الاثنين، 20 أبريل 2009

سيدى المبروك - قصة قصيرة


يجنْ الليل ويفرد السكون عباءته على القرية الصغيرة.. فتوصد أبواب المنازل بالضبة والمفتاح.. وحينما تهدأ الحركة تماماً على الطرقات ويتلاشى كل صوت.. يتسلل ذلك الرجل النحيل ذو السحنة المريبة والملابس الرثة عبر السكون.. يسترق السمع بين الدروب ومتى يطمئن إلى خلو الليل إلا منه وبعض الكلاب الضالة التى لا يُخشى منها الفتن أو الاعتراف عليه والأخذ بشهادتها...
يبدأ فى التو رحلته الليلة المعتادة.. يجوس منقباً خلال الديار.. يهرول مسرعاً إلى أول نافذة ينبعث منها بعض خيوط الضوء الرقيق تلوح لعينيه.. الداغشتين على الدوام...
يلتصق بالجدار أسفل النافذة المغلقة.. يرهف السمع فترة ثم يسرع إلى نافذة أخرى وثالثة ورابعة.. هكذا يقضى ليله حتى يدركة النهار .. ويعود وقد اتخمت جعبته بأسرار الليل...
يعلو الضحى فتلكزه زوجته مغتاظة.. تحثه على النهوض بحثاً عن أكل العيش من دون فائدة.. تبكى الزوجة الشابة المغلوبة على أمرها وهى تجتر ذكريات زواجها به.. عاشت العمر تؤمن بذلك المثل الغبي القائل " ضل راجل ولا ضل حيطة".. لكنها الآن آمنت مما لا يدع مجالاً للشك بأن ظل الحائط أكرم مليون مرة من رجل مثله بلا ظل...
تمسح المسكينة دموعها يأساً من جدوى الكلام والندم وتخرج تبحث عن لقمة عيشها هنا وهناك.. وتعود مع رحيل الشمس تحمل بعض اللقيمات تسد بها رمقها ورمق المجحوم كما تطلق علية...
وذات مساء عادت الزوجة بلقيماتها كالعادة.. لكن الزوج لم يكن نائماً كعادته فى كل اليوم .. صاحت الزوجة المرهقة مزلزلة الأرض تحت أقدامه وأقدام المرأة الجالسة فى مقابلته تهمس دون انقطاع...
فجأة قامت المرأة مسرعة تطوى شيئاً فى يدها وتدسه فى صدرها.. بينما أطبقت يدها الأخرى على بعض النقود وضغطتها فى يده ثم انصرفت مهرولة...
" هو انتى لسة مفهمتيش يا ام مخ تخين .. يا عبيطة دا كنز وانفتح لنا" قال الزوج طائراً من الفرحة.
تملك الضحك من الزوجة الثائرة قبل قليل بشكل هستيرى .. لم تستطع معه السيطرة على أعصابها...
" انت .. انت .. خلى الكلام ده تضحك بيه على حد غيرى" قالت بصوت متقطع وهى تضحك بنفس الطريقة حتى هوت إلى الأرض.
تغير وجه الرجل النحيل ذو السحنة المريبة رث الثياب.. طوح بيده فى الهواء وهو يحاول عبثاً اقناع زوجته بأنه مبروك ومكشوف عنه الحجاب .. لكنه كان يُخفى عنها حاله لأن الأسياد أمروه بذلك.. وأن هذا هو سبب غيابه عن البيت طول الليل .. وكان السبب أيضاً فى فشله فى أى عمل يقوم به.. فالأسياد لم يكونوا راضيين عن أى عمل آخر سوى الذى رأته بعيني رأسها الآن...
" هيه دى كل الحكاية.. تصدقى ما تصدقيش انت حرة" صاح راسماً علامات الغضب على وجهه.
" يا ناس.. ياهوووه.. حد يدينى عقله.. إزاى بس يا عالم" صرخت المرأة بجنون.
خرج الرجل إلى حال سبيلة بينما بقيت الزوجة مبهوتة فى مكانها.. كان الليل قد أرخى سدوله على القرية الصغيرة.. وشيئاً شيئاً اختفى وقع الأقدام من على الطرقات .. وبعد وقت يسير سكن كل فى بيته ينعم بدفء الأسرة فى ليالى الشتاء الطويلة.. بينما بدأ الرجل المبروك رحلته الليلة بين الأزقة والدروب...
وفى الصباح أتت ذات السيدة مرة أخرى مبتهجة.. تكاد ترقص فرحاً .. تنم أسارير وجهها المنبسطة عن سعادة بالغة...
" هو فين سيدى المبروك.. والنبى لابعتله كل الحبايب" قالت المرأة بصوت جهورى وهى تضع سلة كبيرة مليئة بكل ألوان الخيرات.. وضغطت يدها فى يدها مرة أخرى فى يده وهى تغمز بطرف عينها " حلاوتك يا سيدى المبروك.. حاجة كده على قد الحال.. والنبى ما انت كاسفنى".. بينما تضرب الزوجة فيها بكفها ذهولاً...
" مش قولتلك .. صدقتى بقى؟" جعل يقول ووجهه يتفتق فرحاً.. وتلعثمت الزوجة فلم تستطع أن تنطق بكلمة...
مرت الأيام وعمرت بالزوار الدار المعروشة بالقش والمكونة من غرفة واحدة وباحة صغيرة مسورة بأعواد قش الذرة...
ومرت الشهور الطوال والرجل مريب السحنة رث الثياب مشغول بزواره ونفحاتهم التى انتفخ منها جيبه وكرشه.. وامرأته مبهوتة لم تزل...
وفى ليلة قمراء خرج الرجل جامع الأسرار الليلية كعادته.. وتحت نافذة مواربة وقف لصق الحائط يجمع أسراره فى شغف ونهم...
فجأة علت الأصوات خلف النافذة نصف المغلقة .. تطورت الهمهمات الهادئة الودودة إلى كلمات ثقيلة ضجرة.. مستاءة غضبى.. خرج على إثرها الرجل إلى الصالة الكبيرة لاعناً كل إمرأة نكدية فى الوجود.. وبينما ينفث دخان سيجارته بطريقة عصبية سمع صرخاتها تشق السكون...
كانت صرخاتها قد لملمت النيام من كل حدب وصوب.. لم يفلح فى الفرار عبر الدروب والأزقة والذوبان كفص الملح فى الماء مثل كل مرة فأمسكوا به.. وقد بدا وجهه واضحاً تماماً تحت ضوء القمر الذى كان فى ليلة تمامه.. يتباهى بحسنه بين نجوم السماء...
هبط الجميع بيد رجل واحد فأوسعوه ضرباً هم يرددون " شىء لله يا سيدى المبروك.. بركاتك يا سيدى المبروك!".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق