
منتصف الليل فى القرية الكبيرة.. الجميع مستغرق فى النوم بعد يوم عمل شاق كالعادة.. تسترهم جدران وأبواب وتحجب عنهم تقلبات شتاء الصحراء القارس...
الآلات والمعدات الزراعية رابضة أمام المنازل فى سلام.. تشق سكون الليل بين الفينة والفينة صيحات الطيور والحيونات الأليفة بالحظائر.. ثم يعود الليل البهيم إلى هدوئه التام لحظة تلاشى أصداء هذه الصيحات من آذان الكون...
قجأة فزع النيام على صراخ حاد مصدره منزل الحاج نوفل كبير القرية ومؤسسها.. هرع الأهالى دون تفكير إلى هناك فاصطدمت فطرتهم الطيبة بوجوه غليظة وقلوب ميتة...
" كله يثبت مكانه.. أى حركة هنضرب فى المليان" أشهر البلطجية أسلحتهم الآلية فى تلك الوجوه المسالمة فتراجعت زعراً.. وتتابعت طلقات نارية مدوية فى سماء القرية...
فرغ البلطجية من تقيد أفراد الأسرة وضربهم ضرباً مبرحا أمام نسائهم وأطفالهم.. ثم أسرعوا إلى أسرة مجاورة...
" انتم مين وعاوزين ايه؟" قال رب الأسرة الفلاح البسيط مرتجفاً.
ضربه أحد البلطجية بهراوة فى يده فترنح برهة ثم سقط مغشياً عليه.. سحله البلطجى ذو العضلات المفتولة عدة أمتار.. وبمطواة قرن غزال شج وجهه خفيفا ثم ثبتها على عنقه.
" عرفت احنا مين دلوقت؟" قال البلطجى ساخراً .
توسل الرجل إليهم أن يتركوه من أجل أولاده الصغار وسوف ينفذ كل ما يأمرون به.. ويقبل أيديهم وأرجلهم أيضاً.. وبعد عذاب طويل وافق البلطجية أن يتركوه مقابل ألا يريهم وجه مدى الحياة..
ولم يكّذّب المسكين خبراً وفر هارباً بأسرته التى كادت تفقده الليلة إلى بلدته التى أتى منها...
" أصل الفلاحين دول ناس عبط وبيخافوا من خيالهم.. اللى بعده" قال أحدهم بينما كانوا يغطون فى ضحكات عالية وقحة.
وكمحكوم عليه بالإعدام أفلت من حبل المشنقة جعل الرجل الذى أصابه الدور يمسك بتلابيب أولاده الأربعة وزوجته المريضة وانطلق كالريح فى أرض الله الواسعة...
وفى ظل حائط جانبى لمنزل مجاور توارت امرأة تحتضن صغيريها مذعورة.. لم يتنبه لها البلطجية لولا سعلة مكتومة ندت عن طفلها الأصغر.. وكانت سببا فى رسم لوحات سريالية على ظهورهم جميعاً بقيت لفترة طويلة جداً بعدها شاهداً على تلك الوحشية والبشاعة...
لم يكن من رادع فى تلك الليلة لهؤلاء البلطجية.. الذين يعيثون فى القرية فساداً ولم يملك أهلها المغلوبين على أمرهم سوى البكاء الحار والألم .. والدعاء عليهم من أعماق قلوبهم المحترقة بالدمار والهلاك...
فى الخفاء تسلل رجل أو رجلان لإبلاغ الشرطة والإسعاف لإنقاذ المصابين.. بينما بقى الآخرون مضرجون بدمائهم.. لا أمل لهم فى النجاة إلا بمعجزة من الله عز وجل...
خلَّف البلطجية القرية وراءهم كوم تراب كأن لم تكن بالأمس.. أو هى عادت لسيرتها الأولى صحراء قاحلة يفر منها العفريت...
زهور بريئة جميلة ذبلت قبل الآوان.. لم يبق منها سوى عيون زائغة مذعورة وأجساد نحيلة مرتعشة تخشى كل ما يقترب منها.. هذا أيضاً ما أبقاه البلطجية فى أطفال تلك القرية المنكوبة..والذين تجرعوا مرارة التشرد مع ذويهم مبكرا جداً...
دوت سرينات سيارات الشرطة فى سماء المنطقة بأسرها وفى دقائق انتشرت القوات بالمكان.. تقدم البلطجية بكل بجاحة مشرعين أسلحتهم الآلية فى وجه الجميع بما فيهم نائب المأمور الذى يقود القوات.. وأمام هذا الإرهاب السافر لم ينزل نائب المأمور من سيارته وأمر القوات بمغادرة الموقع فى الحال حتى لا يتعرضوا لوابل من الرصاص كما قرأ فى عيون البلطجيةالتى يتطاير منها الشرر...
" اركب سيارتك بسرعة" قال نائب المأمور للابن الأكبر لعم نوفل.. أستاذ الجامعة الذى جاء من المدينة الكبيرة بعد تلك الأحداث للوقوف إلى جوار والده المسن وأسرته والدفاع عن حقوقهم...
تململ الابن أستاذ الجامعة قليلاً فجذبه نائب المأمور بقوة بعد أن هجم عليه البلطجية وكادوا يمزقوه إرباً...
اختفى الركب البوليسى من المنطقة فى لحظات يُشيعه البلطجية بعدد لا يُحصى من الأعيرة النارية التى مزقت سماء القرية.
وفى مكتب المأمور جلس أستاذ الجامعة مشوشاً غير مصدق.. طلب من المأمور استدعاء قوة كافية من المديرية لردع هؤلاء البلطجية...
" اهدأ يا دكتور فالقانون سيأخذ مجراه" قال المأمور مهدئاً الرجل.
" أى قانون ياسيادة العقيد؟ فهم يعتبرون أنفسهم فوق هذا القانون الذى تتحدث عنه" كان رد أستاذ الجامعة على الفور.
" لا أحد فوق القانون" قالها المأمور وهو يتمنى فى قرارة نفسه أن يحدث هذا الذى يقوله ذات يوم .. وألا يكون هناك أحداً فوق القانون حقاً مهما كان.. حتى ولو كان من هؤلاء الكبار الذين أرهبوا هؤلاء الآمنين وروعوا أطفالهم.. وطمسوا بين عشية وضحاها قرية بأكملها من على خريطة الوطن.. تنبه المأمور على صوت الأستاذ يحدثه وتيقن أنه فاته سماع كلام كثير قد قاله...
مرت الأيام والشهور وطوى الإهمال صفحة تلك القرية ولم يملك أهلها مجبرين إلا حذفها تماماً من ذاكرتهم رعباً من المصير المحتوم إذا ما جرؤوا على تذكرها...
لكن عم نوفل بقى على عهده القديم .. يأبى إلا أن يذكرها مهما كلفه ذلك.. حتى ولو يدفن تحت أنقاضها.. ورغم علمه بأنهم يطلقون النار عشوائياً على كل من يقترب من المنطقة.. إلا أنه لا يحرص كثيراً على ما تبقى من عمره.. هو يعلم أنه لم يعد به الكثير.. ولم يعد يرحب بالمزيد من الأيام مادامت على نفس الشاكلة...
وعلى مشارف القرية المدكوكة وقف عم نوفل تائهاً يعصره الحزن.. تسمر بالأرض رافعاً هامته كأنه نخلة باسقة .. لا تقدر أية ريح على اقتلاعها...
شيخ هو جاوز السبعين من عمره.. بصمات السنين على وجهه تشهد بأنه مكافح.. يفخر بكونه فلاح ينتمى لهذا الوطن.. لكنه الآن متعجباً من هذا الزمان الردىء.. رافضاً المزيد من مفاجآته السخيفة.. مضرباً عن كل شىء فى الحياة.. حتى الكلام...
جعل يقلب ناظريه بين الأطلال متألماً.. يتمنى لو أنه مات قبل هذا وكان نسياً منسياً.. بينما هو شارد خارج حدود إدراكه جلدت خده المتغضن بعض الدمعات الحامية...
تذكر بروية مشوار حياته الطويل.. اجتر سنوات عمره التى لا يكاد يحصيها.. والتى انطوت فى الكفاح والشقاء...
سنوات طويلة مضت على ذلك اليوم الذى قرر فيه الخروج من الوادى الضيق ونزح إلى هذه المنطقة الجرداء.. باع كل ما يملك وترك بلدته وجيرانه وكله أمل فى مستقبل أفضل لابنائه وأحفاده...
تذكر أيضاً كلام ابنه الأستاذ بكلية الزراعة عندما حاول أن يثنيه عن هذه الخطوة موضحاً له أن كلام الحكومة ما هو إلا كلام فى الهواء وفض مجالس لا أكثر...
لكنه ظل مصراً على عزمه رغم كل شىء.. جاء وأسرته وحدهم إلى هنا.. ثم دعا بعد ذلك أخوه وأسرته.. ثم توالت الأسر وكبرت الرقعة المستصلحة والمنزرعة...
تراصت فى نظام بديع بيوت عديدة صارت بعد ذلك قرية كبيرة.. منتجة متعاونة .. ودارت الأيام ومرت السنون الطوال والكل هنا يشكر لعم نوفل تلك الدعوة التى حولت حياتهم للأفضل بالقطع.. رغم كل المعوقات التى واجهتهم و رغم تنصل المسئولين عن وعودهم وتخليهم حتى عن أبسط كلامهم.. لكنهم تحملوا بمنتهى الشهامة والرجولة عناء المشوار كاملاً حتى تحقق الحلم واخضرت الأرض الجدبى عزيزة الماء...
كل ذلك لاح لعم نوفل وهو يقف بالأطلا ل وقوف شحيح ضاع فى الترب خاتمه.. رافضاً بكل ما يملك التفريط فى شقاء السنين.. وفى لحظة قرر أن يهلك دونه...
" قف عندك" قال الخفير المكلف بالحراسة.
" وهل ترانى جارياً" قال عم نوفل غير مكترث.
وبلهجة تنم عن بعض الغباء المتأصل فى شخصيتة سأله الخفير بحدة من هو؟ وكيف أتى إلى هنا؟ وكيف لم يخف من رصاصه؟!
" أنا صاحب كل هذه الأرض" أجاب عم نوفل متحسراً.
وبنفس الغباء اتهمه الخفير بأنه عجوز مخرف.
" عيب تشتم رجل فى سن والدك يا خفير الغبرا" قال عم نوفل.
ازداد الغباء حدة لدى الخفير وامتزج ببعض التهور فأشهر سلاحه فى وجه العجوز مهددا إياه إذا لم يتكلم بأدب...
لاحت على شفتي العجوز شبه ابتسامة مريرة.. وقد بدت علامات الحكمة والرزانة عليه دون افتعال.. فقد أُتيح له قدر من التعليم والثقافة فى الصغر كعادة أهل الريف القدامى .. تطور معه هذا القدر بمحاذاة سنوات عمره وخبرته الطويلة فصار كنزاً يفوق فى قيمته كل الكنوز والثروات...
" يا ابنى.. الغبراء يعنى الأرض.. وأنت خفير على هذه الأرض.. إذن أنت خفير الغبراء.. صح؟" قال عم نوفل شارحاً...
صمت خفير الغبراء حائراً لما يبدو فى كلام العجوز من الجدية.. قد يكون الصواب وهو لا يدرى فهو لم يُتح له مثقال ذرة من تعليم أو ثقافة ولا يعرف الألف من الكوز الذرة...
" لا تغضب منى يا ابنى فأنت فى سن أولادى" ابتدر العجوز قائلاً بعد فترة صمت جرت بينهما.
" ولكن من أنت بحق يا عم" سأل الخفير بنبرة أكثر هدوءاً تنطوى على بعض الود الوليد لهذا العجوز الحكيم.
" قلت لك أنا صاحب الأرض دى وما كذبت عليك" قال عم نوفل مؤكدا ومصراً.
" تقصد انك اللى بعتها للبشوات؟؟ سأل الخفير مستفسراً.
وأجاب عم نوفل بأنه لم يبعها ولم يفكر فى يوم من الأيام أن يفرط فيها ولو بكنوز الأرض ولكنهم اغتصبوها منه ومن بقية أصحابها...
" سامحنى يا عم!" قال الخفير مطأطأّ رأسه خجلاً.
" وما ذنبك يا ولدى؟ أنت عبد المأمور" قال العجوز صادقاً.
تضاعف خجل الخفير الذى أمره أسياده بالضرب فى المليان حال اقتراب أى شخصمن المنطقة مهما كان.. حمد الله كثيراً أنه لم ير عم نوفل وهو قادم...
" ليتك رأيتنى وأرحتنى من هذه الحياة" تمتم فى نفسه عم نوفل والذى استشف مكنون الرجل وقرأ بوضوح ما اجتهد فى عدم البوح به.
أرخى الصمت سدوله مرة أخرى على الرجلين.. بينما حلَّق غراب أبقع فى سماء القرية الخراب دوى نعيقه فى أعماق العجوز وزلزل كيانه.
" عدلك يا رب!" علا صوت العجوز حتى كاد يغيب.
وبنبرة مستعطفة منكسرة وجدت طريقها فى التو إلى قلب الخفير رجاه عم نوفل مستغلاً تأثره هذا الذى لا يُسمن ولا يُغنى من جوع أن يرحم من رصاصه هؤلاء الغلابة أصحاب الأرض المنكوبة والبيوت المدمرة .. لو مرة ضلت أقدامهم الطريق وجاءوا يبكون الأطلال وينعون حظهم العسر.
انتحى العجوز جانباً .. سار بلا هدى .. حطت به قدماه على أنقاض بيته المقوض.. فجلس ساكناً يجتر ذكريات السنين الطوال من جديد.
الآلات والمعدات الزراعية رابضة أمام المنازل فى سلام.. تشق سكون الليل بين الفينة والفينة صيحات الطيور والحيونات الأليفة بالحظائر.. ثم يعود الليل البهيم إلى هدوئه التام لحظة تلاشى أصداء هذه الصيحات من آذان الكون...
قجأة فزع النيام على صراخ حاد مصدره منزل الحاج نوفل كبير القرية ومؤسسها.. هرع الأهالى دون تفكير إلى هناك فاصطدمت فطرتهم الطيبة بوجوه غليظة وقلوب ميتة...
" كله يثبت مكانه.. أى حركة هنضرب فى المليان" أشهر البلطجية أسلحتهم الآلية فى تلك الوجوه المسالمة فتراجعت زعراً.. وتتابعت طلقات نارية مدوية فى سماء القرية...
فرغ البلطجية من تقيد أفراد الأسرة وضربهم ضرباً مبرحا أمام نسائهم وأطفالهم.. ثم أسرعوا إلى أسرة مجاورة...
" انتم مين وعاوزين ايه؟" قال رب الأسرة الفلاح البسيط مرتجفاً.
ضربه أحد البلطجية بهراوة فى يده فترنح برهة ثم سقط مغشياً عليه.. سحله البلطجى ذو العضلات المفتولة عدة أمتار.. وبمطواة قرن غزال شج وجهه خفيفا ثم ثبتها على عنقه.
" عرفت احنا مين دلوقت؟" قال البلطجى ساخراً .
توسل الرجل إليهم أن يتركوه من أجل أولاده الصغار وسوف ينفذ كل ما يأمرون به.. ويقبل أيديهم وأرجلهم أيضاً.. وبعد عذاب طويل وافق البلطجية أن يتركوه مقابل ألا يريهم وجه مدى الحياة..
ولم يكّذّب المسكين خبراً وفر هارباً بأسرته التى كادت تفقده الليلة إلى بلدته التى أتى منها...
" أصل الفلاحين دول ناس عبط وبيخافوا من خيالهم.. اللى بعده" قال أحدهم بينما كانوا يغطون فى ضحكات عالية وقحة.
وكمحكوم عليه بالإعدام أفلت من حبل المشنقة جعل الرجل الذى أصابه الدور يمسك بتلابيب أولاده الأربعة وزوجته المريضة وانطلق كالريح فى أرض الله الواسعة...
وفى ظل حائط جانبى لمنزل مجاور توارت امرأة تحتضن صغيريها مذعورة.. لم يتنبه لها البلطجية لولا سعلة مكتومة ندت عن طفلها الأصغر.. وكانت سببا فى رسم لوحات سريالية على ظهورهم جميعاً بقيت لفترة طويلة جداً بعدها شاهداً على تلك الوحشية والبشاعة...
لم يكن من رادع فى تلك الليلة لهؤلاء البلطجية.. الذين يعيثون فى القرية فساداً ولم يملك أهلها المغلوبين على أمرهم سوى البكاء الحار والألم .. والدعاء عليهم من أعماق قلوبهم المحترقة بالدمار والهلاك...
فى الخفاء تسلل رجل أو رجلان لإبلاغ الشرطة والإسعاف لإنقاذ المصابين.. بينما بقى الآخرون مضرجون بدمائهم.. لا أمل لهم فى النجاة إلا بمعجزة من الله عز وجل...
خلَّف البلطجية القرية وراءهم كوم تراب كأن لم تكن بالأمس.. أو هى عادت لسيرتها الأولى صحراء قاحلة يفر منها العفريت...
زهور بريئة جميلة ذبلت قبل الآوان.. لم يبق منها سوى عيون زائغة مذعورة وأجساد نحيلة مرتعشة تخشى كل ما يقترب منها.. هذا أيضاً ما أبقاه البلطجية فى أطفال تلك القرية المنكوبة..والذين تجرعوا مرارة التشرد مع ذويهم مبكرا جداً...
دوت سرينات سيارات الشرطة فى سماء المنطقة بأسرها وفى دقائق انتشرت القوات بالمكان.. تقدم البلطجية بكل بجاحة مشرعين أسلحتهم الآلية فى وجه الجميع بما فيهم نائب المأمور الذى يقود القوات.. وأمام هذا الإرهاب السافر لم ينزل نائب المأمور من سيارته وأمر القوات بمغادرة الموقع فى الحال حتى لا يتعرضوا لوابل من الرصاص كما قرأ فى عيون البلطجيةالتى يتطاير منها الشرر...
" اركب سيارتك بسرعة" قال نائب المأمور للابن الأكبر لعم نوفل.. أستاذ الجامعة الذى جاء من المدينة الكبيرة بعد تلك الأحداث للوقوف إلى جوار والده المسن وأسرته والدفاع عن حقوقهم...
تململ الابن أستاذ الجامعة قليلاً فجذبه نائب المأمور بقوة بعد أن هجم عليه البلطجية وكادوا يمزقوه إرباً...
اختفى الركب البوليسى من المنطقة فى لحظات يُشيعه البلطجية بعدد لا يُحصى من الأعيرة النارية التى مزقت سماء القرية.
وفى مكتب المأمور جلس أستاذ الجامعة مشوشاً غير مصدق.. طلب من المأمور استدعاء قوة كافية من المديرية لردع هؤلاء البلطجية...
" اهدأ يا دكتور فالقانون سيأخذ مجراه" قال المأمور مهدئاً الرجل.
" أى قانون ياسيادة العقيد؟ فهم يعتبرون أنفسهم فوق هذا القانون الذى تتحدث عنه" كان رد أستاذ الجامعة على الفور.
" لا أحد فوق القانون" قالها المأمور وهو يتمنى فى قرارة نفسه أن يحدث هذا الذى يقوله ذات يوم .. وألا يكون هناك أحداً فوق القانون حقاً مهما كان.. حتى ولو كان من هؤلاء الكبار الذين أرهبوا هؤلاء الآمنين وروعوا أطفالهم.. وطمسوا بين عشية وضحاها قرية بأكملها من على خريطة الوطن.. تنبه المأمور على صوت الأستاذ يحدثه وتيقن أنه فاته سماع كلام كثير قد قاله...
مرت الأيام والشهور وطوى الإهمال صفحة تلك القرية ولم يملك أهلها مجبرين إلا حذفها تماماً من ذاكرتهم رعباً من المصير المحتوم إذا ما جرؤوا على تذكرها...
لكن عم نوفل بقى على عهده القديم .. يأبى إلا أن يذكرها مهما كلفه ذلك.. حتى ولو يدفن تحت أنقاضها.. ورغم علمه بأنهم يطلقون النار عشوائياً على كل من يقترب من المنطقة.. إلا أنه لا يحرص كثيراً على ما تبقى من عمره.. هو يعلم أنه لم يعد به الكثير.. ولم يعد يرحب بالمزيد من الأيام مادامت على نفس الشاكلة...
وعلى مشارف القرية المدكوكة وقف عم نوفل تائهاً يعصره الحزن.. تسمر بالأرض رافعاً هامته كأنه نخلة باسقة .. لا تقدر أية ريح على اقتلاعها...
شيخ هو جاوز السبعين من عمره.. بصمات السنين على وجهه تشهد بأنه مكافح.. يفخر بكونه فلاح ينتمى لهذا الوطن.. لكنه الآن متعجباً من هذا الزمان الردىء.. رافضاً المزيد من مفاجآته السخيفة.. مضرباً عن كل شىء فى الحياة.. حتى الكلام...
جعل يقلب ناظريه بين الأطلال متألماً.. يتمنى لو أنه مات قبل هذا وكان نسياً منسياً.. بينما هو شارد خارج حدود إدراكه جلدت خده المتغضن بعض الدمعات الحامية...
تذكر بروية مشوار حياته الطويل.. اجتر سنوات عمره التى لا يكاد يحصيها.. والتى انطوت فى الكفاح والشقاء...
سنوات طويلة مضت على ذلك اليوم الذى قرر فيه الخروج من الوادى الضيق ونزح إلى هذه المنطقة الجرداء.. باع كل ما يملك وترك بلدته وجيرانه وكله أمل فى مستقبل أفضل لابنائه وأحفاده...
تذكر أيضاً كلام ابنه الأستاذ بكلية الزراعة عندما حاول أن يثنيه عن هذه الخطوة موضحاً له أن كلام الحكومة ما هو إلا كلام فى الهواء وفض مجالس لا أكثر...
لكنه ظل مصراً على عزمه رغم كل شىء.. جاء وأسرته وحدهم إلى هنا.. ثم دعا بعد ذلك أخوه وأسرته.. ثم توالت الأسر وكبرت الرقعة المستصلحة والمنزرعة...
تراصت فى نظام بديع بيوت عديدة صارت بعد ذلك قرية كبيرة.. منتجة متعاونة .. ودارت الأيام ومرت السنون الطوال والكل هنا يشكر لعم نوفل تلك الدعوة التى حولت حياتهم للأفضل بالقطع.. رغم كل المعوقات التى واجهتهم و رغم تنصل المسئولين عن وعودهم وتخليهم حتى عن أبسط كلامهم.. لكنهم تحملوا بمنتهى الشهامة والرجولة عناء المشوار كاملاً حتى تحقق الحلم واخضرت الأرض الجدبى عزيزة الماء...
كل ذلك لاح لعم نوفل وهو يقف بالأطلا ل وقوف شحيح ضاع فى الترب خاتمه.. رافضاً بكل ما يملك التفريط فى شقاء السنين.. وفى لحظة قرر أن يهلك دونه...
" قف عندك" قال الخفير المكلف بالحراسة.
" وهل ترانى جارياً" قال عم نوفل غير مكترث.
وبلهجة تنم عن بعض الغباء المتأصل فى شخصيتة سأله الخفير بحدة من هو؟ وكيف أتى إلى هنا؟ وكيف لم يخف من رصاصه؟!
" أنا صاحب كل هذه الأرض" أجاب عم نوفل متحسراً.
وبنفس الغباء اتهمه الخفير بأنه عجوز مخرف.
" عيب تشتم رجل فى سن والدك يا خفير الغبرا" قال عم نوفل.
ازداد الغباء حدة لدى الخفير وامتزج ببعض التهور فأشهر سلاحه فى وجه العجوز مهددا إياه إذا لم يتكلم بأدب...
لاحت على شفتي العجوز شبه ابتسامة مريرة.. وقد بدت علامات الحكمة والرزانة عليه دون افتعال.. فقد أُتيح له قدر من التعليم والثقافة فى الصغر كعادة أهل الريف القدامى .. تطور معه هذا القدر بمحاذاة سنوات عمره وخبرته الطويلة فصار كنزاً يفوق فى قيمته كل الكنوز والثروات...
" يا ابنى.. الغبراء يعنى الأرض.. وأنت خفير على هذه الأرض.. إذن أنت خفير الغبراء.. صح؟" قال عم نوفل شارحاً...
صمت خفير الغبراء حائراً لما يبدو فى كلام العجوز من الجدية.. قد يكون الصواب وهو لا يدرى فهو لم يُتح له مثقال ذرة من تعليم أو ثقافة ولا يعرف الألف من الكوز الذرة...
" لا تغضب منى يا ابنى فأنت فى سن أولادى" ابتدر العجوز قائلاً بعد فترة صمت جرت بينهما.
" ولكن من أنت بحق يا عم" سأل الخفير بنبرة أكثر هدوءاً تنطوى على بعض الود الوليد لهذا العجوز الحكيم.
" قلت لك أنا صاحب الأرض دى وما كذبت عليك" قال عم نوفل مؤكدا ومصراً.
" تقصد انك اللى بعتها للبشوات؟؟ سأل الخفير مستفسراً.
وأجاب عم نوفل بأنه لم يبعها ولم يفكر فى يوم من الأيام أن يفرط فيها ولو بكنوز الأرض ولكنهم اغتصبوها منه ومن بقية أصحابها...
" سامحنى يا عم!" قال الخفير مطأطأّ رأسه خجلاً.
" وما ذنبك يا ولدى؟ أنت عبد المأمور" قال العجوز صادقاً.
تضاعف خجل الخفير الذى أمره أسياده بالضرب فى المليان حال اقتراب أى شخصمن المنطقة مهما كان.. حمد الله كثيراً أنه لم ير عم نوفل وهو قادم...
" ليتك رأيتنى وأرحتنى من هذه الحياة" تمتم فى نفسه عم نوفل والذى استشف مكنون الرجل وقرأ بوضوح ما اجتهد فى عدم البوح به.
أرخى الصمت سدوله مرة أخرى على الرجلين.. بينما حلَّق غراب أبقع فى سماء القرية الخراب دوى نعيقه فى أعماق العجوز وزلزل كيانه.
" عدلك يا رب!" علا صوت العجوز حتى كاد يغيب.
وبنبرة مستعطفة منكسرة وجدت طريقها فى التو إلى قلب الخفير رجاه عم نوفل مستغلاً تأثره هذا الذى لا يُسمن ولا يُغنى من جوع أن يرحم من رصاصه هؤلاء الغلابة أصحاب الأرض المنكوبة والبيوت المدمرة .. لو مرة ضلت أقدامهم الطريق وجاءوا يبكون الأطلال وينعون حظهم العسر.
انتحى العجوز جانباً .. سار بلا هدى .. حطت به قدماه على أنقاض بيته المقوض.. فجلس ساكناً يجتر ذكريات السنين الطوال من جديد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق