تسللت بعض أشعة شمس آذار من خلف حُجب الغمام الكثيف الناشر عباءته على الكون .. ليمنح البلدة الصغيرة بعض الدفء إلى حين تُعلن السماء احتجاجها على ذلك الطواطؤ وتصب جام غضبها على الجميع...نادت الأم على زوجة ابنها وابنتها العروس .. التى حصلت على شهادتها المتوسطة فى العام الماضى وتنتظر يوم زفافها الذى سوف يحين فى موسم الحصاد بعد أسابيع قليلة.. جعلت الأم تستحثهما للإسراع بالانتهاء من إعداد الطعام قبل عودة الرجال من الحقل.. لتناول وجبة الغداء بعد صلاة الظهر التى حانت الآن...
تسمع زوجة الابن الشابة صراخ رضيعها المتواصل .. المختلط بنداءات الأم تدعوها لترك ما بيدها.. وأن تأتى من فورها للصغير.. فتهرول مسرعة لتلبى تلك الدعوات المتتالية.. تلتقط صغيرها بلهفة من جحر الجدة...
بينما تناولها الجدة الصغير سمعتا انفجارا مدويا بإحدى درجات السلم الخرسانى بجانبهما.. هرعتا إلى الشارع مذعورتين.. تمسك كل منهما طرفاً من الصغير.. وقبالة المنزل وقفتا مذهولتين ترقبان مع الجيران مع مايحدث.. مال البيت المكون من ثلاثة طوابق مترين إلى الأمام .. ثم إلى الخلف .. ثم هبط الدور الثانى ليحل محل الدور الأول الذى ابتلعته الأرض عن آخره بكل ما فيه من أثاث فى لحظات...
انتابت الجميع حالة من الفزع الشديد.. وقبل أن يفيقوا كانوا قد قرروا ترك منازلهم المجاورة فى التو ودون أن يحددوا المأوى البديل...
ظل الجميع يرقب فى ذهول ما قد يطرأ من تداعيات.. وتوافدت جموع الناس من القرى المجاورة فور سماعهم هذا الحدث العجيب الذى انتشر خبره بسرعة البرق...
بينما انتشرت قوات الأمن حول المنزل .. وتوالت اللجان الفنية للمعاينة .. من جهات معلومة وأخرى مجهولة.. وثالثة بين بين.. وأخذ مندبو ومراسلو الصحف يدسون أنفهم فى كل الأمور.. حتى التى لا تتعلق بالحادث مطلقا.. فى حين انزوى مندوب جريدة معارضة بمجموعة ممن توسم فيهم الحماس اللامبرر لأية قضية...
" كله من الحكومة .. لو كان المواطن يهمها فعلا كانت تعمل كشف دورى على المنازل لتلافى مثل هذه الكوارث.. لكن المواطن أرخص شىء فى هذا البلد" همس المندوب المعارض فى شبه وشوشة ...
" والله عندك حق يا أستاذ.. مفيش أرخص من كده" رد مؤازراً أحد المتاخمين بنفس الوشوشة.
فى حين تبدى شاب ساذج يزعم أنه صحفى .. ويتباهى ببطاقة انتمائه لجريدة إقليمية من إياهم .. ولا يعلم أنه لو أظهرها لكانت قائده إلى السجن من أوسع أبوابه...
وفى صورة كاريكاتورية التصق كل مندوب من الصحف القومية بمسئول ما يدون تصريحاته.. واستجابته الفورية لحظة العلم بالحادث.. بينما لازمت محررة الحوادث فى صحيفة قومية كبيرة الضباط الموجودين بالمكان.. أسرعت تلملم صور كبارهم لترصهم فيما بعد جنبا إلى جنب على صفحة جريدتها وإلى جوارها أو فوقها أو تحتها أحلى كلام...
اكتظ المكان بالناس وضج طيلة الوقت بالتخمينات والتحليلات ومصمصة الشفاة.. تداخل اللغط وتمازجت الهمهمات.. فتعالى ما يشبه ترنيمات فرعونية فى طقس غير مفهوم..
خمن بعضهم أنه قد يكون بفعل الجن.. فى حين رفض البعض الآخر هذا القول واعتبروه تخاريف سذج ومجاذيب.. وجزمت طائفة بأن البيت قديم جدا.. وأكدت أخرى بأنه بنى بطريقة خاطئة.. بينما لم يجد تأكيد الجيران المقربين بأن البيت حديث البناء وليس به أية عيوب فنية.. وأرجأ البعض سبب النحس إلى رقم ثلاثة.. فى حين ردت الأغلبية السبب إلى غضبة مفاجئة من الأرض على أصحابها...
"وهل تغضب الأرض؟ ربما.. ولمَ لا؟ مؤكد عندما لا يعجبها حال مَن فوقها" هكذا تساءل نفر.. وهكذا برر آخرون...
تنبهت الأم التى تكومت منهكة الذهن خائرة القوى إلى جوار جدار قريب.. تتابع ما آل إليه حال بيتها.. ومن حولها الجارات يهدئن من روعها...
" بنتى .. بنتى!!" تصرخ المرأة بلا انقطاع .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق