
كانت مفاجأة مذهلة عندما رأته وهى مارة بجوار مسج الإمام الحسين بالمصادفة.. تسمرت قدمها.. لم تصدق عينيها عندما عكست لها صورته.. لكنها تعرفه جيداً.. تغير مطهره العام كثيرا.. لكن ملامحه نفس الملامح لم تزل.. غريب الأطوار هو الآن حقاً.. لكنه هو .. لا يمكن أم تكون مخطئة...
يرتدى جلباباً أبيض وعمامة خضراء.. يمسك بيده مسبحة طويلة بها حبات كثيرة .. يتمتم بكلمات غير مفهومة.. كأنه شخص آخر تماما غير الذى تعرفه.. لكنه هو...
" أستاذى.. أستاذى" اقتربت حثيثا ولم تجد منه ردا أو اهتماما.. روادها احساس للحظة بأنها قد تكون مخطئة بالفعل.. اتهمت ذاكرتها بالوهن والخرف.. حاولت أن تعبره وتتناسى الأمر.. لكنها فى نفس اللحظة عادت مصرة أكثر من ذى قبل أنه هو...
" أستاذى" همست من جديد.
" تقصديننى يا ابنتى؟" التفت إليها فى هدوء شديد.
غزتها فرحة عارمة ممزوجة بحزن عميق.. الصوت هو الصوت.. لكن ماذا جرى؟
"نعم أقصدك أستاذى محمد" لملمت شتات نفسها هامسة.
" أنا عبد الله يا ابنتى".
" ألست الأستاذ محمد الصحفى الكبير والأديب المبدع؟" تغيرت ملامحها متسلءلة.
" سامحك الله يا ابنتى.. الكبير هو الله.. والمبدع هو الله" قال مستنكرا.
" بل أنت هو.. أنا متأكدة" قالت مصرة بحزم.
" وهل فى الدنيا حقيقة واحدة أكيدة سوى الموت .. وهل أنت متأكدة من ذاتك ؟ هل أنت أنت حقاً؟ أم أنك غيرك؟" قال مطأطأ رأسه فى خضوع وانكسارلم يكن يعرفه من قبل.
هز رأسه وتمتم بكلمات لم تفهمها.. وهمَّ بتحويل وجهته راجياً إياها أن تدعه وشأنه فلا حاجة له بتلك المهاترات التى لم يعد يتسع صدره لها.. مكرراً دعاءه لها بالهداية مرات...
انصرف تاركا مشاعرها مذبوحة.. تئن بين جوانحها الآهات..تجول بخاطرها السنين.. عادت بها الذكريات إلى الوراء كثيراً.. أيام كانت طالبة بالثانوية العامة بالبلدة الصغيرة.. كان يخطو أولى خطواته على طريق النجاح والشهرة بعد أن ترك البلدة ورحل إلى معشوقته قاهرة المعز.. وجهة كل أبناء الأقاليم الموهوبين...
لم يكن الفارق بينهما فى السن يتعدى السنوات العشر.. جمعهما عشق الصحافة والأدب.. والإيمان بنفس القضايا والمبادىء.. قرأت كل ما كان يكتبه.. واحتفظت بكل أعداد الجريدة التى تحترمها وتقدس رسالتها.. والتى نمنت أن تعمل بها بعد تخرجها...
تدربت تحت إشرافه فى نفس الجريدة أثناء دراستها بالكلية.. لكن القدر لم يسمح لها بتحيق بقية الأمنية الغالية...
عملت بجريدة منشأة حديثاً صارت قلعة صحفية بمرور الوقت.. كان أول موضوع لها فى تلك الجريدة هو حوار معه بمناسبة حصول روايته الأولى على جائزة رفيعة من الجامعة الأمريكية...
حوار وصفه الجميع بأنه رائع.. لفت أنظار القراء إليها.. وكان سبباً فى إرساء قواعدها بتلك الجريدة الجديدة...
شعرت بدمعات ملتهبة تلسع خديها.. شعلة حماس هو كان.. تمنت لو تصبح شرارة واحدة منها.. زهرة دائمة العبير والرونق...
تنبهت وإذا به قد تبخر من المكان.. وكل المخزون الشعورى لديها يؤكد أنه هو.. كل التفاهم والتواصل الروحى يصرخ "هو" .. كل الروابط الإنسانية النبيلة تنادى من أعماق سحيقة " هو"...
"كيف هانت عليه نفسه؟ كيف هانت رسالته السامية التى ترك بلدتنا الجميلة من أجلها؟ كيف خمدت به شعلة الحماس؟ كيف خبا توهج الإبداع؟ كادت تفتك بأعصابها الحيرة والتساؤلات...
" نحن لم نُخلق عبثاً.. لابد أن هنلك ما خُلقنا من أجله..وليس أعظم من أن يحدد المرء هدفاً يسعى جاهداً لتحقيقه.. وينتمى لشىء يموت لأجله.ز وإلا فما جدوى الحياة إذن؟!" طنت بأذنها تلك الكلمات التى قالها فى ذلك الحوار البعيد واتفع رجعها لدرجة لم تعد تحتملها.. بينما تدور بقية الحوار غير مرتبة فى مخيلتها...
تذكرت آخر مرة حدثته فيها وكانت عبر الهاتف.. كان وقتها بصدد الانتهاء من روايته الجديدة..
وكان عام مضى على إغلاق الجريدة التى كان يؤدى رسالته من خلال منبرها.. كان محبطاً جداً.. حزيناً جداً...
حزن من نوع غريب لم تألفه فيه أبداً.. حتى عندما سجن كان يبدو سعيداً راضيا عن تلك الضريبة التى يدفعها فى سبيل إيمانه بمبادئه...
لم يكن وقف الجريدة عن الصدور هو قضيته بقدر ما تساءل لمَ؟
لمَ تُصادر صحيفة؟ لمً تقصف أقلام؟ لمَ تعطل طاقات؟ لمَ تُكتم أصوات؟!
لم يقبل عرضاً واحدا من العروض التى انهالت عليه لصالح صحف أخرى.. اعتزل الصحافة واعتزل الناس.. اعتزل كل شىء فىالحياة حتى القلم والأوراق...
مزق كل أعماله الأدبية التى فى طور النضج .. ليبقى رصيده الأدبى متوقفاً على رواية وحيدة ومجموعة قصصية وحيدة أيضاً...
مر وقت طويل بعدها ولمحته بالمصادفة فى إحدى الندوات الأدبية.. لكنها لم تحادثه طويلاً لانشغالها فى تغطية الندوة.. وذاب كل منهما وسط الزحام بمجرد تبادل السلام والتساؤلات السريعة عن الصحة والأحوال...
علمت من زميل لها حضر الندوة منذ البداية أنه تمت مناقشة روايته ضمن الأعمال تحت الطبع.. وتنبأ المتحدثون أنها ستكون حدثاً مميزاً له صداه الواسع فى الأوساط الأدبية.. فهى تأريخ أدبى راقً لفترة مهمة جداً من تاريخ الوطن الحديث...
أخذتها دوامة الحياة.. ونسيت هذا اليوم كما نسيت أياماً وأناساً وأشياء كثيرة .. الآن فقط تذكرت كل شىء...
" ولكن ماذا حدث؟ هل مُنعت روايته من النشر؟ هل صودرت؟ هكذا فى الخفاء دون أن يعلم احد؟ هل هذا ممكن؟" تساءلت فى نفسها دون أن تحظى بإجابة...
الإجابة لديه فقط.. ولكن أين ذهب؟!
تلفتت حولها فى كل اتجاه.. اصطدمت عيناها على بُعد أمتار قليلة بهيئته .. كان قد انضم إلى جماعة من الدراويش يلبسون نفس الجلباب ويمسكون ذات المسبحة.. تحلق الجمع وعلا ضجيجه منذ فترة.. لكنها لم تفطن لهم...
أخذ الجميع يصفق ويطيح برأسه فى الهواء يميناً ويساراً.. يرددون كلمات وأشعاراً غريبة...
وجدت نفسها غارقة فى بحر اللاجدوى.. لم يكن أمامها إلا المضى إلى حيث كانت تريد قبل أن تقع عينها عليه.. وبخطوات كسيحة بدأت تبتعد عن المكان .. وفى ذهنها تدور أحداث روايته الوحيدة " أرض الله" .. تتجسد أمام عينيها صورة بطلها الفيلسوف المثقف الذى انتهى به المطاف إلى مجذوب يركب حصاناً من الحطب ويدور هائماً على وجهه فى البلاد...
يرتدى جلباباً أبيض وعمامة خضراء.. يمسك بيده مسبحة طويلة بها حبات كثيرة .. يتمتم بكلمات غير مفهومة.. كأنه شخص آخر تماما غير الذى تعرفه.. لكنه هو...
" أستاذى.. أستاذى" اقتربت حثيثا ولم تجد منه ردا أو اهتماما.. روادها احساس للحظة بأنها قد تكون مخطئة بالفعل.. اتهمت ذاكرتها بالوهن والخرف.. حاولت أن تعبره وتتناسى الأمر.. لكنها فى نفس اللحظة عادت مصرة أكثر من ذى قبل أنه هو...
" أستاذى" همست من جديد.
" تقصديننى يا ابنتى؟" التفت إليها فى هدوء شديد.
غزتها فرحة عارمة ممزوجة بحزن عميق.. الصوت هو الصوت.. لكن ماذا جرى؟
"نعم أقصدك أستاذى محمد" لملمت شتات نفسها هامسة.
" أنا عبد الله يا ابنتى".
" ألست الأستاذ محمد الصحفى الكبير والأديب المبدع؟" تغيرت ملامحها متسلءلة.
" سامحك الله يا ابنتى.. الكبير هو الله.. والمبدع هو الله" قال مستنكرا.
" بل أنت هو.. أنا متأكدة" قالت مصرة بحزم.
" وهل فى الدنيا حقيقة واحدة أكيدة سوى الموت .. وهل أنت متأكدة من ذاتك ؟ هل أنت أنت حقاً؟ أم أنك غيرك؟" قال مطأطأ رأسه فى خضوع وانكسارلم يكن يعرفه من قبل.
هز رأسه وتمتم بكلمات لم تفهمها.. وهمَّ بتحويل وجهته راجياً إياها أن تدعه وشأنه فلا حاجة له بتلك المهاترات التى لم يعد يتسع صدره لها.. مكرراً دعاءه لها بالهداية مرات...
انصرف تاركا مشاعرها مذبوحة.. تئن بين جوانحها الآهات..تجول بخاطرها السنين.. عادت بها الذكريات إلى الوراء كثيراً.. أيام كانت طالبة بالثانوية العامة بالبلدة الصغيرة.. كان يخطو أولى خطواته على طريق النجاح والشهرة بعد أن ترك البلدة ورحل إلى معشوقته قاهرة المعز.. وجهة كل أبناء الأقاليم الموهوبين...
لم يكن الفارق بينهما فى السن يتعدى السنوات العشر.. جمعهما عشق الصحافة والأدب.. والإيمان بنفس القضايا والمبادىء.. قرأت كل ما كان يكتبه.. واحتفظت بكل أعداد الجريدة التى تحترمها وتقدس رسالتها.. والتى نمنت أن تعمل بها بعد تخرجها...
تدربت تحت إشرافه فى نفس الجريدة أثناء دراستها بالكلية.. لكن القدر لم يسمح لها بتحيق بقية الأمنية الغالية...
عملت بجريدة منشأة حديثاً صارت قلعة صحفية بمرور الوقت.. كان أول موضوع لها فى تلك الجريدة هو حوار معه بمناسبة حصول روايته الأولى على جائزة رفيعة من الجامعة الأمريكية...
حوار وصفه الجميع بأنه رائع.. لفت أنظار القراء إليها.. وكان سبباً فى إرساء قواعدها بتلك الجريدة الجديدة...
شعرت بدمعات ملتهبة تلسع خديها.. شعلة حماس هو كان.. تمنت لو تصبح شرارة واحدة منها.. زهرة دائمة العبير والرونق...
تنبهت وإذا به قد تبخر من المكان.. وكل المخزون الشعورى لديها يؤكد أنه هو.. كل التفاهم والتواصل الروحى يصرخ "هو" .. كل الروابط الإنسانية النبيلة تنادى من أعماق سحيقة " هو"...
"كيف هانت عليه نفسه؟ كيف هانت رسالته السامية التى ترك بلدتنا الجميلة من أجلها؟ كيف خمدت به شعلة الحماس؟ كيف خبا توهج الإبداع؟ كادت تفتك بأعصابها الحيرة والتساؤلات...
" نحن لم نُخلق عبثاً.. لابد أن هنلك ما خُلقنا من أجله..وليس أعظم من أن يحدد المرء هدفاً يسعى جاهداً لتحقيقه.. وينتمى لشىء يموت لأجله.ز وإلا فما جدوى الحياة إذن؟!" طنت بأذنها تلك الكلمات التى قالها فى ذلك الحوار البعيد واتفع رجعها لدرجة لم تعد تحتملها.. بينما تدور بقية الحوار غير مرتبة فى مخيلتها...
تذكرت آخر مرة حدثته فيها وكانت عبر الهاتف.. كان وقتها بصدد الانتهاء من روايته الجديدة..
وكان عام مضى على إغلاق الجريدة التى كان يؤدى رسالته من خلال منبرها.. كان محبطاً جداً.. حزيناً جداً...
حزن من نوع غريب لم تألفه فيه أبداً.. حتى عندما سجن كان يبدو سعيداً راضيا عن تلك الضريبة التى يدفعها فى سبيل إيمانه بمبادئه...
لم يكن وقف الجريدة عن الصدور هو قضيته بقدر ما تساءل لمَ؟
لمَ تُصادر صحيفة؟ لمً تقصف أقلام؟ لمَ تعطل طاقات؟ لمَ تُكتم أصوات؟!
لم يقبل عرضاً واحدا من العروض التى انهالت عليه لصالح صحف أخرى.. اعتزل الصحافة واعتزل الناس.. اعتزل كل شىء فىالحياة حتى القلم والأوراق...
مزق كل أعماله الأدبية التى فى طور النضج .. ليبقى رصيده الأدبى متوقفاً على رواية وحيدة ومجموعة قصصية وحيدة أيضاً...
مر وقت طويل بعدها ولمحته بالمصادفة فى إحدى الندوات الأدبية.. لكنها لم تحادثه طويلاً لانشغالها فى تغطية الندوة.. وذاب كل منهما وسط الزحام بمجرد تبادل السلام والتساؤلات السريعة عن الصحة والأحوال...
علمت من زميل لها حضر الندوة منذ البداية أنه تمت مناقشة روايته ضمن الأعمال تحت الطبع.. وتنبأ المتحدثون أنها ستكون حدثاً مميزاً له صداه الواسع فى الأوساط الأدبية.. فهى تأريخ أدبى راقً لفترة مهمة جداً من تاريخ الوطن الحديث...
أخذتها دوامة الحياة.. ونسيت هذا اليوم كما نسيت أياماً وأناساً وأشياء كثيرة .. الآن فقط تذكرت كل شىء...
" ولكن ماذا حدث؟ هل مُنعت روايته من النشر؟ هل صودرت؟ هكذا فى الخفاء دون أن يعلم احد؟ هل هذا ممكن؟" تساءلت فى نفسها دون أن تحظى بإجابة...
الإجابة لديه فقط.. ولكن أين ذهب؟!
تلفتت حولها فى كل اتجاه.. اصطدمت عيناها على بُعد أمتار قليلة بهيئته .. كان قد انضم إلى جماعة من الدراويش يلبسون نفس الجلباب ويمسكون ذات المسبحة.. تحلق الجمع وعلا ضجيجه منذ فترة.. لكنها لم تفطن لهم...
أخذ الجميع يصفق ويطيح برأسه فى الهواء يميناً ويساراً.. يرددون كلمات وأشعاراً غريبة...
وجدت نفسها غارقة فى بحر اللاجدوى.. لم يكن أمامها إلا المضى إلى حيث كانت تريد قبل أن تقع عينها عليه.. وبخطوات كسيحة بدأت تبتعد عن المكان .. وفى ذهنها تدور أحداث روايته الوحيدة " أرض الله" .. تتجسد أمام عينيها صورة بطلها الفيلسوف المثقف الذى انتهى به المطاف إلى مجذوب يركب حصاناً من الحطب ويدور هائماً على وجهه فى البلاد...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق