكرت أن تعيد الكرة مع مخلوق آخر..لكن ماذا تختار؟ بدت متحيرة.. بطة أم أوزة أم عنزة؟ هى لا تملك ثمن العنزة.. هى تريد مخلوقا لطيفا ولا يكون مكلفا...
" ماذا يكون المحنط القادم؟ البطة .. نعم هى البطة" جلست تتمتم فى نفسها.
إنها محنطة بإتقان .. كأنها مازالت على قيد الحياة.. من أين أتتها هذه المهارة فى هذا العلم؟ كيف اكتشفت موادة ولم يزل سره يحير علماء الأرض؟
لغز هى نحير.. فمن هى؟ لا أحد يدرى غير أنها امرأة ريفية بسيطة تخطو فوق عامها الخامس والعشرين .. هجرها زوجها ملالة وانسل الابن خلفه مقتفياً آثاره...
مرت أيام كثيرة أخرى.. هبت بأعماق المرأة رياحاً باردة.. حملت لها بعض الحنين للصغير.. تمنت لو يدخل عليها الآن.. تضع له طعاماً يتمرد عليه ويدق رجله بالأرض.. أوحشتها البراءة فى وجهه وأفعاله...
قطع عليها أمنياتها فجأة صوت ما .. طرقات طفولية غير منتظمة على الباب تصدرعن يد دقيقة.. تهيأ لها أنه هو أتى ملبياً فى التو.. وغاضت كل أمنياتها وتهيؤاتها بمجرد أن فتحت الباب...
" ادخلى يا سلمى.. تعالى يا حبيبتى" قالت وهى تبتلع ريقها.
" قطتى وقعت من السطح عندكم فى البيت" قالت الصغيرة باكية.
أشارت إليها بأن تأخذها من الداخل متمنية للقطة السلامة.. غابت البنت بين الغرف والدهاليز الممتدة عبر البيت الكبير.. ثم عادت منفطرة من البكاء...
تناست المرأة كل شىء.. لم يعد يشغلها الآن سوى حكاية سلمى بنت الجيران والقطة التى ماتت.. قررت بينها وبين نفسها أنها ستكون المحنط القادم...
" كفاية عياط بقى يا سلمى.. خلى القطة وروحى انتى دلوقت يا حبيبتى .. وتعالى بعدين لكى هدية حلوة عندى" قالت المرأة وهى تربت على ظهر الصغيرة المنتحبة.. ثم دخلت تلك الحجرة بأعماق البيت البيت الريفى الكبير...
ذاعت قصة سلمى وقطتها فى البلدة والقرى المجاورة.. توافد الأطفال على المرأة لتمنحهم فرصة الاحتفاظ بحيواناتهم وطيورهم التى يحبونها ولم يكتب لها العمر الطويل...
بلغ سعادة المرأة بهذا العمل غايتها.. أخيراً اهتدت إلى ذاتها التائهة.. هى الآن راضية تماما عن وجودها.. لم تعد تذكر شيئاً عن منغصاتها مطلقاً وهى تقوم بهدا العمل للأطفال والجارات أيضاً بغرض تزيين بيوتهن المتواضعة بهذه المخلوقات المحنطة...
وجدت المرأة السلوى والعزاء عن غربتها فى هذا العالم.. لم تكن طامحة لأى شىء من وراء هذا العمل سوى تلك الراحة النفسية العظيمة التى تشعر بها وهى تقوم به...
وبمرور الزمن وتعاقب السنين.. تضاءلت الأحداث وتلاشت آثارها.. تقازمت الأخبار وانتفى تأثيرها.. انطمست دروب أدمت قدميها زمناً طويلاً.. وانمحت شخوص وحوادث من ذاكرتها.. وشيئا شيئاً جلب لها هذا العمل أموالاً كثيرة تبرعت بها مع كر السنين أولاً بأول لأوجه الخير.. إلا ما يكفى حاجتها الضرورية فقط...
وإلى جانب هذا كان لها شطحاتها المثيرة للدهشة والتساؤل.. فهى عليمة بكل شىء.. تفسر كل الظواهر وتفك كل الطلاسم.. حتى تلك المنقوشة على الأحجار العتيقة المنحدرة من عصور سحيقة.. تصف الأدوية وتعالج الأمور المختلفة بحكمة غير معهودة.. لديها الحل لكل المحن والأزمات التى تمر بها البلاد.. تتكلم فى السياسة.. الطب.. علم النفس.. المنطق.. الفلسفة..الاقتصاد.. الفن ...
تنقش ببراعة تلك النقوش الفرعونية الموجودة على جدران المعابد والمقابر.. تزين بها الحوائط والأشياء لديها.. تصنع تماثيل صغيرة من المواد المختلفة بدقة الفنان المصرى القديم...
تعشق الشعر وترتجله فى كل حين.. وتذوب عشقا فى مصر .. ثراها.. نيلها.. شمسها .. هواها...
" لا أحد يعرف مصر أو يحبها مثلى!" تقول فى كل لحظة.
مضى الشباب بالمرأة وئيداً إلى الكهولة.. ومنها سريعاً إلى الشيخوخة.. وأسرع إلى ما يشبه الخرف...
ضمر جسمها حتى صار مثل عود القصب الممصوص.. ولم تزل غريبة كما هى منذ أن عرفها الناس ودرجت بينهم...
تناقل الناس لسنوات بعدها قصة فاطمة..تلك المرأة الريفية التى عاشت وماتت دون أن يعلم أحد على وجه الدقة حكليتها.. بجوفهاسر دامت على مر الأيام تحتضنه.. حقيقة باتت تسكنها.. إيمان كامل عاش العمر يغمرها.. هاتف يناديها ويسمعها.. صورة ترتسم أمام عينيها فى النهار جلية.. ملكة فرعونية كانت تحكم الوجه البحرى فى زمن مضى أسمها روبيتا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق