الخميس، 23 أبريل 2009

حكاية كل عاشق- قصة قصيرة


لم تكن المرة الأولى التى يشم فيها الجيران هذه الرائحة الكريهة جداً.. النى تنبعث من الشقة الكائنة بالدور الأرضى .. لكن الرائحة لم تعد تُحتمل...
وما ان قامت الشرطة باقتحام الشقة حتى تبين للجميع ما وراء هذه الرائحة.. ذهل الجميع من هول المفاجأة...
" مستحيل.. مستحيل!" صاحت الجارة بالشقة المقابلة.
علا الضجيج واللغط ودوت صيحات الرفض فى سماء المكان.. كست الوجوه جميعها الدهشة والعجب...
"المهندس محمد!!" همهم زوج الجارة بالشقة المقابلة غير مصدق.
" جارك؟" سأل ضابط المباحث.
" هو صديق الجار صاحب الشقة" قال الرجل مذهولاً لم يزل.
فى شقة متوسطة عاش المهندس الشاب حياة عادية مع أسرته الصغيرة.. لكنه لم يكن إنساناً عادياً كأى إنسان يأتى الوجود ويغادره دون أن يترك بصمة أويدرى به أحد .. الزوجة غاضبة دائماً بسبب اهتمامه باختراعه الذى يشغله أكثر من أى شىء فى الحياة حتى بيته وأولاده...
زادت المشاحنات بين الزوجين لدرجة لم يعد يُجدى معها أى تفاهم.. الزوجة تطلب الطلاق.. والزوج يرحب جداً.. كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد...
غادرت الزوجة البيت تاركة وراءها عشرة أعوام من المشاكل والخلافات وابنتين توءم جاوزتا الثمانية أعوام وصغير ابن الثالثة مع أسرة أبيهم...
" أخيراً هتفرغ لاختراعى العظيم.. كلها خطوات بسيطة ويكتمل" قالها الزوج متنفساً الصعداء.
مرت الأيام وهو عاكف على استكمال ما تبقى من خطوات ..اندمج فى تجسيد الحلم الذى سكن جوانحه على مدى خمسة عشر عاماً .. نسى خلالها كل شىء.. تغيب عن عمله وتكرر الغياب .. لم يُفاجأ بقرار فصله .. المهم هو الاختراع.. والاختراع فقط.. اختراع قد يغير وجه الحياة لو تم تنفيذه...
" وجدتها..وجدتها!" صاح فجأة بأعلى صوت.
الآن فقط أصبح الحلم حقيقة ملموسة.. ها هو الاختراع قد اكتمل إلا خطوة واحدة تعتبر منتهية..ها هو النموذج الأولى يمكن تجريبه...
ثلاثة آلاف جنيه هى كل ما تبقى لتجسيد آخر مفردات الحلم الرائع.. بسيطة.. مؤكد بسيطة.. لكن من أين له بهذا المبلغ فهو على بساطته لم يعد بإمكان الرجل تدبيره.. فقد أنفق كل ما يملك على هذا الاختراع .. لم يعد لديه ما يبيعه...
تلاشت ابتسامته سريعاً.. وانطفأت شمس الفرح على وجهه.. عادت قسماته إلى سيرتها الأولى حزينة حائرة...
فجأة طرقع بإصبعية " فكرة مدهشة .. كيف غابت عنى" قالها وقد عادت قسمات وجهه للانبساط الطارىء مرة أخرى...
جمع أفكاره وأوراقه وحمل حلمه الكبير بين أضلعه.. انطلق مسرعاً إلى الجهة الوحيدة بالبلد المختصة بتنمية الابتكار والاختراع بدأ يشرح باستفاضة تفاصيل اختراعه وإثبات صحة نظريته بالأدلة والبراهين...
وكانت الصدمة التى لم تكن فى الحسبان .. فقد اكتشف أن الذى كلف بمناقشة الاختراع معه لا يعدو عن كونه مجرد فنى غير مختص...
جعل هذا الفنى يستحثه ألا يطيل فى الكلام والشرح .. كان يتعجل فى انهاء الحوار بصورة غريبة كالذى يود الذهاب فورا إلى دورة المياة ولم يستطع السيطرة على أمعائه الممغوصة...
" الفكرة غير صحيحة علمياً" قالها الفنى وهو على بُعد خطوات من صاحب الحلم الكبير.
ترنح المهندس الشاب من هول الصدمة.. وتلك اللامبالاة البشعة التى عومل بها من فنى غير
مختص ولا مسئول..لكنه تماسك حتى آخر لحظة.. حاول إقناع الفنى هذا بصحة النظرية وأهمية الاختراع.. إلا أنه أصر على كلامه وهو يواصل خطوه بعيداً...
" اختراعك مرفوض يا أستاذ" قال الفنى حاسماً قبل أن تبتلعه غياهب المكان ولم يعثر له المخترع على أثر.
توالت الأحداث مأساوية فى حياة الرجل وبدا فى أسوأ حال.. عرفت الهلاوس والخيالات الغريبة طريقها إلى رأسة.. بدأ يحدث نفسه كثيراً .. يصيح.. يصرخ فى وجه الدنيا لاعناً العقول العقيمة والغباء...
تمت تصفية الشركة الاشتثمارية التى التحق للعمل بها منذ ثلاثة أشهر فقط.. وجد نفسه يفقد عمله للمرة الثانية.. لم تكن مجرد أحزان عادية هذه المرة لأنه فقد كل شىء قبل أن يفقد عمله.. ودون تفكير ابتلع كمية كبيرة من سم الفئران حتى يتخلص من كل آلامه...
" ابنى.. ابنى!" صرخت الأم .
وفى لحظات تجمع الأهل والجيران داخل الشقة ونقلوه إلى المستشفى.. تعافى المهندس الشاب شيئاً شيئاً.. ثاب إلى رشده وآب إلى الله نادماً على ما بدر منه وهو غير مدرك.. استغفر ملياً على استجابته لدعوة الشيطان الرجيم فى لحظة ضعف لم يحتملها وعزم ألا يعود لمثلها أبداً...
حاول الرجل استئناف حياته بعيداً عن الماضى.. عكف على وضع اللمسات الأخيرة لكتاب كان قد ألفه من قبل عن الهندسة فى القرآن الكريم...
انتهى أخيراً من كتابه الضخم .. توالت عليه الفكرة وطال احتجابه عن العالم الخارجى.. والنتيجة رائعة بكل المقاييس.. فالحصيلة عشرة كتب قيمة فى مختلف فروع الحياة.. بدأ على الفور فى اتخاذ كافة الإجراءات التى تثبت حقه الأدبى أمام الجهات المعنية فى انتظار الإجازة والنشر...
لكنه وعلى الرغم من هذا كله لم يستطع وأد حلمه القديم .. مؤمن هو لم يزل بهذا الاختراع .. متأكد تماما من صدق نظريته...
سيارة تدور بالهواء المضغوط ترحم البشر من هذا التلوث الجاثم على نفوسهم ويخترق صدورهم فى كل لحظة.. شاهدها كل جيرانه وهى تتحرك على أرض الواقع مسافة تسعة أمتار أثناء التجريب...
" يا ناس .. يا عالم.. أليس هذا كفيلاً بإثبات أن الفكرة المبنى عليها الاختراع صحيحة علمياً؟! فقط جربوا أم أن قتل ملكات الإبداع هواية لديكم؟ تباً للغباء والعقول العقيمة المتحجرة!" قال محدثاً نفسه فى هياج شديد.
عاودته الهلاوس والخيالات..ألح به حلمه القديم لدرجة كادت تذهب بعقله كليةً..عاود محاولاته مرة أخرى آملاً فى أن يرى اختراعه النور..طرق أبواباً عديدة لكن أحداً لم يهتم.. عاوده اليأس المرير وزادت هلاوسه وخيالاته المرعبة.. تدهورت حالته النفسية...
أضحى الرجل فى حالة إعياء شديد.. يبحث عن مُسكِّنْ لآلامه دون جدوى.. كل شىء بات يجلب له التعاسة والانكسار.. يود لو يطير إلى السماء هرباً من كل شىء.. وفى لحظة مجنونة أحكم الشيطان فيها قبضته اللعينة على تفكيره اختار ألا يكون...
طلب من صديقه مفتاح شقته المغلقة للاستجمام والراحة من هذا العناء الذى يفتك به ويحطم أعصابه...
وبعيداً عن العيون تناول سم الفئران للمرة الثانية.. لكن بكمية أكبر كثيراً من المرة الأولى.. ليرحل فى هدوء كما خطط ودبر...
" لو أنهم أعطوه الفرصة لحظيت البلاد بالريادة فى اختراع فريد من نوعه لرجل عبقرى لن يتكرر.. رفض بشدة الاستجابة لنصيحة البعض بعرض ابتكاره على جهات أجنبية والحصول على مبالغ طائلة وشهرة لم يحلم بها يوما ومكانة أعلى وأبعد مما يستطيع أن يصل خياله" تمتم صديقه المهندس صاحب الشقة باكياً متحسراً.
" بلدى أولى بى" كان رد المهندس الراحل على الدوام.
" وها قد قتلتك بلادك يا بطل!!" انفرجت شفتا الصديق بابتسامة مذبوحة وجد مرها فى حلقه وتمتم مهزوماً مكسوراً.. بينما أمر الضابط بإحالة الجثة للطب الشرعى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق