
مزدحمةٌ هى محطة المترو كعادتها دائما.. الكل يروح ويغدو فى عجالة.. لا وقت لديهم للابتسام .. أو حتى للبشاشة.. ربما هى مشاكل الحياة التى زجت بهم داخل هذا الإطار الكئيب...
دفعها هذا المشهد إلى استرجاع حلمها الجميل .. الساذج " مدينة فاضلة.. وأناس فاضلون" .. ذاك الحلم الذى يسكنها منذ أدركت الحياة ووعيت مفرداتها...
وبرغم خروجه إلى حيز اللاشعور إلا أنه ينشط بين الحين والآخر.. يسيطر على كل مشاعرها وحواسها.. مستغلاً لحظات تعود فيها إلى طبيعتها.. تتقمص ذاتها الحقيقة.. تخرج من بوتقة الموضوعية المفروضة على تكوينها الأفلاطونى البحت..تهدأ روحها المعذبة.. تكونها دونما زيف..يلوح هذا الحلم الجميل الساذج...
قبل الدخول فى غيبوبة الحلم القديم أفزعها ذلك الكم الرهيب.. المنعكس على عينيها من الكآبة والجمود.. الذى يغلف تلك الهياكل البشرية الغفيرة حولها..كأنه يقول لها فى فجاجة وسخرية " أفيقى أيتها الساذجة.. مهلاً يا أخت الخيال.. أية يوتوبيا ممكن أن يسكن المطحونين تحت رحى لقمة العيش؟ أية فضيلة فى زمن الحيتان تُرتجى؟!"
لم تطل صدمتها كما لم يطل شرودها.. ذهبت مسرعة مثلهم إلى ذلك الموظف المبرمج القابع وراء الحائل الزجاجى ذى الفتحة الصغيرة.
جالت عيناها فى كل اتجاه على رصيف الانتظار مذعورة .. مما آل إليه حال البشر.. أهؤلاء حقاً بشر؟ أم أنهم أشباح تؤدى دورها فى كابوس مرعب.
قامت برحلتها المعتادة عبر الزمان والمكان .. خارج حدود الحاضر بكل ما فيه من قسوة ومرارة..إلى أعماق الماضى القريب الجميل.. والذكريات الناعمة.
تنبهت على هدير المترو القادم على البعد.. لكنه مزدحم جداً كالعادة.. لم تدع لنفسها فرصة للخيار بينه وبين ما يليه.. وضعت قدمها التى بالكاد تحملها بأى قاطرة والسلام.. وبمجرد أن جابت عيناها أرجاء ذلك المكان المحدود.. تسرب كل ما تبقى من أمل فى الجلوس.. للتخلص من بعض الألم والإرهاق الذى يكاد يقتلها.
فجأة قام أحد الركاب متنازلاً لها عن مقعده..وقبل أن تكمل كلمة الشكر كانت قد ألقت بجسدها المقتول تعباً على المقعد.. لتكتشف أن عدم الاختيار يكون أحياناً هو عين الاختيار.
أسندت رأسها إلى النافذة المغلقة.. كان ظلام الأنفاق حافزاً على الاسترخاء .. وإطلاق العنان لأمنيتها الجميلة.. التى هى سبب مجيئها إلى هذه المنطقة تحديداً.. وكانت لا تسمع بها إلا فى المسلسلات فقط.. ارتبط اسمها بالقتلة واللصوص ونجار المخدرات.. لم تكن تتخيل ولو لحظة أنها ستكون من روادها يوماً.
لم تكن تعلم أن كلمة الحق والشرف والنزاهة.. عملات خاسرة .. فقدت غطاءها منذ آماد بعيدة.. وانخفضت قيمتها فى بورصة الحياة.. بل سُحقت تحت أقدام الزمان الردىء.
مفتونة هى به.. روحه الحرة.. قلمه المتمرد.. كتاباته الجريئة.. مثلها هو تماماً يأبى الاعتراف بدنيا الأوضاع المعكوسة وزمن أنصاف الرجال.. يصر بصرامة على الموت فى سبيل المبدأ.. مجنونٌ هو بزمن الفرسان.. واهمٌ مثلها باليوتوبيا.
" لا تحزنى يا حبيبتى فلن يطول الفراق.. حتى وإن طال الفراق لا تحزنى.. فموعدنا مع كل غروب لن تُخلفه الروح.. فالأرواح حرة أبداً.. الأرواح لا تُسجن.. لا تسجن يا حبيبتى" مازالت كلماته لحظة الوداع ترن فى أذنها.
ترتسم أمام عينيها ابتسامته الساخرة.. وهو يمازحها فى أسى توارى خلف روحه المرحة الجميلة.. وقلبه الشجاع المغامر.
يقول فى شبه تأكيد أنه لن يبحث بعد اليوم عن الكتب التى تناولت حياة المعتقلات.. وحكايات المعتقلين .. من أجل إتمام روايته الجديدة " فأنا ذاهب بنفسى لأحياها على الطبيعة.. ليصبح لى قصة يمكن رصدها أيضاً.. لا شك أن هذا سيكون أكثر صدقاً.. جاء فى وقته تماما" أردف محاولاً تخفيف آلام الفراق.
تذكرت تلك اللحظات الأخيرة.. وهى واقفة فى مفترق الطرق.. تجهل قدمها طريق العودة.. ولفتاته وهو يتوارى مع الشمس رويداً رويداً تلهب قلبها بسياطها الحامية...
خلف أسوار عالية .. وقضبان محكمة قابعٌ هو الآن.. لا سبيل للوصول إليه إلا بعد شوطٍ مضنٍ من الإجراءات.. قد لايُجدى أحياناً.
سألها ممازحاً فى أول زيارة عن سر ارتدائها اللون الأسود هل هو موضة أم حزن عليه؟.. وكان يرتدى نفس اللون.. شملته بنظرة من أعلى إلى أسفل عرف مغزاها فى التو.. وبنفس الصمت البليغ بينهما كانت الإجابة موحدة " على الحرية"...
تنبهت فجأة.. باق محطة واحدة على الوصول.. لملمت أفكارها ومشاعرها المتناثرة فى كل ركن من أركان العمر.
بقيت أهم وأصعب مراحل عذاب المواصلات.. إنه ذلك الأتوبيس الأثرى موديل قبل الميلاد .. لكن ما باليد حيلة.. فلا بديل إلا السير على الأقدام كيلوات طويلة.
أخيراً تلوح لعينيها على البعد بوابة السجن الأسطورية العملاقة.. تتحدى الزمان والبشر.. تستفز القادمين بأقفالها وسلاسلها المحكمة.. تصهر قلوبهم على الأحبة خلفها.
أمام تلك البوابة الرهيبة خارت قواها تماماً .. كادت تسقط على الأرض لولا الأمل وفرحة اللقاء..فهى أخيراً على بُعد كيلومتر واحد فقط منه.. عاودها الصمود من جديد.
انبرت تفتش فى شنطة يدها عن الأوراق المطلوبة لإتمام الزيارة لحظة السماح لها بالدخول.. مرقت مسرحة إلى داخل هذا العالم الغريب...
اجتازت كل الحواجز.. تخطت كل الاستجوابات .. أقرت بسلامة موقفها كل المراصد.
وأمام الباب الحديدى الضخم.. الحائل الأخير بينهما .. كانت ضربات قلبها تعلو على صوتها.. نظرت إليها من ثقوب ذلك الباب الضيقة جداً والمعدودة نفس السيدة المسئولة عن الزيارات.
لم تزل لم تتخلص بعد من دهشتها الشديدة لوجود سيدة فى مثل هذا المكان مهما كان السبب.. أى شىء فى الوجود لا تراه مقنعاً لأن تطرح المرأة أنوثتها جانباً وتقبل مثل هذا العمل.
أعطتها تصريح الزيارة وتحقيق الشخصية.. لم يساورها أدنى شك فى رؤيته بعد كل هذا العناء.. بل شط بها الخيال بعيداً.. إلى سيناريو الزيارة والحوار المحتمل..الفرحة.. المزاح.. الضحك.. الدموع..المشاجرات الطفولية الجميلة.
بينما هى غارقة فى أحلام اليقظة الوردية تنتظر السماح لها بالدخول بصبر نافد..إذا بذات السيدة تجىء من غياهب هذا المكان السحيق عاقدة حاجبيها.. وبقسوة وفظاظة فطرية معتادة توقظها من خلف الثقوب زاعقة كالنفير " الزيارة مرفوضة".
اختفت سيدة السجن مع ثقوبها فى لمحة.. تركتها صريعة اليأس.. كسيرة الروح.. تنظر فى كل اتجاه مذهولة.. والدنيا الواسعة التى كانت قبل لحظات صارت كثقب الإبرة فى عينيها.. خلَّفت مشاعرها المجروحة.. ورسائلها على الباب وحيدة.. حزينة.. مهزومة.. تأبى إلا الدخول.
اقتلعت قدميها من أمام الباب المثقوب بصعوبة قاتلة.. استدارت عائدة بحصاد لا يُحتمل من الإرهاق والألم.. تردد نبضات قلبها المجهدة على وقع خطاها الجنائزى نعيق تلك السيدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق