
رويداً رويدا تحسست يد الرضيع الممسكة بطرف ثوبها.. قبَّلتها وهى تضعها إلى جواره وتُحكم الغطاء حول جسده الرقيق برفق.. وسريعا سريعاً انتزعت جسدها من حضن الدفء.. لملمت جدائلها الحريرية بلون الليل وأخفتها تحت عصابة رأسها المنزلقة على الوسادة...لم تعد تتحسس تلك الجدائل الطويلة التى طالما انفلتت متمردة على غطاء الرأس الذى يحجب كل جمالها.. كأنها تخشى أن تنبت بذرة الأنوثة بداخلها من جديد بعد أن نسيتها تماماً...أسرعت توقظ الشمس كعادتها فى كل يوم .. فتحت باب البيت الريفى الصغير المعروش بالقش فى وجه الرزق.. طافت بالعليق والبرسيم على بقرتها السلوب وعنزتها وصغيريها.. وأسرعت إلى دواجنها...وقفت إلى جوار البقرة تملس عليها وتربت على ظهرها.. تعتذر لها عن حرمانها من صغيرها وتبكى القدر الذى جعلها شريكة فى المسئولية والحمل الثقيل...انزوت فى ركن الحظيرة تلملم البيض وهى مسكونة بالألم .. وصورة صغير البقرة الذى كُتب عليه أن يكون ضحية الحاجة والعوز...دارت يمنة ويسرة بين أرجاء البيت المنقوع فى الصقيع.. قطرات الندى تتساقط كحبات اللؤلؤ من اطراف القش الرابض على سطح المنزل والمتدلى على جوانبه.. تعشق هى التقاط تلك الحبات فى كفيها.. عادة قديمة لا تجد لها مبررا.. فقط تجلب لها بعض الراحة النفسية.. مرتبطة لديها بسنوات الطفولة البريئة.. كانت توقظها أمها قبل الشمس لتدربها على مسئولياتها القادمة.. وكانت تتسلل من خلفها.. تتنقل بين أشجار الكافور والجازورينا الشاهقة أمام المنزل.. الذى يتوسط جرن كبير على رأس الحقل.. والمزروعة منذ زمن يفوق عمر أبيها وأمها معاً...تجمع تلك الحبات اللؤلؤية الجميلة فى كفيها الصغيرتين.. فتبلل وجهها وملابسها.. وشيئاً شيئاً تغزو جسدها الطفولى رعشة عارضة فتبدو كالعصفور بلله المطر...تهرب لائذة بالأشعة الفضية القادمة من أطراف السماء.. لتفترش كومة الحطب القابعة فى أقصى يسار الجرن.. تنعكس الأشعة المتلألئة على ملابسها ووجهها الأبيض المستدير كقرص الشمس الناهض لتوه من المهد...لمعت بعينيها الخضراوين التى لم تستطع الأحزان ولا الدموع أن تنال من لونهما البديع. بقايا حنين عالقة بدمعتين سقطتا فجأة دون أن تدرى." عليك العوض ومنك العوض يارب!" هزت رأسها وزفرت آهة طويلة ملتهبة.عادت منهمكة فى شئون بيتها.. انحدرت إلى منخفض بشاطىء الترعة تسقى البقرة.. أنهت طقوسها الصباحية اليومية المعتادة.. ولم تزل الشمس متكاسلة فى مهدها.. كأنها تنتوى الاحتجاب هذا اليوم .. بيد أنها لم تستطع التنبؤ بنواياها تحديداً رغم خبرتها بمثل هذه الأحوال.. فسماء أمشير لا تبوح بأسرارها ومفاجآتها لأحد.. وعلى الجميع توقع أى شىء.. إنه أمشير...لاحت أصابعها تتحسس شتلات شجيرات الفاكهة التى ستخرج بها إلى السوق اليوم.. وهى تحلم بأن ترى أولادها الخمسة وقد عبرت بهم بر الأمان واستقر كل منهم فى حياته..." ساعتها بس أكون أديت رسالتى!" أغمضت عينيها وهى تهمس ضاغطة على كل حرف.تنبهت على دفء قبلة هادئة طبعها على يديها التى تجوس خلال الأغصان أول شعاع للشمس.. دخلت مسرعة توقظ الأبناء...تحرك أحمد ابن السادسة عشر والطالب بالصف الثانى الثانوى بمجرد أن لمسته يدها الحانية.. المترددة...كأنه يؤكد لها مجدداً أنه رجل قادر على تحمل المسئولية الثقيلة التى تركها والده منذ أكثر من عامين ونصف العام..." تقيل حملك قوى يا احمد.. كان بدرى عليك كل ده يا بنى" همست متألمة وهى ذاهبة لتعد طعام الإفطار..." على عينى بهدلتك دى يا حبيبى.. سامحنى يانور عينى!" أردفت منفجرة بالبكاء...ارتفع اللبن فى القدر المرفوع على النار معلناً استعداده للاستقرار بين ثنايا الخبز المجزأ .. ليذوبا سويا فى فم الأسرة كالعادة فى كل يوم...دار همس معتاد مختلطاً بوصايا للصغار فى غيابها.. أمسكت بأذن محمود ابن الثانية عشر تحذره من التلكؤ واللعب بعد انتهاء موعد المدرسة.. بينما أعطت سعد ابن التاسعة مصروفه هو وأخيه الخائب محمود وأوصته به.. ثم ربتت على ظهر وردة بنت السابعة التى أجلستها اليوم من المدرسة لترعى أخاها الرضيع حتى تعود...عادت الأم الشابة التى لم تتجاوز الحادية والثلاثين من عمرها إلى حديثها مع ابنها البكرى أحمد.. والذى اصبح منذ وفاة والده الابن والصديق والأخ.. العزوة والسند والأمان.. تزوجت صغيرة جداً كعادة أهل الريف وأنجبته وهى تكاد نكون طفلة.. لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها.. كبر معها وكبرت معه...وضع أحمد شتلاته فى صندوق السيارة نصف النقل وقد أجلس أمه فى الكبينة إلى جوار السائق.. ثم قفز فوق حافة الصندوق إلى جوار شتلاته الجميلة يقبل يده من الوجهين.. حمداً لله أن أثمر جهدهم وأتت تلك القراريط القليلة التى يستأجرونها بهذا الحصاد الذى لا بأس به.. فصاحب الأرض رجل غليظ ولا يستوعب أنه لا حيلة فى الرزق...مضت السيارة ببطء شديد على الطريق الترابى الطويل الملىء بالحفر والقلاقل.. عبرت الجسر شبه المتهدم الموصل إلى الطريق الرئيسى المؤدى إلى السوق الأسبوعى بالبلدة الكبيرة على بُعد عدة كيلومترات...فترة طويلة مرت لم تر وجهها الأبيض النضير فى المرآة.. لكنها مازالت تتذكر ملامحه جيدا.. ليس هو أبداً الذى تراه أمامها الآن فى مرآة السيارة التى اصطدمت بها عيناها فجأة وهى تعتدل فى جلستها.. تحسست بيدها ذلك الوجه الذابل.. الباهت.. الغريب عليها..." ياااه.. معقول دا وشك يا سعدية؟!" همست فى نفسها فى دهشة بالغة.وجه ذابل وعينان غائرتان لم يبق من حسنهما القديم سوى ذلك اللون الأخضر العميق الثابت ثبوت اليقين رغم عواصف الأحزان والدموع.. وبريق منطفئ فى عمق الأحداق يبنئ عن سحرٍ دفينٍ هنا ..كان..." الله يرحمك يا عبد القادر.. روحت وخدت الدنيا الحلوة معاك!" همست فى نفسها متنهدة..تقاطر الدمع على خديها دون أن تدرى...اجترت ذكرياتها مع الزوج الراحل.. الغالى عليها قدر روحها التى شبَّت على حنانه ودفء رفقته.. تتمنى لو يرى ابنهما الأصغر الذى وُلد بعد رحيله بخمسة أشهر.. إنه يشبهه تماماً وأسمته على اسمه أيضاً.. ظل الدمع يجرى على خديها بينما هى ساهمة غارقة فى الحنين لم تزل.. فجأة صرخت بأعلى صوت.. ظلت تصرخ وتصرخ.. وتصرخ...انحرفت السيارة إلى أقصى اليمين.. استقرت على حافة الترعة بعد أن صدمها جرار زراعى يجر مقطورة كبيرة محملة بمحصول البنجر...
أمطرت سماء أمشير حزناً.. نبت الألم فى قلوب أهل القرية.. تصاعد النحيب والبكاء من كل دار.. خرج الكبار والصغار يشيعون جنازة أحمد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق